لا زلنا مع إحياء التراث الثقافي للمرحوم الأستاذ عبد اللطيف الخطيب، الذي لم يستوف حقه من الدراسة والبحث والتوقف عند رصيده المعرفي واستقصائه الذي يتطلب وقفات طويلة ومديدة ومتنوعة نقدا وتصنيفا وتأريخا وجمعا وتحقيقا. كنا قد نشرنا سابقا على صفحات جريدة الشمال الغراء، تعريب الأستاذ عبد اللطيف الخطيب للدراسة العميقة التي قام بإنجازها المفكر الاقتصادي المغربي الكبير المرحوم عزيز بلال، وقد كانت الترجمة بدورها لا تقل عمقا وروعة عن نصها الأصلي،
إضافة إلى كونها مستوفية لكل الشروط المعمول بها في هذا الحيز المعرفي الهام. اليوم سننتقل مع نفس المترجم إلى الضفة المقابلة، أي الضفة الإيبيرية عبر استحضار نص لا يقل أهمية ورونقا عن سابقه، يتعلق الأمر بكتاب «تمرد الجماهير» « للمفكر لا يحمل الجنسية الإسبانية وحسب، بل العالمية بكل المقاييس، يتعلق الأمر بالفيلسوف أورتيغا إي غاسيت.
للإشارة فهذا الأخير ليس برجل سياسة ولا بعالم اجتماع كما يذهب الكثير، بل فيلسوف ليبرالي ذو نزعة اجتماعية.
الفصل الثالث والأخير
الخاصية الأولى للجمهور هي أنه لا يعمل أبدا بدافع من نفسه، لذلك كانت مهمته الانقياد. والجمهور يوجه ويتأثر كما يمثل وينظم على يد الأقليات المختارة، وسواء وقع النقاش أو لم يقع حول الأشخاص الذين تتكون منهم تلك الأقلية، فمن الأمور
المسلم بها أن البشرية ما كانت لتصل إلى ما وصلت إليه من مراحل التطور إلا بفضل تلك الأقلية المختارة. ويمكن لنا أن
نعتبر هذه الظاهرة الحتمية قانونا من قوانين الطبيعة الاجتماعية. ولعل هذا القانون لا يقل ثباتا عن قوانين «نيوتن»،
فالإنسان يتوق بطبعه إلى مستوى أعلى، سواء أراد أم لم برد. وهو إذا نجح أصبح إنسانا مختارا، أما إذا لم ينجح فيبقى في عداد الجمهور الذي يحتاج عادة إلى توجيه الأقلية المختارة، وكذلك إلى التأثر بها.
وعندما يحاول الجمهور أن يعمل بدافع من نفسه، يتمرد في الواقع على مصيره. والتمرد في عرفي يعني عدم الرضى
بالمصير المقدر. والجمهور عندما يعمل بدافع من نفسه، لا يسلك إلى ذلك إلا طريقة واحدة هي طريقة العنف بإتيان أعمال
النهش. لذلك لا يحق لنا أن نستغرب سيطرة العنف عندما تنتصر الجماهير.
إن الحضارة الأوربية هي التي أحدثت تمرد الجماهير، فلقد دخلت البشرية كلها ابتداء من القرن السادس عشر في مرحلة
توحيدية عظمى، وصلت ذروتها في وقتنا الراهن. والسلطة تقوم لا على القوة ولكن على رضا الرأي العام. ولقد كان الرأي العام هو الذي يسيطر حقا في الدنيا منذ أن انتظمت شؤون المجتمع الأول بها. فقانون الرأي العام هو بمثابة نقطة ارتكاز
الجاذبية في التاريخ السياسي.
ويحدث في بعض الأحيان أن ينعدم هذا الرأي العام، فعندما ينقسم المجتمع إلى فئات مختلفة، تصبح قوة ملغاة بصفة متبادلة، فيحول ذلك دون قيام السلطة أو يؤدي إلى زوالها. ولما كانت الطبيعة تستهجن الفراغ، فإن القوة الغاشمة تحل مكان قوة
الرأي المعلم الذي هو بمثابة زيت التشحيم الذي ينساب بين الدواليب فيحركها.
إن معظم الرجال لا رأي لهم، لذلك كتن من الواجب أن يأتيهم هذا الرأي من الخارج، ويفرض عليهم بصفة من الصفات
حتى يفكروا. ذلك لأن انعدام الآراء يؤدي إلى حدوث العدم التاريخي، وحدوث هذا العدم هو أكبر المصائب التي يمكن أن تحيق بالإنسان، وأفراد الجمهور لا يهتمون إلا بتوفير أسباب الحياة الهنيئة لأنفسهم دون أن يخضعوا لنوع من أنواع
الأخلاق، بل إن غالبية الجمهور ترى أن التجرد عن الأخلاق ضرب من ضروب التحرر.
إن الإنسان المتوسط الذي يكون الجمهور قد أقفلت دونه آفاق الروح، وقد كانت هذه الظاهرة هي الدافع الأول له إلى التمرد الذي أصبح أكبر المشكلات التي تواجهها الإنسانية في عالم اليوم. والظاهرة الخطيرة في هذه الكتلة المتمردة هي شعورها
بأنها كاملة. أما الإنسان المختار فلا يشعر مطلقا بكماله إلا إذا كان مغرورا، والإنسان المغرور لا يكون ذا رأي مستقل لأنه يحتاج إلى الآخرين ليرى فيهم مصداق ظنه أو ليحاول رؤيته فيهم على الأقل. ولا يعني هذا القول إن هذه الكتلة المتمردة
تتكون من أشخاص أغبياء، بل إنها تتألف من أفراد لهم حظ من الذكاء لم يسبق لأمثالهم في التاريخ. إلا أن هذه القدرة
لا تفيدهم شيئا، بل إن شعورهم بها يزيدهم توغلا في عزلتهم التي تحول بينهم وبين ابتغاء السمو والكمال.
وقد سيطر أفراد هذه الطبقة على الحياة العامة اليوم، فلم يسبق في تاريخ أوربا أن ظنت العامة أنه بإمكانها أن تكون لها
أفكار حول مختلف المشكلات التي تعرض لها ولغيرها من الطبقات في هذه الحياة. لقد كانت لها عقائد وتقاليد وتجارب
وأمثال، غير أنها لم تفكر أبدا في أن لها أفكارا ونظريات حوا الأحوال الراهنة وحول الكيفية التي يجب أن تكون عليها ولم يدر في خلدها مطلقا أن تقاوم أفكار رجل السياسة بأفكار أخرى. ونفس هذه الظاهرة كانت تحدث في عالم الأدب والفن
جميعا. لقد كانت الجماهير تحس إحساسا عميقا بأنها محدودة الآفاق، وهي لذلك لم تكن تؤثر في تصريف الشؤون العامة
التي كانت في معظمها شؤونا نظرية.
أما اليوم فقد أصبحت العامة ترى أن لها أفكارا ثابتة حول ما يحدث في العالم وحول ما يجب أن يحدث أيضا. ولهذا السبب فقدت حاسة الاستماع إلى النخبة أو الأقلية المختارة. إن العامة أصبحت تحس بأنها ليست في حاجة إلى الاستماع فانعدم تأثرها بالعالم الخارجي، بل إنها أصبحت تعتبر نفسها صاحبة الحق في إصدار أحكامها على آراء الغير واتخاذ القول الفصل
فيها. ولقد أصبحنا نرى أنه لا توجد مشكلة من مشكلات الحياة العامة دون أن تحاول العامة التدخل فيها بفرض ما تسميه بآرائها متعامية متصاممة عن جميع الاعتبارات.
قد يقول معترض إن ذلك علامة من علامات التقدم لأن الجمهور قد تثقف ما دام قد تكونت لديه آراء يحاول فرضها وأخذ
غيره بها. إلا أن الحقيقة هي أن أفكار أي إنسان من هذه الطبقة ليست أفكارا حقيقية وتوفره عليها لا يعني أنه قد ارتفع إلى
مستوى ما من مستويات الثقافة.
فالذي يريد أن تكون له أفكار يحتاج دائما إلى أن يكون مستعدا لمحبة الحقيقة والنزول عند ما توجبه هذه الحقيقة. قلا يصح
التحدث عن الأفكار والآراء ما لم يسبق الاعتراف بوجود أنظمة عليا توزن بها تلك الأفكار ويرجع إليها فيها عند النقاش. وهذه الأنظمة هي بداية الثقافة. ولا توجد الثقافة متى انعدمت مبادئ المشروعية المدنية. بل إنه لا توجد الثقافة عندما تنعدم
بعض المواقف الفكرية الأخيرة التي يمكن الرجوع إليها عند حدوث الخلاف.
لإن انعدام هذه المقاييس يقضي على الثقافة، ومتى زالت الثقافة حلت الوحشية مكانها. وهذه هي الظاهرة التي نشاهدها في
أوربا اليوم عندما نرى الجماهير تتمرد تمردا تدريجيا. فلقد ظهر في أوربا عندما ظهرت الحركة النقابية والحركة
الفاشيستية …؟ إنسان لا يريد أن يعترف بحق غيره بل ولا يريد أن يكون هو ملزما بمعرفة الحقيقة والتوفر عليها، وإنما
يريد فرض آرائه على غيره من الناس. وهذا ما جعل الجماهير تسعى لتسيير المجتمعات دون أن تكون لها القدرة على ذلك، والسلوك السياسي لهذه الجماهير هو الذي يظهرنا على هذه الحقيقة المرة.
فليست آراء هذه الجماهير في الواقع إلا تعبيرا عن شهواتها، ولذلك كانت العامة لا ترضى الجدال والنقاش لأنها تشعر
بعجزها في هذا الميدان، فتسعى لفرض «آرائها» بالقوة. ولذلك كانت هذه الحركات الناشئة تسعى منذ البداية للقضاء على
مبدأ النقاش والاحتكام إلى الآراء السامية. وقد قلنا إن روح العامة روح منعزلة بسبب ذلك العجز، ولما كانت عازمة على
التدخل في شؤون الحياة العامة، فهي تلجأ إلى ما تسميه بالعمل المباشر لفرض آرائها التي تنطبق حتما على مقاصدها
وشهواتها كما سلف ذكره.
لقد بدت هذه الظاهرة التي هي ظاهرة العمل المباشر في مستهل هذا القرن على يد بعض النقابيين الفرنسيين. ونحن إذا
رجعنا إلى تاريخ البشرية وجدنا أن الإنسان احتكم إلى القوة واستعمل العنف. وليست الحضارة في الواقع إلا سعيا موصو
لا لإخضاع القوة للعقل، إلا أن ما أصبحنا نشاهده الآن يعني قلب الأوضاع إذ أن «العمل المباشر» ما هو إلا قلب للنظام
ومناداة بأن العنف يجب أن يعتبر بمثابة «العهد الأعظم» في الحياة المتوحشة.
وعلينا أن نذكر أنه لم يسبق للجمهور أن تدخل في شؤون الحياة العامة دون أن يستعمل العنف. إن المعايشة البشرية كلها قد أصبحت تقع تحت ثقل هذا النظام الجديد الذي يقوم على إلغاء الأعراف التي تتكون منها الحضارة والتي تصبح الحضارة
بدونها شيئا لا مدلول له. والحضارة معايشة، وهذه المعايشة تقتضي وجود أنظمة يرجع إليها. ثم إن الحضارة هي المجال
الذي يشعر فيه الفرد بجدوى الاعتماد على غيره برضا منه.
ولقد اقترن تمرد الجماهير بشيوع الشعور القائل باستغراب معايشة الخصم والحكم بالتعاون مع المعارضة. وإذا كان تمرد
الجماهير أمرا واقعا فهناك ظاهرة موازية له وهو أننا نرى انعدام المعارضة يكتسح قطرا بعد آخر. فالأقطار التي تتوفر
على المعارضة تزداد قلة كلما مر هذا الزمن الذي يختص بتمرد الجماهير، فنحن نشاهد الجماهير تثقل على السلطة العامة وتقضي على كل فئة معارضة في كل الأقطار تقريبا. ذلك أن الكتلة في مظهرها المتجانس تعادي ما سواها (الأقلية
المختارة) ولا ترغب في معايشة ما عداها، إنها تكره كل فئة تخالفها كرها لا يقف بها عند فكرة الإبادة.
هذه نظرة عجلى على هذا الكتاب القيم الذي لا زال الناس يقبلون على قراءته في كل اللغات بعد مرور خمسة وثلاثين عاما على صدوره. وإذا كنت قد قطعت باستحالة تلخيصه تلخيصا لا يذهب بالنصي الأوفر من قيمته، فإني أرجو أن أكون قد
توفقت في إعطاء فكرة مجملة جامعة عنه بإثبات الأفكار والآراء الرئيسية الواردة فيه لأنها لا تخلو من الفائدة التي تعين
على النظر العميق في أهم مظاهر عصرنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية جميعا.
(انتهى).
جمع وتصنيف : ذة. حسناء داود / د. إسماعيل شارية









































































PDF 2025

