تقديم:
هذه باقة نضرة، ومجموعة عطرة، من رسائل متبادلة بين الأديب الدبلوماسي الشريف التهامي أفيلال رحمه الله أيام دراسته بمدينة غرناطة نهاية الأربعينيات، وبداية الخمسينيات، مع والده وعمّه، تكشف لنا جوانب مهمّة من مظاهر حياة اجتماعية وثقافية التي كانت تربط غرناطة ببنتها تطوان..
-51-
الحمد لله
ولدي البار سيّدي التّهامي أفيلال، سلامي ورضاي عليكم.
وبعد، فقد تسلّمت رسالتكم الأخيرة المؤرّخة بـ 4 أبريل الجاري الخ، وجواباً عنه، نعلمكم أنّ الكلّ بخير.
هذا، وقد كنت وجهت لكم رسالة في الأخير كجواب عن كتابكم المتضمّن أنكم ستشاركون زملاءكم في الرّحلة التي تنوون إقامتها، وقد كنتُ أشرتُ لكم فيها موافقتي لكم مع إبلاغكم بأنّ النقود 1500 بسّيطة رهن إشارتكم في أيّ وقت، … تصلكم، وخوفاً من ضياع تلك الرّسالة، ها أنا أكرّر لكم موافقتي مع الرّجاء في التّوفيق لكم دائماً والسلام.
في 7 أبريل 1951م.
من والدكم المطاع: عبد السلام
-52-
الحمد لله وحده وصلى الله على سيّدنا محمد وآله
ولدنا البارّ الطالب الأنجب السيد التهامي أصلحك الله، ورضي عنك، وعليك السلام والرّحمة والبركة.
وبعد، فقد وصلني كتابك يعلم بوصولك لمقرّ الدّراسة، وباشتياقكم لها تالي يوم الوصول، فالحمد لله على ما يسّر ووفّق إليه.
وقد لمحنا من قصيدكم المبتكر أنّكم تحنون إلى العربية واللغة والمعاني والخيال، الأمر الذي دعاني للتحسّر على عدم توسّعكم في فنون اللغة العربية التي يتعشّقها اليوم حتّى الغرباء عنها من الغربيين وغيرهم، لأنّها أوسع دائرة للتعبير، وأغنى ثروة للتّغذية الرّوحية، فلذلك أكثر المتشدّقون واستبحروا في اللغة، وحتّى في غيرها من علوم العرب، ولعلّكم لم تجدوا أمامكم ما تصوغون فيه قصيدكم، ولا فضاء تتخيدونه إلا الجوع، وتركتم الحمراء وقصورها، والأندلس وبحورها، حيث سالت تعابير العرب وتفننت، حتى رق شعورها، …وكادوا من رقّة ما استهواهم من سحر وجمال أن يخرجوا في قولهم وشعرهم إلى غير صوابهم، …مواد اللغة العربية، واستعاضوا عنها بالدّخيل حتى نشؤوا بحوراً جددا للشعر أسموها أزجالاً وموايل، …وما منحتها الطبيعة من معادن الكمال، …وكذلك العرب الذين عرفوا كيف يعيشون فيها ويصيرونها شيئا قالوا عنه في هذا الوقت، إنه الفردوس المفقود، ولله في خلقه شؤون.
وهذا غير ملائم للطبائع الزمنية، ولا الذوق السليم، رغم تخلصكم منه للدجاجة المشوية التي واساكم بها عبد الله، إني لا أعترض عليك فيما توهت إليه نجبتك من فنون العصر، لأني أعلم أنه شيء سبق في الأزل، وما كان كذلك فلا اعتراض فيه، وقد قالت الحكمة: ما ترك من الجهل شيئا من أراد أن يظهر في الوقت غير ما أظهره الله.
ولكن آلمني ما أجده في عبارات رسائلك من النظم العربي من الميلان إلى التركيب الحسن الذي ينبيا عن تقدم مطرد ومحسوس …تابعت الدراسة العربية قلتم الجوع ولست بمصدقك في هذه المرة، فحقيبة الحلواء بجانبك، واقراص الدقيق الحلوة على رأسك، وسيدنا الخليع في جرابك، فلتدعني من مادة الجوع، فإني أكرهها، ولو أعقبتها بذكر الدجاج وقد وجهت لكم 900 بسيطات تقبلوها، والله يعينكم ويثيبكم، ويكتبكم في قائمة العلماء العاملين المخلصين، والسلام.
في يوم السبت 9 ربيع 2 عام 1369هـ.
والدك عبد السلام
هامش: السيد مدينة كان كلّمني في شأنه صديقه مسطاسي، وأفاد بأن الزوجة امتنعت كلّيا من رجوعها إليه لأي محلّ يريده هو، اللهم دارها فنعم، وقد كنتُ أفهمته بأن يرفع لي القضية رسميا للإدارة لأعمل فيها ما يجب بعد المفاهمة مع خال الزوجة برشة، واستفسرته بأنّ هذا يجب فيه التعجيل، لأن الفرض لاوم من لوازم الوضع، وهو يزداد بمرور الأيام، والرجل لا يقوى على عمله مع لوازمه هو الخاصة، وقد مرّ على كلامي معه أمد، وللآن ما وصلني أحد.
هامش: بالأمس عشية وصل كتابك المؤرخ 23 يناير والحمد لله، وموجب التأخّر عن الجواب هو كثرة اشغال عمّك وارتخاءه في هذه الأيام بالبرد.
إنّ زبيدة لم تحضر للآن، والذي هنا هو وصول كتاب منها تخبر بأنها على أهبة السفر للمغرب في أوّل باخرة تصل لطنجة، أو جبل طارق، وربما يكون في أوائل شهر أبريل المقبل إن شاء الله، والكلّ بخير والسلام.
والدك عبد السلام
-53-
الحمد لله وحده
ولدي البار المجتهد التهامي سلامي ورضاي عليكم.
وبعد، فقد وصلتني رسالتكم الأولى والأخيرة واستفدت منها صحتكم، هذا وإني قد وجهت لكم رسالة قبل وصول الأخيرة، ولا أدري ما هو الباعث على عدم وصولها لديكم، أما الأهل وجميع أفراد الأسرة فالكل بخير وتسلم عليكم كافة أفراد الأسرة، ويدعون لكم بصالح الأدعية أعانكم الله ووفقكم والسلام.
في 26 جمادى الأولى عام 1370هـ الموافق ل 5 مارس لسنة 1951م.
والدكم: عبد السلام أفيلال
-54-
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله
الولد البار الأنجب السيد التهامي وعليك السلام ورحمة الله وبركاته.
أما بعد، وصل كتابك مفيداً سلامتك ودؤبك على مواصلة الدروس، فحمدنا الله جل علاه على ذلك طالبين منه المزيد لكم من فضله.
وقد بعثنا لكم ثلاثمائة من البسيطة مع البريد، وإذا كنتم تستبطئون رسائلنا فإنا لا نريد تشوشكم بما لا يعنيكم فيما أنتم بصدده. نَعَمْ؛ عليكم أنتم تحوير رسالة أسبوعيا يوم عطلة الأسبوع، والكل بخير ويدعو لك والسلام.
في نونبر سنة 1350هـ والدك عبد السلام.
استمع لعمك البشير يحدثك بدوره
محل الولد المحبوب السيد التهامي والسلام عليك وعلى من حولك من الملائكة الحافظين وكفى.
وبعد، وصل كتابك تطلب حلّ ما حسبتموه مشكلاُ مما اتفق لكم مع الشريف الكتاني، إنه لا إشكال فلا محل لطلب الحل تقدمتم لمساعدة هذا السيد لشرفه ومغربيته فمهدتم له السبل التي أعوزه تدليلها، وشاءت الأقدار أن يقعد بكم النوم عن إتمام تلك المساعدة بالوصول معه في القطار للجريرة، فماذا كان أو يكون أنتم بعلمكم هذا تعدون من المحسنين ذوي الإنسانية الكاملة وتجازون عليه ولا شك، ولا يطرأ على فكرة هذا السيد أو غيره أنكم قصرتم في جانبه بعد أن تعرفتم إليه وقدمتم له فوق ما يملكه طالب علم غريب الدار من المبرات المادية والمعنوية، ولم يبق لإنهاء ماهية الإحسان الكاملة إلا المصاحبة في القطار التي حال بينك وبينها ما جاء من طرق المشيئة، ومن تأخر عن عذر كمن راح، نعم أرى أن تكتبوا له لسلا بالعائق لك عن متابعة السير معه للجريرة، أما أنا فلا معرفة لي به شخصيا بل ولا بأبيه، على أنه لا موجب لكل هذا التحفظ، هذا وإنكم في العام الماضي عرجتم علينا في النصف الثاني من دجنبر حيث تعطل الدراسة بكثرة المراسم الدينية والأعياد النبوية، وإنا لا ندري هل ستتبعون سنتكم تلك في هذا العام أو لا. إني لا أزال بجد وقائماً على ما كنت طلبته من الوزير ابن موسى وإنه لمجد كذلك والله الميسر لا ربّ سواه.
عمك البشر
د. يونس السباح









































































PDF 2025

