ج ـ فن النشيد: المتميز بارتباطه بالمناسبات في إبداعه الكلامي، على اتخاذه من اللحن الموسيقي سبيلا لترويجه.
وقد جمع الأستاذ السيد الورياشي بين هذه الفنون جميعاً تَمَيُّزاً، وعمل على تلاقحها من منطلق العالِمِ المتبصر بها، مجتهداً في إبداع ما توصل إليه من رؤيا ظهر بها خاصة على مستوى فن المديح والسماع؛ مما انتهى إليه: مبشراً به ومعلماً إياه في المحافل. وها هو أحد تلامذة مترجمنا الظاهرين في هذا الفن: الأستاذ السيد محمد الرحموني(9)، يجعل من صاحبنا مؤسساً لشعبة المديح والسماع بشفشاون؛ إذ ذكر لنا في شهادته القيمة عنه ما يلي:
ومن أساتذتي في المجال: [السيد محمد الورياشي مؤسس شعبة المديح والسماع بشفشاون سنة 1958م، والرابطة المحمدية للأمداح النبوية بتطوان قريباً من هذا التاريخ؛ هذا الذي تعلمتُ عليه التواشي الموجودة في الآلة(10)، وهي التواشي السبع، وكان أن جعل لهذه التواشي كلاماً من إبداعه، وكان هذا التعلم يتم بفضاء يقع بـ»بين السواقي» بإنشائه كُتَّاباً عصرياً يشرف عليه، وكنت رابع أربعة معلمين به نعمل لحسابه، وكان ذلك في بحر ستينيات القرن الماضي].
وعلى ذكر حشو تواشي الآلة بكلام من إبداعه؛ فإن الأمر يتعلق ـ ربما ـ بسبق ميداني في مجال المديح والسماع، والذي يشير إليه الأستاذ الورياشي نفسُه، معللا ما ذهب إليه في الموضوع قائلاً: [بعد التجربة الناجحة، والنتائج الباهرة التي ظفرت بها توشية الاستهلال في تمجيد آل البيت، والتواشي السبع المتضمنة لحياة الرسول صلى الله عليه وسلم، فلقد عكفت على متابعة وضع الكلمات لباقي التواشي المتداولة، مكتسحاً بها ميدان المادحين الفسيح؛ مساهمةً متواضعةً في الميدان الأدبي الديني الرفيع، وحفاظاً ـ من الضياع والتحريف ـ على تراث موسيقي بديع](11).وهو تعليل يدل على الحس الأدبي الفني الموسيقي لهذا الرجل الذي أحب فنه منذ نعومة أظفاره، وسخر للإبداع فيه وتسويقه كُلَّ الوسائل المتاحة له مادياً وأدبياً فناً ـ مصنفاً ـ كلاماً وأداءً. وكان بحسب الشهادة السالفة الذكر مؤسساً لشعبة المديح والسماع بشفشاون سنة 1958م قبل تأسيسه للرابطة المحمدية للأمداح النبوية التي عُرف بها في تطوان. و هو ما يُظهِرُ إيثاره لبلده بسبقه زمناً في مشروعه الطموح، على استيطانه تطوان المرتبط بعمله.
وهذا السبق في حد ذاته لم يزل طبعاً متأصلاً فيه؛ بطبيعة حبه لشفشاون التي ظهر فيها فناناً ناضجاً قبل ارتحاله عنها سنة 1948 مما سبقت الإشارة إليه. ولم يزل مُقرّاً بفضلها عليه: مدينةً لها من هذا التراث ما حازت به قصب السبق في الكثير من أوجهه. يقول الأستذ الورياشي بهذا الصدد:
[شفشاون التاريخية القديمة التي استقبلت بصدر رحب عدداً غير قليل من نازحي الديار الأندلسية، فأخذ المُضِيفُون من نزلائهم ما حملوه معهم من ذخائر فنية، ونفائس عمرانية، فأدوها لبنيهم ولأحفادهم بكل إخلاص وأمانة. فلا غرابة إذن أن تتصدر مدينة شفشاون هذا الميدان الفني](12).
ومما يمكن تسجيله للأستاذ الورياشي بهذا الصدد: أنه أخرج فن المديح والسماع من بين جدران الزاوية؛ حيث ولد وترعرع وازدهر؛ لنشره بين فئات الشباب بمؤسسات عمومية: كالمدارس التعليمية، ونوادي الشبيبة والرياضة والاتحادات النسوية وما شابه. وكانت المناسبات الرسمية الدينية والوطنية فرصاً لاستعراض فعاليات من هذا القبيل، بمنتدى عمومي يحضره الخاص والعام. وأكبر مناسبة دأب على إحيائها بمادة أدبية من المديح النبوي: ـ معدّاً ومنسقاً ومقدماً ـ مناسبةُ ذكرى المولد النبوي. فعلى سبيل المثال: أنه في تخليد الذكرى سنة 1388هـ/1968م، قدم باقته الفنية بأصوات نخبة من مركز الإنعاش النسوي التابع لوزارة الشبيبة والرياضة بشفشاون. ومن إنتاجه الكلامي المقدم صَنَائِعَ في هذه الذكرى صنعةٌ من ميزان البْطَيْحِي المُصَرَّف للاصبهان(13). وهي:
هَـــــــذِهِ أَسْرَارٌ بَـــــدَتْ عَلَــــى يَدِ خَيْرِ الْبَشَــــــرْ
لِلْإِنْسِ وَالْجِنِّ سَبَـــــتْ حُسْنُهَــــا يُنِيرُ الْبَصـــــَرْ
بِالْخَيْرِ الْجَزِيــلِ أَتَـــــتْ فَطُوبَـــــى لِمَنِ اعْتَبــــَرْ
بِقُرْآنِ اللهِ الْعَظِــــــيـــمْ كَذَا سُنَّــــةِ الْمُصْطَفَــــى
صِرَاطُهُمَـا مُسْتَقِـــيــــمْ يَقْتَفِيـــــهِ أَهْلُ الصَّفَــــــا
وبعدها بست سنوات، وبمناسبة الاحتفال بذات الذكرى بتطوان هذه المرة؛ قدم مادته الاحتفالية كالتالي: [يشارك بحول الله في أداء هذه الملحمة وقت الاحتفال يوم سابع المولد أفراد المِؤسسات التالية: أطفال الكتاتيب المحمدية بشفشاون وتطوان، أعضاء الرابطة المحمدية للأمداح النبوية بهما، نزلاء ونزيلات المجموعة التربوية: «الأمير مولاي رشيد» بتطوان، تلميذات الجمعية اليوسفية بها، نخبة من أطفال أهالي طنجة وشفشاون مع ثلة من فتيات النادي النسوي التابع للشبيبة والرياضة بها. وبقيادة محمد عبد السلام الورياشي الكاتب العام للرابطة المحمدية للأمداح النبوية](14).
و كانت وفاة هذا الفنان رحمه الله ليلة يوم: 02/12/1985م، ومدفنه بتطوان. تاركاً مجموعة من الكشاكيل، كان يُعِدُّها بمناسبات دينية ووطنية معينة: كذكرى المولد النبوي الشريف. وتضم بين دفتيها صنائع مما يتداوله عادة مريدو الزوايا في أذكارهم ومدائحهم من نظم لشعراء وزجالين عُرفوا بإنتاحهم الإبداعي في المجال الصوفي من أمثال: البوصيري(تـ: 625هـ)، والحلبي (تـ: 1120هـ)، والحراق(تـ 1261هـ)، وكلها من اختياره، كما تضم صنائع من كلامه اشتهر معظمها في تداوله: كتوشية الاستهلال في تمجيد آل البيت. وترك لنا أيضاً أناشيد متعددة من إبداعه كلمات وألحاناً مما عرف بباعه الطويل فيه. وهو ما يقتضي جمعه من طرف المهتمين والباحثين، ودراسته في كشاكيله مرتبطاً بمقدماته وخواتمه تقديراً له، ووفاءً لصاحبه كأحد أبرز فناني المديح والسماع المبدعين من أبناء شفشاون البررة، واهتماماً بتراث المدينة في المجال.
وبعد: فإن الحديث عن فن المديح والسماع بشفشاون؛ هو حديث عن تراث مجيد تختال به المدينة فيما تزخر به من فنون أصيلة بها. والمؤمل من الفعاليات المهتمة به، ومن كل الجمعيات المدنية الكثيرة التي تهتم بتراث المدينة، أن تترجم فعلياً اهتمامها بهذا التراث الذي يأتي على رأسه فن المديح والسماع بالنبش في ذاكرته، والاهتمام بأصحابه والظاهرين فيه باعتمادهم معلمين لأدواره ومُحَفِّظِينَ لكلامه، وتكريمهم بما يليق بمقامهم.









































































PDF 2025


