تقديم:
أدب الرّسائل، يتضمّن جوانب مهمّة تقتضيها الكتابة الحرّة، والموضوع المسترسل، ويتضمّن هذا الأدب إشارات علمية، وإفادات فنّية، وإنشادات معرفية…
وفي هذه السلسلة ندرج بعضاً ممّا توفّر لنا من أدب الرّسائل التي التحمت فيها أرواح علماء شمال المغرب. ونثنّي بمراسلات (واردة) على العلامة الأديب قاضي مدينة طنجة محمد بن إدريس بن رحمون الفاسي داراً، الطّنجي وفاةً وإقباراً رحمه الله، من صديقه الشريف البشير أفيلال.
-27-
[من الشريف الأديب السيد البشير أفيلال إلى صديقه قاضي طنجة محمد ابن رحمون، وقدّم لها المرسِل بالآتي]:
لمّا حضر الفقيه الشّريف الجليل الأديب سيدي محمد ابن رحمون قاضياً بثغر طنجة، وقد كانت لي معرفة خاصّة به بمرّاكش عام 1356هـ، وهو وقتذاك قاض بإحدى قبائلها، وجمعتنا موائد الباشا السيّد الحاج التّهامي الجلاوي وسهراته الليلية، كتبتُ مهنّئاً له بما يلي:
دُرّة عقد الشّرف الحسني اليونسي ولؤلؤته، وتاج مفرق الفضل والكرم الحاتمي وجوهرته، العلاّمة القاضي سيدي محمد ابن رحمون.
وبعدن فإنّي أفاتحكم بتحيّات مفاتحة حِبّ لحبه، وقد طال العهد على تدانيه منه وقُربه، وأجدّد بكم عهد إخاء تقادم عصره وذهب مع توالي الأيّام عنفوان شبابه وزهره، وأصل بكم رحِم النّسب ووصلة الأدب مع مراعاة لوازم الرّتب، بل أصل بكم رحم القربى حقيقة ولا غرابة، إذ معرفة عشرين يوماً -كما ورد- قرابة، وإنّي وإن وصلتكم بهذه الكلمات، فلستُ على نيّة الاقتصار عليها أو الاتّكاء في واجبكم عليها، بل لا بدّ من صلة الرّحم بكم شخصيّاً في فرصة مناسبة إن شاء الله.
على أنّ من حمّلتموه سلامكم لي بشّرني بأنّكم تنوون القيام بزيارة تقدمون أمامها إعلامكم، فاهتزّ لها الفؤاد طرباً، وردّدت كلمتيْ أهلاً ومرحباً، وهنا تذكّرت اجتماعاً بكم ومعنا المقدّس سيدي الحاج المهدي المنبهي رحمه الله ونعّمه، وباشا الحمراء بمحلّ لكم خارج المدينة، وأظنّه المحكمة التي كنتم تزاولون فيها الأعمال، فأنشدتني أبياتاً في بساطة المنزل، وتواضع المسكن، وتذكّرت هذا الاجتماع بالخصوص دون سواه، لما كان يعقد يومياً بدار الحاج التهامي وقصوره، ولعلّ السّرّ يرجع فيه إلى ما كان يسود ذاك الجمع من روحانية الأدب ولطفه، وصفاء جوّ القلب وقتذاك وظرفه، وعلى كلّ حالّ؛ إنّي لأرجو من الكريم أن نجتمع مرّة أخرى في جوّ ملؤه الصفاء والوِداد والإخاء والإسعاد.
في ربيع 1 عام 1365هـ.
-28-
[من الشريف الأديب السيد البشير أفيلال إلى صديقه قاضي طنجة محمد ابن رحمون، وقدّم لها المرسِل بالآتي]:
الحمد لله
كتبتُ للأخ العلاّمة قاضي طنجة سيدي محمد ابن رحمون وقد أهدى لي نسخة فوتغرافية من رسالة لشيخنا العارف الرّبّاني مولانا أحمد التّجاني قدّس الله سرّه، حرّرها لجدّ أبيه سيدي التّهامي ابن رحمون بتاريخ أواخر ربيع النّبوي الأنور عام 1374:
وبعد، وأنا أتغذّى مرقَة سلق ودبّاء، وأحتسي معها شربة حساء، قبضت غشاء رسالة لونه أصفر، ينمّ ما بداخله عن سرّ عظيم شأنه، وكان ذلك السّرّ أخّرني عن فضّ ختامها إلى ما بعد إنهاء الكلّ وجبة الغذاء وإتمامها، لأتلقّى ذلك السّرّ بكامل تهيئة واستعداد، وأفرغ القلب عن شواغل الحياة فيتمّ الإسعاد، وياما أعظم سروري وأيمن طائري وأسعد حظّي، إذ فضضت الختام لتلمس يدي رسم الأثر الكريم، والذّخر الفخيم، أثر شيخنا الأكبر، أبي العبّاس الختم مولانا أحمد التّجاني المضمون البركة، والمسوجر النّفع في السّكون والحركة، وذلكم رسالته المخطوطة بيمناه، والممهورة بإمضائه، دام سرّه وعلاه، التي أجاز بها جدّكم الكبير، العلامة الشّهير، مولاي التهامي في أوراده وتلقين طريقته لمن سبقت له عناية الله في سابق أزليته، وفي كلّ ما اشتمل عليه كتابه جواهر المعاني، رواية عنه رضي الله عنه.
قد اهتزّت مشاعري لهذا الأثر الرّوحي، وتبلورت نفسي لأوّل نظرة ألقيتها على خطّ سيّدنا الشّيخ، وانجذبت روحي انجذاباً كدت أن لا أصدّق معه أنّني في هذا العالم المادّي، فسارعت لمرقدي أنشُد نوماً أستريح به من تعب النّفس بتأثّر الفرح، فإذا بالرّوح انطلقت سابحة في عالم خيال لا نهاية له، ماذا أملأ به هذا الخيال يا أخي التّفكير في صفحة تاريخ التّجاني وفضله ومزاياه، وشدّة تشبّته بالشّريعة وعضّه عليها بالنّواجذ، ومحبّته لآل بيت نبيّه الكريم، وزهده في الدّنيا، ودعوته إلى الصد بالوسائل المشروعة عن طريق العلم الصحيح المعضّد بنور الفتح، التي لا يبقى معها ريب أو شكّ، لا تنام العين إلاّ حين ينام القلب، ولا ينام القلب إلاّ حين تقلّ شواغل النّفس، وتسكن هواجسها.
نهضتُ بعد تمديد طويل إلى صورة المخطوط، أتمعّن في معانيه، وأتبسّط في مبانيه، ولم تكن لي حاجة إلى التعاريف التوثيقية التي وضعت تحته لإثبات نسبة الخط إلى الشّيخ قدّس سرّه، فالنّور نور، والسّهى لا تظهر البدور:
وليس يصّح في الأذهان شيء==إذا احتاج النّهار إلى دليل
ورحم الله القائل:
نور النّبوءة في وسيم وجوههم==يغني الشّريف عن الطّراز الأخضر
وخطّ سيّدنا الشّيخ جاء كما تجئ خطوط عثرة الرسول الكريم، ممدّه وساقيه، ومفيض بحر الإمداد عليه بمساقيه، وقد قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: لا يكاد خطّ قرشي يجود لقربه من النّبيّ صلى الله عليه وسلّم النّبي الأمّي.
إنّ وجود مثل رسم هذه الصّورة عند المحبّين في الجناب النّبوي وخلفائه في أمّته للتّبرّك والتماس الخير والفضل، واستفتاح أبواب رحمة لمن أعظم ما يدخرونه، وأكبر ما يستأمنون به، لأنّ التّبرّك بالآثار والمدّخرات المخلّفة ذات البال عن سيّد الوجود صلى الله عليه وسلّم، ومستخلفيه في أمّته، هو في الحقيقة تعلّق بروحانيّتهم المقدّسة، وتمسّك بحبل الله الذي لا ينفصم من الأعمال بالنّيات، ويكاد أن يكون الجاحد لمثل هذه ممن لا يومنون بالغيب، وقد قال المأمون العبّاسي وهو إمام المتكلّمين ومن فلاسفة خلفاء بني العبّاس: إنّ الرّجل ليأتيني بالقطعة من العود أو بالخشبة أو بالشيء الذي لعلّ قيمته لا تكون إلاّ درهماً أو نحوه، فيقول: إنّ هذا كان للنّبي صلى الله عليه وسلّم، أو وضع يده عليه، أو شرب فيه، أو لمسه وما هو عندي بثقة، ولا دليل على صدق الرّجل، إلاّ أنّي بفرط النّيّة والمحبّة أقبل ذلك فأشتريه بالألف دينار، وأقلّ وأكثر، ثمّ أضعه على وجهي وعيني وأتبرّك بالنّظر إليه وبمسّه فأستشفى عند المرض يُصِيبنِي أَو يُصِيب من أهتم بِهِ فأصونه كصيانتي نَفسِي وَإِنَّمَا هُوَ عود لم يفعل هُوَ شَيْئا وَلَا فَضِيلَة لَهُ تستوجب بِهِ الْمحبَّة إِلَّا مَا ذكر من مس رَسُول اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم .
د. يونس السباح









































































PDF 2025


