يكون اليوم قد مر تقريبا شهر عن الإعلان التاريخي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتوصل إلى اتفاق بخصوص تطبيع العلاقات بين إسرائيل والمغرب. إذا كان الرأي العام الوطني قد تملكته الدهشة وسيطرت عليه المفاجأة بسبب هذه الخطوة، خصوصا وأن الخروج الإعلامي الاستعراضي لرئيس الحكومة نافيا أي تطبيع ومنتقدا الدول العربية التي أقدمت على ذلك مايزال عالقا في الأذهان، فإن المتتبع للصحافة الإسرائيلية والأمريكية يدرك جيدا أن هذه الخطوة التي أقدم عليها المغرب كانت متوقعة، بل ومنتظرة من أعلى المستويات، وما أخر الإعلان عن ذلك هو بعض الأصوات داخل الإدارة الأمريكية المنحازة للجبهة الانفصالية.
اليوم يكون قد انقضى تقريبا شهر، وهي مدة قصيرة، غير كافية لنخرج باستنتاجات قطعية، بيد أنها مدة نسبيا كافية تسمح بالتوصل إلى جملة من الملاحظات الأولية.
لكن قبل استعراض هذه الملاحظات، ينبغي أن نؤسس أرضية تساعدنا على فهم ما جرى وما سيجري، من خلال طرح الأسئلة التالية: هل يتعلق الأمر فعلا بانتصار دبلوماسي للمغرب؟ وهل هذه الخطوة ستغير من الوضع القانوني للنزاع؟ وهل ستمكن المغرب من الطي النهائي للصراع حول الصحراء؟ وهل ستستمر الإدارة الأمريكية المقبلة في هذا النهج؟
فعلى عكس اتفاقيات “السلام” الأخرى التي أبرمتها إسرائيل مع كل من الإمارات والبحرين والسودان، والتي جرى الاحتفال بالتوقيع عليها رسميا أمام وسائل الإعلام بحضور الإدارة الأمريكية، وتم الكشف عن جميع بنودها ومضامينها، فإن الرئيس الأمريكي، المنتهية ولايته، دونالد ترامب، اختار حسابه الشخصي على موقع تويتر ليعلن، يوم الخميس 10 ديسمبر 2020، عن حصول اتفاق بين الطرفين المغربي والإسرائيلي على تطبيع العلاقات بينهما.
هذا “الاتفاق” مطمح إسرائيلي قديم وملح، سعت لبلوغه بشتى الوسائل في أكثر من محاولة، إلا أن المغرب هو الذي كان يعرب عن رفضه في ظل سياق إقليمي غير محفز. فما الذي تغير الآن؟
المستجد مقارنة مع اللقاءات السابقة هو العرض الإسرائيلي المغري، الذي يستحق أن يخاطر المغرب الرسمي بالموافقة عليه. أما في حالات اتفاقيات “السلام” الأخرى التي وقعتها إسرائيل مع كل من الإمارات والبحرين والسودان، نجد أن هذه الأخيرة هي التي بادرت بطرق الباب وخطب ود الكيان الصهيوني لمواجهة تداعيات إقليمية تخص التهديدات الإيرانية، وفي الحالة السودانية، رغبتها في أن يشطب على اسمها من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب.
لقد أصر المغرب على أن يقبض الثمن مقدما، وقراره هذا اتسم بالكثير من البرغماتية، وهو اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية رسميا بالسيادة المغربية على الأقاليم الصحراوية المتنازع حولها، وتعهدها بفتح قنصليتها بالداخلة. لكن لماذا الداخلة وليس العيون؟
هذا السؤال يقودنا إلى ملاحظة أخرى جوهرية. مدينة الداخلة هي العاصمة الاقتصادية للصحراء، أما العيون فعاصمتها الإدارية، إن جاز هذا التعبير. اختيار الولايات المتحدة الأمريكية لمدينة الداخلة يعود لهذا السبب تحديدا. فالشركات الأمريكية العابرة للقارات عينها على المنطقة منذ أمد بعيد وخيراتها تسيل لعابها، لكنها في حاجة لضمانة سياسية قوية لحماية استثماراتها في حالة نشوب نزاع مسلح. والتواجد الرسمي الأمريكي يشكل لها أكبر ضمانة يمكن أن تحصل عليها، وعاملا مهما سيساهم في استقرار المنطقة من أية هزات. هذا من جهة، ومن جهة أخرى ينبغي قراءة تعهد الولايات المتحدة باستثمار ثلاثة مليار دولار في الصحراء ضمن هذا السياق. فالقرار الأمريكي لم يكن قرارا اعتباطيا، بل دُرس بعناية فائقة، والأكيد أنه ليس شيك على بياض مقدم للمغرب. كما أنه ليس على سبيل الصدفة، أن يعلن المغرب عن مناقصة لتشييد ميناء ضخم بالدخلة يوم واحد بعد إعلان ترامب، وذلك بحجم استثمارات يصل إلى مليار دولار. لقد اختار المغرب التوقيت المثالي.
ما نريد قوله في هذا الجانب بصيغة مبسطة، هو أن هذا الاتفاق، الذي لم يكشف بعد عن جميع بنوده وتفاصيله الدقيقة للعلن، له أبعاد اقتصادية خفية، غير معلنة لحد الآن، وربما ستنجلي خلال الأشهر القادمة. فليس من المنطقي أن يحصد كل من المغرب وإسرائيل على امتيازات من هذه الصفقة، فيما الولايات المتحدة الأمريكية ستخرج خاوية الوفاض، خاصة مع رئيس أمريكي قادم من مجال المال والأعمال. إن الذين لا يعرفون من هو دونالد تراب، نقول لهم، تصوروا الشركات الأمريكية العابرة للقارات وهي جالسة على كرسي الرئاسة في البيت الأبيض. أما بالنسبة للمغرب فإن الاستثمار الأمريكي في الصحراء مصلحة استراتيجية، من شأنه أن يشكل عامل قوة سيعزز ويقوي موقفه داخل أروقة مجلس الأمن.
في هذا الإطار، يبدو أن المغرب قد كسب صوتا إضافيا في مجلس الأمن. فإضافة إلى الصوت الفرنسي، أصبح في جعبته الآن الصوت الأمريكي، الذي “يجر” ورائه بشكل آلي الصوت البريطاني. ولهذا رحبت بريطانيا بالاتفاق، واعتبرته خطوة إيجابية.
وفي هذا السياق، يبدو أن المغرب قد حقق نصرا بينا على خصوم وحدته الترابية، إذ بات يتوفر على أغلبية مريحة داخل مجلس الأمن. ثلاثة أصوات في جعبته، لكن إن هو التزم بالاتفاق ومضى قدما في مجال التطبيع الشامل مع الكيان الصهيوني. الروس هم فقط من أعلنوا صراحة رفضهم للاعتراف الأمريكي، ويبدو أنهم سينحازون إلى الطرف الجزائري. وعلى الرغم من ذلك، يتوفر المغرب على أوراق تمكنه من اختراق الموقف الروسي. أما الصين فقد اختارت أن تلتزم الصمت وأن تقف على الحياد، بالنظر لكونها أيضا تواجه حركات انفصالية داخلية.
كما قلنا، فإن الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على صحرائه مشروط بضرورة أن يمضي المغرب قدما في تنفيذ بنود الاتفاق، للوصول إلى التطبيع الشامل على كافة المستويات.
هذه المصالح، أو بالأحرى الأطماع الاقتصادية الأمريكية في الصحراء المغربية، تشكل للمغرب ضمانة قوية لعدم تراجع الإدارة المقبلة عن التزامات الإدارة الحالية وتعهداتها. خاصة وأن الضمانات الأمريكية جاءت في صيغة إعلان، وليس اتفاقية رسمية موقعة بين البلدين، وفي مطلق الأحوال ستحتاج لموافقة الكونغرس حتى تدخل حيز النفاذ. لكن المغرب يراهن على اللوبي الصهيوني، المتمثل في “الأيباك”، أي لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية، وعلى اللوبي الاقتصادي، حتى يلتزم الساكن الجديد للبيت الأبيض بالتزامات سابقه، والأهم أن يتم تنزيلها على أرض الواقع.
إن هذه الضمانة الأمريكية من شأنها أن تشجع دول غرب إفريقيا على المضي قدما في تنفيذ مشروع خط أنبوب الغاز القادم من لاغوس، والذي سيمنح للمغرب وضعا استراتيجيا متقدما، وعائداته المنتظرة كبيرة على الاقتصاد الوطني. نشير إلى أن معظم هذه الدول الإفريقية قد فتحت قنصلياتها بالعيون.
باختصار، من هذه الزاوية، فإن هذا الاتفاق سيشكل مقدمة لتواجد اقتصادي أمريكي قوي في الصحراء الغنية بالثروات الباطنية، ونعتقد أنه لن يتطور إلى تواجد أمريكي عسكري مؤقت أو دائم.
ما تم الإعلان عنه رسميا من طرف المغرب هو استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وعلى تعزيز التعاون الاقتصادي والثقافي بينهما. لكن واقعيا، العلاقات بين البلدين لم تنقطع يوما، فهذا الاتفاق هو إظهار للعلن لما كان يحاك في الخفاء. ذلك أن التعاون الاستخباراتي قديم بين البلدين ويعود إلى السنوات الأولى من استقلال المغرب. فعلى سبيل المثال هذا التعاون لعب دورا حاسما في اختطاف وتصفية المعارض المهدي بن بركة من باريس، وبصمة هذا التعاون كانت واضحة في الجدار الذي شيده المغرب دفاعا عن مصالحه الاستراتيجية الأمنية في صحرائه.
وأما عن العلاقات الاقتصادية الثنائية فلم تنقطع بدورها يوما، حتى بعد أن أغلق مكتب الاتصال بين كل من تل أبيب والمغرب عقب الانتفاضة الثانية سنة 2000. فبعض الشركات الإسرائيلية، خاصة العاملة في القطاع الفلاحي، لها فروع بمدينة الدار البيضاء، ثم إن حجم المبادلات التجارية بين البلدين، وإن كانت ضعيفة، إلا أنها لم تقل سنويا عن 30 مليون دولار، وتوافد السياح الإسرائيليون، من أصول مغربية، عبر بلد ثالث، لم يتوقف يوما نحو المغرب، ويقدرون بعشرات الآلاف، كما أن الزيارات لم تنقطع ثقافيا ودينيا في المهرجانات الأكثر تأثيرا في المغرب (فاس والصويرة). باختصار شديد، هذا الاتفاق ليس اتفاق لتطبيع العلاقات، وإنما كما صرح بذلك رسميا المغرب مجرد استئناف للعلاقات الديبلوماسية.
هناك أطراف في كلا البلدين لهم مصالح مشتركة ومتبادلة في التطبيع الشامل، لأنها هي الرابح الأكبر من رفع التبادل التجاري بين البلدين، ومن نمو حركة قطاع الطيران المدني وارتفاع في أعداد السياح. المغرب الرسمي يراهن أكثر على إسرائيل من أجل الاستفادة من التكنولوجيا العسكرية الأمريكية.
إن هذه الخطوة التي أقدم عليها المغرب جرى التمهيد لها داخليا عبر عدة زيارات قامت بها مؤخرا شخصيات إسرائيلية وازنة ونافذة للمغرب. وعلى رأس هذه الزيارات نجد زيارة الخاخام الأكبر لإسرائيل، وتسويقها إعلاميا على نطاق واسع. في هذا السياق، ينبغي أيضا وضع قرار المغرب الأخير بإدماج التاريخ اليهودي المغربي في مناهجه الدراسية. هذا القرار يهدف على المدى البعيد إلى خلق جيل جديد على دراية واسعة بأحد روافد الهوية المغربية، لكن في نفس الوقت جيل لا يكن الكره لإسرائيل.
رافق الإعلان عن هذا “الاتفاق“ تكثيف الحديث، حتى داخل الأوساط الإسرائيلية، عن ضرورة عودة الدفئ للعلاقات بين تل أبيب والرباط. لقد تم الحرص على تفادي أي ذكر للقدس كعاصمة لإسرائيل، وتم استبدالها بشكل ذكي بتل أبيب، رغم أن الحكومة الإسرائيلية رسميا وواقعيا تشتغل من داخل القدس، وتعتبرها عاصمتها الأبدية غير القابلة للتجزيء أو التقسيم. إن تجنب الحديث عن القدس كان عن قصد، وذلك تفاديا لإحراج المغرب بصفته رئيسا للجنة القدس، وصاحب مبادرة بيت مال القدس. مع العلم أن الرئيس الأمريكي الذي اعترف بالسيادة المغربية على صحرائه، هو نفسه الذي اعترف بالقدس عاصمة أبدية لدولة إسرائيل. وهذه مفارقة لا يمكن القفز عليها.
إن اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بالسيادة المغربية على صحرائه جاء في مقابل التطبيع الكلي والشامل مع إسرائيل. وهذه مقايضة لا يمكن للمغرب أن ينكر صفتها، في وقت ظل فيه يصرح رسميا على أن القضية الفلسطينية لا تقل أهمية عن قضيته الوطنية الأولى. صحيح أن هذه الصفقة أضرت كثيرا بسمعة المغرب لدى الشارع العربي، لكن من يهتم بذلك؟ وبماذا سيفيده؟ الحقيقة هو أن المغرب الرسمي أدار ظهره لجامعة الدول العربية منذ سنوات، ووجه بوصلته في اتجاه القارة السمراء. المغرب الرسمي على وعي تام بكون فئات عريضة من الشعب المغربي تعارض هذه الخطوة التي أقدم عليها، إن لم يكن السواد الأعظم من المغاربة، لكنه يراهن على ثمار هذا الاتفاق، وانعكاسه على مستوى معيشتهم. هنا على هذا المستوى يثار سؤال آخر: هل كان من الأجدر للمغرب أن يفتح نقاش وطني قبل أن يقدم على هذه الخطوة؟ لكن مع من؟ وضمن أي مستوى؟ ثم ذلك من شأنه أن يفقد المغرب عنصر المباغتة، ويترك لخصومه مساحة واسعة لعرقلة الاتفاق.
مما لا شك فيه أن الخطوة التي أقدم عليها المغرب تعد مكسبا دبلوماسيا واستراتيجيا كبيرا، سيدعم موقف المغرب في صراعه مع خصوم وحدته الترابية. والسؤال الذي يفرض نفسه ضمن هذا السياق، لماذا سعت إسرائيل إلى التطبيع مع المغرب دون الجزائر؟
يعود ذلك لعدة اعتبارات، البعض منها يرجع لفترة الحرب الباردة. إن الجزائر ارتمت في أحضان المعسكر الشرقي، بينما المغرب انحاز للمعسكر الغربي الذي تنتمي إليه إسرائيل. بُنيت الدولة الجزائرية مشروعيتها على أساس دعم حركات التحرير. لا ننسى أن الإعلان عن تأسيس الدولة الفلسطينية تم في الجزائر، ونعلم جيدا ما تلى ذلك الإعلان من تداعيات. وبالتالي، يستحيل على الجزائر أن تطبع العلاقات مع اسرائيل، وهي تحتضن فوق أراضيها لحركة انفصالية. أما بالنسبة لإسرائيل، فالجزائر ليست بتلك الأهمية الاستراتيجية التي يحتلها المغرب. دون أن ننسى الدور الذي لعبه ما يقارب من مليون مواطن إسرائيلي من أصول مغربية من مد الجسور التواصل والثقة بين البلدين.
إن اختيار إسرائيل للمغرب وانحياز الولايات المتحدة الأمريكية للموقف المغربي في نراعه حول الصحراء، من شأنه أن يثير حفيظة الجزائر، فهذه الأخيرة تدرك جيدا أن هذا الاعتراف يعني موافقة أمريكية، ومباركة إسرائيلية، على تحول المغرب إلى قوة إقليمية على حساب المطامح الجزائرية.
إن هذه السلسلة من الدول العربية، التي تساقطت تباعا، كأحجار الدومينو، في الكماشة الإسرائيلة، تتعلق في الواقع بمخطط استراتيجي بعيد المدى، محوره تكوين تحالف عسكري بقيادة إسرائيل تمهيدا لتوجيه ضربة عسكرية لإيران. والمغرب، إلى جانب السعودية ومصر، يحتل مكانة متميزة ضمن هذا التحالف.
إن إسرائيل كدولة حديثة، حققت المعجزة، إذ تحولت في ظرف زمني قياسي، نتيجة الدعم الأمريكي اللامشروط، إلى قوة إقليمية مؤثرة، دولة تمتلك التقنية ومتقدمة صناعيا، إلا أنها تعاني من ظهير خلفي معاد، لا يسمح لها بتصريف منتجاتها. واليوم بفضل هذه الاختراقات سيصير بمقدورها ولوج سوق استهلاكية تقدر حاليا ب 150 مليون، والأهم من ذلك أنها ستشكل لشركاتها العاملة في التشييد والبناء وفي القطاع العسكري فرصة ذهبية للرفع من رقم معاملاتها. ما نؤكد عليه في هذا الإطار، هو أن “السلام” مع الدول العربية ستسمح لإسرائيل بأن تتغول أكثر. إن “السلام” لن يزيد إسرائيل إلا قوة، والدول العربية “المستسلمة” إلا ضعفا. يتوقع أن تكون الضربة العسكرية المحتملة تجاه إيران، قوية، لم يشهد لها التاريخ مثيلا من قبل، وستتحمل فاتورتها المالية والبشرية الأنظمة العربية. إن الفراغ الذي سيتركه إزاحة إيران كقوة إقليمية من المنطقة أو التقليص من نفوذها، ستحتله حتما إسرائيل. الولايات المتحدة الأمريكية تريد من إسرائيل أن تكون القاطرة التي ستقود قطار الدول العربية، وأن تكون لها ميزة التفوق والتحكم في نمط وشكل علاقاتها مع دول المنطقة بأسرها.
كان بإمكان إسرائيل أن يكون “سلامها” مع المغرب مثل بقية الدول العربية الأخرى، سلاما مذلا، بدون امتيازات ملموسة، إلا أنها أصرت على أن تقدم له هدية تليق به كحليف استراتيجي، غير معلن. إسرائيل بهذا الاتفاق أرادت أن تشكر المغرب على الخدمات الجليلة التي قدمها لها طيلة المسار الذي مرت بها العلاقات الاستراتيجية بين البلدين. أتدرون ما معنى أن تعترف دولة من حجم الولايات المتحدة الأمريكية بالسيادة المغربية على صحرائه؟ ولم المغرب، وليس دولة أخرى لها معها مصالح استراتيجية أقوى وأعمق؟ وهذا الاعتراف له ما بعده… من هذه الزاوية، إسرائيل تكافئ المغرب الرسمي على خدماته “الجليلة”.
مسألة أخرى تسعى إسرائيل من وراء إبرام إتفاقيات سلام مع الدول العربية، يتعلق الأمر بتضييق الخناق على المقاومة الفلسطينية، محاصرتها داخليا وخارجيا من خلال تحييد جملة من الدول العَربية، وبالتالي قطع الإمدادات والسند الموجه إلى الشعب الفلسطيني. استراتيجية إسرائيل تقوم على تركيع الفلسطيني لتملي عليه ما تريد من شروط. في هذا الباب، إسرائيل تخطط على المدى البعيد لموجة ثانية من الطرد الجماعي، أو لنقل الترحيل، إما بالإغراء أو الغصب والإكراه.
نختم بالسؤال الأخير المتعلق بالمركز القانوني للنزاع. هذا الاتفاق لن يغير من الوضع أو المركز القانوني للنزاع، إذ سيظل مدرجا ضمن ملفات تصفية الاستعمار، وذلك حسب تصريح الأمين العام للأمم المتحدة. قانونيا لن يتغير شيء، لكن على أرض الواقع، المنطقة مقبلة على تغييرات واقعية لن تكون في صالح الجارة الشرقية. الصراع بين الجزائر والمغرب سينتقل بعد هذه الخطوة إلى الكونغرس الأمريكي، سيحرك الطرف الجزائري كل أوراقه في سبيل الدفاع عن مصالحه، لكن يبقى مع المغرب “الجوكر” الذي سيحسم النزاع لصالحه، وهو اللوبي الإسرائيلي. المغرب قبل المساومة، بعد أن راجع جيدا حجم الكماسب مقارنة مع حجم الأضرار. والأكيد أنه على وعي تام بأن إسرائيل باتت تمسكه من اليد التي تألمه: رمال صحرائه.
إبراهيم المراكشي









































































PDF 2025

