عادت التخوفات من جديد إثر الانفراج الذي أعقب فترة الحجر الصحي، وهي تخوفات نابعة من أرقام تفشي الوباء و ارتفاع في عدد الوفيات والحالات الحرجة التي تتفاوت حسب الجهات، و في خضم هذه التطورات تتقدم جهة طنجة تطوان الحسيمة إلى واجهة النقاش الصحي العمومي، ولم يبق الأمر محصورا في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي بل امتد الصهد إلى دواليب السلطات الصحية التي سارعت بالتحرك لتطويق الأزمة حتى لا تخرج عن السيطرة، خصوصا وأن طنجة عاصمة الجهة هي المعنية بارتفاع الأرقام أكثر من غيرها، وهي حاضرة لها مركز اقتصادي قوي على المستوى الوطني سواء من حيث الإنتاج أو اللوجستيك إلخ، وأي ضرر قد يمسها فإنه يمس في مقتل الاقتصاد الوطني وصدى تحكم المغرب في الوباء.
وتتعدد وجهات النظر وتختلف في أسباب وخلفيات بقاء مدينة طنجة على الخصوص مصنفة ضمن المنطقة الثانية، وتتناسل بالتالي تساؤلات حول استمرار جثوم الوباء على صدر هذه الحاضرة؛ هل هو راجع إلى البؤر الصناعية أم العائلية أم إلى أحياء بعينها، والشعبية منها على الخصوص…، وخلافا لما تطالب به أصوات تعالت من أجل المزيد من تخفيف القيود عن طنجة مثل باقي مدن المغرب حتى يتنفس سكانها الصعداء، والأطفال على الخصوص، ويستنشقوا نسيم البحرين ويتحمموا بمائهما المنعش، تم استئناف تطبيق حجر صحي جزئي بها، هم أحياء بعينها اعتبرت في حكم البؤر اللعينة.
———————–
الفيروس لا زال موجودا و يتحرك ويتنقل، هذا ما تؤكد عليه وزارة الصحة في كل خرجاتها التواصلية والإعلامية، و تخفيف الحجر الصحي التدريجي والتصاعدي لا يعني العودة إلى الحياة العادية ماقبل كورونا، وإنما التعايش مع الفيروس بحذر من خلال الالتزام بالإجراءات الاحترازية والوقائية، وذلك لتحقيق التوازن بين إنعاش الاقتصاد و إنعاش النفوس والأجساد للإقبال على الاستهلاك دون التعرض للخطر، ودون السماح للفيروش بالتفشي من جديد، والعودة إلى الوراء وتطبيق الإجراء الثقيل والصعب المتمثل في الحجر الصحي، جزئيا كان أو عاما.
وعلى هدي هذه المنهجية المرنة التي تتبعها جل بلدان المعمور التي تعاني من هذا الوباء، تتقرر مراحل توسيع فتح مجالات الحياة العامة والترخيص للأنشطة الاقتصادية والاجتماعية، وحاليا وصلت بلادنا إلى المرحلة الثالثة من تخفيف الحجر الصحي، وهو ما يعني السير قدما في عملية توسيع دائرة الإباحة والترخيص وتضييق دائرة التقييد والمنع، خاصة في المنطقة الأولى، لكن رغم ذلك وحسب استطلاعات الرأي و أخبار من الوجهات السياحية وكذا من أسواق العيد فإن الرواج الاقتصادي لم يستعد عافيته كاملة بل يعاني من فتور مرتبط بالظرف الاستثنائي الذي له انعكاسات على النفوس القلقة المترددة والخائفة والجيوب على حد سواء.
وفي صلب المعادلات الصعبة التي خلقتها ظرفية الوباء الاستثنائية، تبرز أولوية تحريك عجلة القطاع السياحي كأكبر المتضررين من الجائحة لإنتشاله من الانهيار، وكذا إتاحة الفرصة السنوية للكسابة لتسويق منتوجهم وإنقاذ قطاع تربية المواشي من خسارة محققة بسبب الجفاف الذي يضرب معظم مناطق المغرب الفلاحية.
ومع ذلك، فتقدير السلطات العمومية لحساسية العيد الدينية والاقتصادية، لم يمنعها من الالتفات إلى الاعتبارات الصحية، بتقنين عملية الذبح لتخضع لشروط الصحة و السلامة، حيث إن طقوس الأضحية و حماس اللحظة التضامني قد ينتج عنه اختلاط غير مضمون العواقب، والكرة الآن في ملعب الأسر وسنرى إن كانت ستحيذ عن عاداتها الراسخة امتثالا للمصلحة العامة أم ستتغلب العادة على الهاجس الصحي الجماعي؟.
وارتباطا بمسألة العيد، وبعيدا عن الهاجس الصحي، يناقش في الفضاء العام كذلك الجانب المرتبط بالقدرة الشرائية وشراء الأضحية، وتتباين فيه الآراء بين محبذ للتعامل بمرونة مع الأضحية كسنة مؤكدة، و داع إلى إلغاء طقس الأضحية هذه السنة و الأخذ بعين الاعتبار الأزمة التي تعاني منها فئات واسعة من المجتمع، و داع إلى التشبث بإحياء هذه المناسبة لأنها تشكل متنفسا اقتصاديا وسوقا يعرف رواجا لا تقدر آثاره بثمن، خاصة في هذا الظرف الاستثنائي الذي يعرف فيه الاقتصاد انكماشا.
—————————–
الموجة الثانية قادمة، الطبول تقرع محذرة من الاعتقاد بأننا تركنا الوباء وراءنا، معظم علماء الأوبئة والفيروسات والأمراض المعدية يذهبون مذهبا أن الفيروس ومرض كوفيد 19 الناتج عنه؛ رغم معرفة الكثير عنهما يبقيان غريبان إلى حد ما كما يبقى تطور الفيروس في حكم المجهول، ثم إن أمل تميز الفيروس بالموسمية و أفوله مع حرارة فصل الصيف انقشع.
لذلك فالضباب يلف كل لحظة من اللحظات التي نعيشها حاليا، فكثير من البلدان عادت إلى تطبيق الحجر الصحي على عدة مناطق بعد أسابيع من الخروج منه، ولم تستطع الدعوات التحسيسية كبح جماح الأهواء التي مع فتح الحدود والسماح بالتنقل بين البلدان والجهات والأقاليم والمدن ازدادت صولاتها وجولاتها وكأنها تعوض ما ضاع منها من حرية في أيام الحجر الصحي الرتيبة و الكئيبة.
وفي هذا السياق المضطرب، عادت من جديد مناقشة حدود السلطة و الحرية، و المسؤولية الفردية والجماعية، والنزعة الأنانية والتضامن، حيث تبين أن الاعتماد على رجاحة عقل الأشخاص كسياسة للتعايش مع الفيروس لحماية أنفسهم والآخرين لم تؤت أكلها، مما حتم الانتقال إلى استعمال سلطة الدولة لفرض سلوكات تقلل من تفشي الوباء و منع أخرى تساعد على تفشيه.
والآن من علامات تأثير الوباء نرى أن موسم الاصطياف يعرف ارتباكا، و ربما العيد سيعرف ارتباكا، و إذا لم نغير سلوكنا في ظل استمرار الوباء سيعرف كذلك الدخول الاجتماعي والمدرسي تغيرات لا أحد يتوقع ما هي، فمع كورونا كل الأرض التي نتحرك فوقها هشة و متزحزحة إلى إشعار آخر.
وكل عيد وأنتم بألف خير.
عبدالحي مفتاح









































































PDF 2025


