ـ14ـ
عاد أهل سوق ثلاثاء جبل الحبيب يومئذ بخبرين: الأول هو القبض على الفقيه السي عبد الله من مدشر الروسييش في بقرة الشاوشاو، وربطه إلى وتد في سجن السوق إلى أن يؤدي ثمنها. والثاني هو ما وقع للوح السي الطاهر المعلق في باب السوق.
فقد مرت بالباب فتاة من مدشر (الصاف)، وهو مدشر يحفظ جميع أهله القرآن، رجالهم ونساؤهم. فما أن مرت ببصرها على أول ما كتبه السي الطاهر حتى تنبهت لنسيانه وضع نقط الشين فوق كلمة أمشاج من قوله تعالى: إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا. فلم تكلم أحدا، ولم تلتفت إلى أحد حتى انطلقت إلى حداد تعرفه في السوق، وسألته أن يناولها سيخا من حديد، ثم طلبت أن يضعه على النار حتى يلتهب، ثم توجهت به نحو الباب، وصعدت فوق كرسي عمي لحسن، وثقبت اللوح فوق شين أمشاج ثلاثة ثقوب، وانصرفت.
وأُخبر السي الطاهر بذلك فانطلق حتى وقف على لوحه، ووجد الناس حوله يتضاحكون، ولم يلبث أن لحق به الفقيه المفضل، وأما الفقيه العياشي فلم يأبه بذلك كله، وأرسل بغلته مع ابنه متخذا طريقا مختصرا إلى مدشره يمر به في نهايته على مدشر (اجْبِيلَة)، بينما سلك ابنه طريق (الخْنَاق) أو (سِيوَانة) ثم مر بمدشر (اخْشَابْشْ ) قبل أن يصل إلى مدشره، وذلك لسهولة هذا الطريق على الدواب.
ونظر السي الطاهر إلى الضاحكين برهة من الزمان ثم ابتعد قليلا إلى مكان قريب من السوق فيه حجارة فأخذ ثلاثة منها ووضعها في (قَبِّ) جلبابه الجبلي الواسع، وعاد إلى السوق. فلما دخله عرج يمينا على سوق الزرع وقطعه إلى أن وصل إلى دكاكين بيع الجلود والأحذية، ثم عرج يسارا تاركا عن يمينه المسجد والإدارة، ووقف قليلا، والناس تسأله عن الأحجار التي يحملها في (قب) جلبابه، وهو لا يجيب، ثم انحدر إلى آخر السوق مارا ببائعي الخضر، ثم عرج يمينا نحو الجزارين، ثم عاد إلى باب السوق حيث وجد الفقيه المفضل في انتظاره، فلما رآه مقبلا سأله مبتسما عن الأحجار التي يحملها، فقال السي الطاهر: تريد جوابا لك أو جوابا للناس.
قال الفقيه: أريدهما معا.
قال السي الطاهر: أمَّا للناس فهذه نقط أمشاج. وأمَّا لك فأقول: الحجر الأول سعادة القايد، والحجر الثاني القاضي، والحجر الثالث الشَّاوْشَاوْ.
قال الفقيه: أي الطريقين نتخذ في رجوعنا؟
قال السي الطاهر: احمامة امرأة كبيرة في السن، وهي تشكو ركبتها كثيرا، فدعها تركب بغلتك، ونختصر نحن الطريق على أرجلنا، فأنا لا أحب المرور عبر (الخناق). رؤية الإسبان هناك تذكرني معركة بوعودة.
قال الفقيه: وماذا في ذلك، لقد هزموا يومئذ.
قال السي الطاهر: نعم هزموا، غير أن هزيمتهم لا يمكن أن تنسيني أنه في ذلك اليوم رزق الله تعالى الشهادة رجلا صادقا أحببته.
دمعت عينا السي الطاهر ثم قال: رحم الله تعالى الأمينَ بن الفقيه ابن يرماق. ورحم الله تعالى المجاهد المتني. لقد قتله الإسبان بعد أن استتب لهم الأمر. حاصروا منزله فخرج إليهم مطمئنا، وهو يعرف أنهم قَاتِلُوهُ لا محالة، فلما خرج أمروه أن يحفر قبرا ففعل، فلما فرغ من ذلك أطلقوا عليه الرصاص، ورموه في القبر الذي حفره بنفسه، وأهالوا عليه التراب، وانصرفوا.
عاد الرجلان إلى الشجرة القريبة من الإدارة حيث تَعَوَّدَ المفضل أن يربط بغلته الشهباء، فلما وصلا الشجرة أخذ الفقيه بلجام البغلة وانطلق بها يمشي، وخلفه السي الطاهر، حتى إذا وقفا على احمامة في دكانها وسلما عليها أوصياها بالبغلة خيرا، وتركاها عندها، ثم خرجا يسرعان الخطو إلى المدشر.
ـ15ـ
كان من عادة الفقيه المفضل أن يعقد درسا في النحو بعد عصر كل يوم، لا يتخلف عنه قط. فلم تكن لطلبة العلم عطلة، وإنما العطلة يومي الخميس والجمعة لصغار الطلبة ممن لم يحفظ القرآن كاملا بعد، وهم (المْحَاضْرِية).
وقد رجع بعد الظهر من سوق الثلاثاء وهو واجم لا يكلم أحدا حتى ظن الطلبة أنه لن يدرسهم في ذلك اليوم. فلما فرغ من صلاة العصر وانصرف المصلون، ولم يبق في المسجد إلا الطلبة ينتظرون درسهم، جلس أمام المحراب ينظر إلى الأرض مدة، وقد هابوا تكليمه لما بدا عليه من الاهتمام، ثم رفع رأسه، وقال:
ـ هل نبدأ؟
ثم أجاب نفسه بنفسه فقال: نبدأ إن شاء الله تعالى.
وأشار إلى (الدامر) أن يسرد، ولم يكن من عادته أن يكلفه بذلك، لكثرة ما يرتكبه من خطأ في القراءة. ولم يكن الفقيه يصحح القراءة للسارد، وإنما كان ينبهه بصوت لا معنى له.
ـ اممممم.
فيعرف السارد أنه أخطأ، ويحاول أن يصحح خطأه مع تربص الطلبة به وسخريتهم منه بعد الدرس، وتداولهم لأخطائه، وتندرهم بها. فكان لا يقوم بالسرد من الطلبة إلا المبرز فيهم. فلما كلف الفقيه (الدامر) بالسرد نظر الطلبة بعضهم إلى بعض مستغربين، وانتظروا حدثا طريفا يتسلون به.
نظر (الدامر) في ملزمته مرتجفا ثم بدأ القراءة في باب الحال من شرح المكودي على الألفية، والفقيه يُبَيِّنُ كلام الشارح بما حفظه من حاشية سيدي حمدون ابن الحاج المسماة بالفتح الودودي، دون أن يكون الكتاب تحت نظره، حتى إذا وصل إلى قول الشارح:» والمراد بالفَضْلَةِ ما يصح الاستغناء عنه، وقد يعرض له ما يوجب ذكره، إما لوقوعه سادا مسد الخبر نحو: ضربي زيدا قائما، أو لتوقف المعنى عليه كقوله:
إنما الميت من يعيش كئيبـــــا
كاسفا باله قليل الرجــــاء».
سكت قليلا، ثم سأل الطلبة:
ـ أين صِلَةُ مَنْ؟
فأجابه معظمهم: ـ جملة يعيش.
قال الفقيه: والعائد؟
قال أسرعهم جوابا: ضمير يعيش.
لاحظ الفقيه أن (الدامر) لا ينبس بحرف، فسأله:
ـ هل أنت معنا؟
قال ( الدامر): نعم.
قال الفقيه: أرى عقلك في (العَسَّامِيَة)، وجسمك في المسجد.
ابتسم الطلبة في تَشَفٍّ ظاهر، فقال الفقيه: الميت بسكون الياء مبتدأ. هذه ذكرها المُحَشِّي. أما العلم الزائد عما في الحواشي فسمعناه من شيخنا أبي الشتاء، قال رضي الله عنه وأرضاه ورضي عنا به: «رجلٌ مَيِّت ومَيْت، وقيل: المَيْت: الذي مات، والمَيِّت والمائِت: الذي لَمْ يَمُتْ بَعد، يقال: هو مَيّتٌ غداً ومائِت ولا يُقال: مَيْتٌ.
نعم. قالوا هذا.
ثم التفت إليهم وقال: قالوه أم لم يقولوه؟
أجابه الطلبة جميعا: بل قالوه.
قال الفقيه: هكذا أعرف أنكم لم تناموا بعد. ثم التفت إلى (الدامر) وقال:
ـ آقُومْ مْنْعَاسْ. (قم من النوم).
(يتبع)
محمد الحافظ الروسي









































































PDF 2025

