كنت في الثلاثين من عمري ، ماشيا ذات ظهيرة، وإلى جانبي أحد تلامذتي وكان قد التحق بمعهد بحث زراعي وكان مما أحببته فيه أنه كان لا يكف عن الكلام حول دروسه وتداربيه العملية ، لكبير استفادتي مما يتكلم عنه بتفصيل ، حتى كاد ينقل إلي كل خبراته النظرية، على الأقل، لكن قُدِّر لنا أن نفترق ولا يكتب لي أن ألقاه إلا بعد أكثر من أربعين سنة ،لنستعيد معا من جديد بعض ذكريات الماضي الجميل حسب تعبيره ، والتي تركت بنفسه بصمات إخاء ومحبة صادقة ظلت سارية لم تمّحِ، إلى اليوم، لكنني فاجأته بقولي:
ـ إنني أنا الذي كنت تلميذك بحق أيها الصديق العزيز..
ولأننا كنا نتحاور مباشرة ، بل عبر ما تستطيع نقله كلماتنا عبر الماسنجر، حسبت أنه فغر فاه متعجباً، فعبَّر عن ذلك بما يشبه هتافًا مرحًا منه، وهم يتبسم ضاحكاً:
ـ كيف ؟
ـ لقد أقَـلْتَ عثرتي يومًا، أو قل إنكَ أنجيتَني وكنتُ على وشك أن أسقطَ شر سقطة:
فأجاب دون أن يكف عن التعجب:
ـ أما أنا فلا أتذكر، رغم أنني قليل النسيان، بل ممن يتعجب كل الذين من حولي من قوة ذاكرتي.
لكن بعد قليل ، وكان خط حوارنا قد انقطع، لانصرافي عن تشغيل تيار الأنترنيت، وجدت نفسي في الشارع ، تحملني أجنحة أحلام يقظتي ، فتذكرت ما كان من أمري وأنا أستحضر موقفنا ذات يوم ونحن نصعد من باب العين، في مدينة الجبل البعيد، عبر عقبة باب السوق، وبينا نحن لما نصل إلى وسط العقبة، وقد وقفنا وسط الشارع، أمام باب المقبرة ، الذي يقابله على الجانب الآخر دكانان ، أولهما يحمل اسم أحد زملائي في الإعدادي، كان قد انقطع عن الدراسة منذ سنوات ليتفرغ للتجارة ، و ثانيهما لا يحمل اسما لكنه معروف باسم صاحبه الذي اختص ببيع مواد البناء، ثم إلى جوار ذينك الدكانين كان محلٌّ ثمة محل للتصوير، ظهر لنا أعلى قليلًا قمر في يومه الرابع عشر بالضبط، كامل الفتنة في إهاب حستاء في التاسعة عشرة : هي (أحلام) التي كانت في طريقها إلى بيت أحد أقاربها، ، نشرت ضياءها على كل من حولها بالشارع ، على النازلين من جهات عليا ، إلى الصاعدين من أدنَى السبل، إلى كل من يقطنون بالدور على جوانبه، أما أنا فذُهلت وأن أنظر إليها منبهرًا، وكأنني عثرت على ما كنت أضعت من أحلامي في الثلاثين عاما التي قضيتها على هذه الأرض، معظمها كان في هذه المدينة الجبلية، حتى أنني لم أعرف كيف سمِع رفيقُ دربي ما هجسَتْ به إليَّ نفسي ، أو ما تحدثتْ به إليّ:
ـ اللهَ، ما أجملها!!!
فسمعتً صوته يأتيني وهو يقول:
ـ نعم جميلة لا ريب، ولكن…
وسكت رفيقي، وهو يسمعني أقول:
ـ لكن ماذا؟
تابع وكأنه كان يسمع كلامي قبل أن يَصْدُرَ عنِّي :
ـ …هناك بينك وبينها عقبة كأداء، أصعب من هذه التي تقطع انفاسنا اللحظة، ما أظن إلا أنها تسد كل طريق.
فزاد ذلك من انشداهي وتعجبي، فقلت بين همس وجهر، بصوت من يعاني ما يشبه دُوار البحر وقد تطامى الموج :
ـ كيف؟
نظر نحوي ل وعيناه ناضحتان بمنتهى الحِلم ، وقد يوجد الحلم في الشبان والشيب حتى في عصرنا يا ابا الطيّب، وبكل وثوق المجرب الخبير ، همس لي:
ـ شدَّةُ تحكُّم من تتمنى أن تكون حماتك واستبدادُها تُنَفِّر كل طالب قرب من بيتها مهما يكن…
وكان بذلك يمد لي طوق وقاية، ويسعفني بحبل نجاة ، لولا هما معًا كان صدامي أكيدًا مع أقرب جدار ، إثرَ خطوة تراجعت عنها لولا إسعافك هذا ، والذي غير وجهتي إلى طلب ما كنت أريد من أحلام على فراش آخر..
أحمد بنميمون









































































PDF 2025


