تحدثني نفسي بالعزوف عن مرتيل، والعودة إلى مسکني بتطوان، لكني أشفق على أهلي، فأكبت هذه الرغبة، وأماطلها وأسوّفها. ذلك أن مصطاف مرتيل، لم يعد المكان الذي أجد فيه راحتي، فهذا الازدحام المتجلي في السيارات، والمتمثل في هذه الأفواج البشرية التي تتقاطر على مرتيل، من كل حدب وصوب، ضرب عليَّ طوقا لا يمكنك أن تفتحه أو تتخلص منه، إلا إذا تصبب من جبينك عرق غزير، وتقطعت أنفاسك، ونفد صبرك.
هذا الطوق تستحکم حلقاته وتضيق مساء، ولا تتسع أو تتباعد إلا في الصباح، أو في الزوال، أو في الهزيع الأخير من الليل.
وقد كنت من الذين يفضلون المشي بين العشاءين، فحدَّت الأمواج البشرية التي تحج إلى الكورنيش من حركتي، وحظرت عليَّ المتعة، فأخذت أسرقها صباحا والناس نيام.
هو الازدحام إذن، حرمني من الحركة، وحرمني من الشعور بالطمأنينة، وهو الصيف إذن، له طقوسه وعاداته، فإذا تخلخل نظام غذائي، ومواعيد وجباتي، فعليَّ أن أذعن لحكم الصيف، وإذا نمت متأخرا، فلأن ليالي الصيف تتطلب السهر، وتستوجب السمر. وإذا فُرض عليَّ أن أستيقظ متأخرا، فلأن أهل الدار يستعذبون نوم الضحى، ويجدون فيه لذة ومتاعا.
وهكذا أنصاع لرغبات الأهل والأحباب، وأضحي براحتي في صمت ونكران ذات، فكيف أشق عصا الطاعة وأفر بجلدي إلى تطوان؟
إن حجة الأولاد التي يستمسكون بها، كسر الروتين، وكسره أو تكسيره، لا يتم في نظرهم إلا إذا تحرروا من المواعيد، وناموا بالنهار، واستيقظوا بالليل، وجلسوا إلى موائد الطعام في أوقات غير الأوقات التي ألفوها في فصول أخرى.
قديما، كان السن پسایر هذه الرغبات، ويتحمل تغییر العادات، أما الآن فإن نصائح الأطباء وإرشاداتهم، تفرض عليك النظام والانتظام، في أكلك وشربك ونومك، وفي حركاتك وسكناتك، فللسن أحكامها، ولفترات العمر ما يناسبها ويلائمها، فإذا تضايق الشيوخ من “الدربكة” التي تحدث في فصول الصيف، فلا يُلامون ولا يُستعتبون.
مصطفى حجاج









































































PDF 2025


