إن ظهور المجتمعات ذات التكتلات الجماهيرية[1] ووسائل الاتصال العصرية قد شجع على بروز طرق جديدة في الإقناع متطورة للغاية، والتي يمكن إجمالها بشكل عام في مصطلح ” الدعاية”. وهي التي يتم استخدامها بدرجات متفاوتة لأهداف ونوايا متنوعة. إذ إنها في الأنظمة الليبرالية تمثل الحجر الأساس للإشهار التجاري والسياسي، بينما عملت الأنظمة الشمولية على الدفع بها إلى مستويات لا مثيل لها من الكفاءة. سنقوم بدراسة الحجاج الإشهاري في فصل لاحق. وسنكرس أنفسنا هنا لدراسة الدعاية الشمولية.
من المنطق إلى الغريزة
إذا كان المنهج الجدلي يسعى إلى اختزال عوامل الإقناع في المنطق وحده، فإن البلاغة المتطرفة ترمي” مثاليا” إلى إقناع متجرد من أي منطق: فالأول يتوقف على المنطق، بينما الثانية لا تتطلبه على الإطلاق. فالشيء الوحيد الذي يهم هنا، ليست الأهواء وإنما الغريزة فقط. فالنازيون كانوا يمقتون الفكر والمنطق؛ ويمجدون اللاعقلانية والغرائز العنيفة الوحشية. لقد كان أحدهم يقول:« عندما أسمع كلمة ثقافة، أُخرج مسدسي.» ولم يكن هتلر يتوانى أبدا عن تأكيد أنه: « يجب علينا أن نحترس من الذكاء والوعي، ويجب علينا الوصول إلى أسلوب بسيط جديد.»([2]) لمـاذا؟ « يجب، قبل كل شيء، التخلص من الفكرة التي تفيد أن المفاهيم الإيديولوجية يمكنها أن ترضي الجماهير. إن المعرفة بالنسبة إلى لجماهير هي مجرد دعامة متأرجحة. وإن ما هو مستقر ثابت، هو العاطفة والكراهية. وما يجب على الجماهير وضعه على المحك هو انتصار قدراتها الذاتية.»([3])Werdenkt, zweifeltschon :” من يفكر يشُك”. شعار كان يردده النازيون.
من التفكير إلى الأوتوماتيكية
إن البلاغة القديمة تهدف إلى إقناع المتلقي، وهذا يعني انخراطه عن وعي وتفكير في ما قيل. أما البلاغة المتطرفة فتريد تخطي هذه المرحلة الذهنية: لأن الرسائل يجب أن تطبع في ذهن المتلقي بشكل مباشر ودون المرور من الطور اللاَّ يقيني للتفكير وللتقييم. في الأولى يؤخذ الفرد كما هو، محفوظا في كُليته باعتباره كائنا مدركا وعاقلا؛ وفي الثانية، يتم ترويضه ليصبح مجرد أرَجوزة تُسخَّر حسب الغرض: ونغادر البلاغة لندخل في الدعاية.
من الإقناع إلى الأمــــر
إن هدف البلاغة المتطرفة النهائي هو القضاء على الإقناع نفسه. تصل فعالية الإقناع أوْجَها حين لا تحتاج إلى إقناع، وتكتفي بإعطاء الأوامر لمتلقٍّ مهيَّإٍ نفسيا ليستجيب بشكل عفوي. إن الدعاية تروم الإقناع الفوري، والمزامنة التامة بين ما تمَّ قوله وما تمَّ قبوله أو القيام به، وبين القول والتصديق والعمل. وإلى حدٍّ ما، طبعا، إذا ما تحقق هذا الهدف، فإن الدعاية نفسها تصبح بلا جدوى، ويكون الأمرُ كافيا. ولهذا الغرض فُرض التمذهُب والخوف وتغيير اللغة.
من القول إلى الفعل
من هذا المنظور، يُفهم القول، بوصفه قوة على المستوى المادي، ويفهم بوصفه معنى على المستوى اللامادي والفكري،. فهو لم يعد يبحث عن الإقناع، وإنما يبحث عن التأثير. إنه يكتفي بالمادة، ولم يعد إدراكا، بل أصبح فعلا. قال غوبلزGoebbels : ” لا نتكلم لنقول شيئاً، ولكن لنحصل على تأثير ما”.
إن البلاغة المتطرفة، باختصار، تهدم كل الأنواع البلاغية.
I .علاقة الانصهار بين خطيب مقدس ومتلقٍّ مُنَوَّم مغناطيسيا
لقد رأينا أن الخطيب كان يتوفر على نوعين من البراهين، عاطفية وعقلية. والمكون العاطفي يأخذه بعيدا، بل حصريا، إلى البلاغة المتطرفة؛ حيث تكون السيادة المطلقة للإيطوس والباطوس. فالخطاب الشمولي يدجن الجماهير ويمجد القائد ليخلق علاقة تلاحم بين الخطيب والمتلقي، يقول الفوهررFührer: « أنا أحْيا فيكم وأنتم تحيَوْن فيَّ»([4]).
والحال أن هذا التلاحم يصل إلى تلك القوة العاطفية التي تشبه إلى حد كبير علاقة جنسية: « إن التسجيلات الصوتية لتلك المرحلة تبين بوضوح الطابع الفاحش للعلاقة التي كانت مرتبطة بتلك التظاهرات؛ حيث الصمت السائد في البداية، حين يحبس كل واحد أنفاسه، وتتبعه الهتافات القصيرة الحادة، فالتدرج والأصوات الأولى التي يطلقها الحشد ثم نتهي بالغثيان، ثم بقفزات فجائية جديدة. ولإنهاء النشوات الشبقية قبل بلوغ ذروة الاستمتاع بالكلام الذي ينتهي بتحريرها.»([5]). إن هتلر، بوصفه خطيبا،« كان يحسب مستمعه مثل امرأة عليها قبل كل شيء أن يكون يقظة عاطفيا، ثم مفتونة لتستسلم في النهاية. فالدقائق العشر الأخيرة من خطابه كانت بمثابة نشوة كلامية.»([6])
- إيطوس: الخطيب المُنــوِّم
إن الإيطوس المتطرف يمجِّد الخطيب الفوهرر. كما إن سلطة هذا الأخير تُسْتَمد في جزء منها من الكاريزما، تلك «الموهبة الشخصية الخارقة للعادة»، حسب ماكس ويبرMax Weber، التي « تتميز بالتضحية الشخصية لكل الرعايا لأجل رجل واحد وبوضع الثقة في شخصه وحده نظرا لما ينفرد به من صفات خارقة، ونظرا لما يتسم به من بطولة أو خاصيات مثالية أخرى يتصف بها القائد»([7]). إن هذا التبجيل ينبثق من إخراج مسرحي متكامل للخطيب، موجه للافتتان والتنويم.
تقديم الذات واللاشخصانية
إن الديماغوجي الشمولي يقدم نفسه تارة كأنه المنقذ والبطل الشهيد وتارة أخرى يقدم نفسه وكأنه رجل عادي، وواحد من أفراد الشعب. إنه يدعي زورا أنه هوجِم ويندد بلا هوادة بالمسؤولين الذين قد يتهمونه: اليهود، والغرب البلوتوقراطي([8]) والمندحر، والامبريالية الأمريكية، إلخ. وتصبح حربه رد فعل لدفاع شرعي عن النفس. كان هيتلر يبتدئ خطاباته باستحضار سيرته المقدرة سلفا، فيستحضر طفولته الشعبية، وبطولاته خلال الحرب العالمية الأولى، وجروحه؛ ثم يعرج مهلوسا بالتنديد بالعدو اليهودي وظلمه.
وفي الوقت نفسه، يجعل الديماغوجي الشمولي من ذاته ممثلا لقوانين الطبيعة أو التاريخ، والناطق باسم القوى الخارقة. إنه يقدم لهم صوتا صداحا ويختفي وراء تعبير لا شخصاني ومجازي. هذا مؤثر جدا في لغة الخشب الشيوعية بصفة خاصة. وبالتالي بمحو كل سمة للتعبير، فإن الخطيب يعطي الانطباع بأن لا جدال حتما في الإنجازات التي يصفها. إنه ليس هو من يتكلم، بل هو التاريخ، أو هي الطبيعة التي تملي ذلك. إن هذه البلاغة اللاَّ شخصية تخلق إحساسا بالاندماج والتوحد. ففي الخطاب الشيوعي يكاد ينعدم ضمير المفرد “أنا”، في حين يهيمن ضمير “نحن”: إنه يعني اتحاد الشعب، والحزب والحكومة. المتلقي متورط في الخطاب، ويشارك في التعبير.
العرض / L’actio
كان هيتلر يظهر متأخرا في اللقاء، حين يبلغ هيجان الكتلة الجماهيرية أوجه، ويبدأ في الفتور. وعموما كان يدخل من الجهة الخلفية، يظهر فجأة محفوفا بهالة من الضوء تمثل نقطة النور الوحيدة وسط جمهور غفير. يعبر حينها ممرات طويلة وسط حشد هائج للغاية. ثم يتسلق الدرج الذي يقوده إلى منصة عالية ومضاءة. هذا المشهد كان له تأثير تنويمي.
يتفاوت عرض الخطابات حسب الأنظمة، فقد كانت الدول الفاشية تعطي الحرية لبلاغة الجسد والصوت: كان كل من هتلر وموسوليني يصيحان ويتحركان، وكانا يطرقان عباراتهما بقوة شديدة، ويمزجان صياحهما بوضعيات وحركات مفرطة. أما الدول الشيوعية فقد كانت تفضل بلاغة الكتاب: كان ستالين أو بريجنيف يحافظان على هدوء أعصابهما ويتكلمان بنبرة واحدة، لا منتهية، وكأنهما يعنيان حقيقة أزلية لعدالة ادعاءاتهما.
المقصود بها: النقابات، والجمعيات، والأحزاب التي تستقطب الجماهير والمتعاطفين معها (المترجم)[1]
[2] ـ Hitler, cité par John Wesley Young, Orwell’s Newspeak and totalitarian language, its nazi and communist antecedents, The University Press of Virginia, 1991, p. 68, ma traduction
هيتلر، ذكره جون ويسلي يونغ (يانغ)، التكلم الجديد واللغة الشمولية، سوابقها النازية والشيوعية، لـ أورويل، صحيفة جامعة فيرجينيا، 1991، ص. 68 . ترجمتي.
[3]– Nationalklub de Hambourg, 1926 النادي الوطني بـ هامبورغ 1926 /
[4]Cité par R. Caillois, Quatre essais de sociologie contemporaine, Paris, Olivier Perrin éditeur, 1951,p. 66-67. / ذكره ر. كيلواس، أربع دراسات في السوسيولوجيا الحديثة، باريس، أوليفيي بيران الناشر، 1951، ص. 66-67
[5]– Joachim Fest, Hitler, I : Jeunesse et conquête du pouvoir, traduit de l’allemand par Guy Fritsch-Estrangi, Paris, Gallimard, 1973, p. 387. / جواكيمفيست، هيتلر،1:الشباب و غزو السلطة، ترجمه من الألمانية غي فريتش إيسترانغي، باريس، غاليمار، 1973، ص. 387 .
[6]-Ernst Hanfstaengl, cité par John Woods et Douglas Walton, in Critiques de l’argumentation, op. cit., p. 67. // إرنست هان ستاينغل، ذكره جون وودز و دوغلاس والطْن في نقد الحجاج،
[7]– Max Weber, Le savant et le politique, Paris, Plon « 10/18 », p. 102/ ماكس ويبر، العالِم والسياسي، باريس، بلون «10/18» ص.102
[8] – البلوتوقراطية: نظام حكم قائم على الثروة، يستحوذ فيه الأغنياء وذوي أدوات الإنتاج على السلطة والحكم.
بلوتوس=plotos كلمة إغريقية تعني الثروة والغنى. قراطوس= Kratos كلمة إغريقية تعني السلطة.
د. عبد الواحد التهامي العلمي









































































PDF 2025


