(7)
تقديم:
أدب الرّسائل، يتضمّن جوانب مهمّة تقتضيها الكتابة الحرّة، والموضوع المسترسل، ويتضمّن هذا الأدب إشارات علمية، وإفادات فنّية، وإنشادات معرفية…
وفي هذه السلسلة ندرج بعضاً ممّا توفّر لنا من أدب الرّسائل التي التحمت فيها أرواح علماء شمال المغرب. ونثنّي بمراسلات العلامة الأديب قاضي مدينة طنجة محمد بن إدريس بن رحمون الفاسي داراً، الطّنجي وفاةً وإقباراً رحمه الله، مع مجموعة من الأعلام.
-21-
[من العلامة الأديب، قاضي طنجة، محمد بن إدريس بن رحمون الإدريسي إلى صديقه العلامة الشريف سيدي البشير أفيلال، يجيبه على رسالته، ويتشوّق لرؤيته، ويعتذر لمرضه…]
الحمد لله
فضيلة العزيز، الشريف المُنيف، الظّريف العفيف، المتناهي أدباً، المتعالي حسباً، كريم الأخلاق، ماجد الأعراق، محبوب أمّته رفعة وسناء، عمدة أسرته عزّة ووفاء، علاّمتنا الأستاذ الكبير، سيدي ومولاي البشير رعاه الله.
أقدّم بين يدي نجواي تحيّةَ من عند الله مباركة طيّبة، تسدي الجميل، وتقبل ثرى الحرّ الجليل، (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرّجز أهل البيت ويطهّركم تطهيراً).
إنّي ألقي إليّ كتاب كريم، من أخ حميم، شريف الأعطاف، بديع الأوصاف، عذب المورد، طيب المولد، حسنت مكارمه، وحمدت مآثره، حماه الله ووقاه، وكان له وتولاّه.
فلله ما أجله من خطاب بليغ، أحرز من الأدب أصوبه، ومن البيان أغربه، ومن الثّناء أعذبه، من فكر فسيح، بقلم نصيح، وقول فصيح، برهانه صريح، ومعناه صحيح، فهنأكم الله ووفّقكم، وأخصب بمنّه روض مرعاكم، وأبقاكم في نخوة سامة، ورهوة رابية، وربوة عالية.
وإن سألتم عن الحال والأحوال، فقد رفع الله لأخيكم بساحة السّكينة رايةً لا تنتكس، وجعل له في مسكن الرّاحة آية لا تنطمس، ونهج له طريقاً إلى الاستسلام لا تلتبس، وفتح له أبواباً في الاشتغال بالعلم لا تندرس، فله تعالى الحمد كلّه، وله الملك كلّه، وبيده الخير كلّه، وإليه يرجع الأمر كلّه.
غير أنّي أستمنحكم عفواً بقدر ما يعلمه جنابكم من شغفي بمحبتكم، وإخلاصي في جانب أخوّتكم، وكوني أحرص في التعجيل بجوابكم، لولا مانع المرض،-ولساحتكم العافية- فمن أوبتي من الحمراء بعد أسبوع العيد النّبوي وأخوكم منحرف الصّحّة، ثقيل الحركة، من أسقام بدنية، وآلام باطنية، إلى أن أغناه الله من فضله بالشفاء عن الطبيب والدواء، وبالعافية عن التّوجّع والداء، وهذا أوّل خطّي بقلم الخجل، على رقّ الوجل، كشف الله عنّا وعنكم هفوات المحن، وغمرات الفتن، إنّه سبحانه وليّ التّيسير.
وإن تعجب فعجب من امتداد مقامي بهذا البلد الأمين، وهي لنا بالخصوص دار غربة، لا يهب علينا فيها نسيم قربة، بل ليس لنا فيها قريب ولا نسيب، ولا جار ولا حسيب، ولا خلّ ولا نسيب، ولكن؛ هو البناء أمره ممطول، والقائم به مقيّد مغلول، أمّا مواعيد العملة ميه فهي عديدة سريعة، ولكن إنجازها كسراب بقيعة، لا تنفع عندهم وسيلة، ولا تستميلهم حيلة، ولا ترجى منهم في الخير فتيلة، يحبّون أن يمدحوا ولكن بدون أن يمنحوا، لذلك لا يوجد لهم شاكر، ولا يترنّم بمدحهم ذاكر.
نعم؛ الحق ما قال الله جلّ جلاله: (لكلّ أجل كتاب)، (وما يذّكّر إلاّ أولوا الألباب).
وإن أحسنتم وتفضّلتم فأعنّي في ظهر الغيب بصالح دعائك، وحميد التفاتك، فلساني على الدّوام رطب بمدائحك، وقلبي بذكرك كلِف بحبك، شغف بشكرك، (وإنّ إن شاء الله لمهتدون).
وأنهي عاطر سلامي، وفائق احترامي للأخ سيدي محمد الوزير الخطير، التّقيّ النّقيّ، الزّكيّ الذّكي، محمود العناصر، وكريم العشائر، عنوان المفاخر، أنجح الله مساعيه، وبلّغه أمانيه، والله يحفظنا وإيّاكم ممّن لا ينتفع به صديق، ولا يأنس بقربه رفيق، (فسيكفيكهم الله، وهو السميع العليم).
محمد إدريبس الإدريسي ابن رحمون.
لم تزل عينه ساهرة، حتّى يراها إليك ناظرة.
ربيع 2- 1373هـ.
-22-
[من العلامة الأديب، قاضي طنجة، محمد بن إدريس بن رحمون الإدريسي إلى صديقه العلامة الشريف سيدي البشير أفيلال، يصطفيه بإجازة العلامة أحمد بن مَحمد بن سالم التجاني الجزائري لجدّه]
الحمد لله
الأخ في الله، شريفنا العزيز، علاّمتنا المتفنّن، الكاتب الأنجب، سيدي البشير أفيلال.
تحيّة طيّبة النّشر.
إن صاب ظنّي وصدق تخميني، فإنّ شخصك الفريد، وعليه يد من الله واقية، وحراسة راقية، يستكمل نشاط حياته الطّيبة، بوشي مبرور، بل درّ منثور، في رقّ منشور، ممّن تحبّه وتعتقده، وتجلّه وتحترمه، ألا وهي الذكرى الخالدة الواصلة إليكم طيّه، من كاتبها بإنشائه وخطّ أنامله، الشّريف الشيخ سيدي أحمد بن مَحمد التّجاني الجزائري رحمه الله، إجازة منه لجدّي الشّريف العلاّمة الشّهير، سيدي محمد التهامي ابن رحمون الإدريسي الحسني رحمه الله، بفاس الغرّاء سنة 1230هـ.
وإنّما اخترتك لدخرها لأنّ الكفاءة شعارك، والأمانة دثارك، تأتي السّنيّة، وتأبى الدّنيّة، وكان استمرار وجودها عندك في أعلى علّيّين، يونق أبصار النّاظرين، ويروق بصائر المحبّين، وآية للمتوسّمين، ولأنّ البعض من إخوان الصّفا كان عندي رآها فأكبررها وطوى عليها عزمه، وحدى عليها وكره، فآثرته بنظيرها، رعياً لمحمود ودّه وممدوح وصفه.
لكن تذكّرتك فكرهت استبقاءها بيده، منفرداً بتطوان، مقرّ الأنس والعرفان، إذ ربّما يجلب لي انحراف رضاك عنّي إذا رأيتها وعرفت أنّه نالها منّي، والحق أنّك المرتضى والمصطفى والمختار، والموفّق والمجتبى والمزكّى والمُهدى، فأنت بها أحقّ وأولى، والأقرب إلى الجميل، وعلى الله قصد السّبيل.
22 ربيع 2. 1374هـ. محمد إدريس بن رحمون
تنبيه: للطّرّة يمنى التّذكار فهو بخطّ جدّي رحمه الله مبيناً فيه تاريخ وفاة الشيخ رحمه الله.
د.يونس السباح









































































PDF 2025


