وتسجيلا مني لشهادات حية أخذتها من ألسن بعض المناضلات في مجال مساهمة المرأة، أشير إلى ما صرحت لي به سيدات جليلات، كان لكل منهن دور كبير في الحركة الوطنية بشمال المغرب، إحداهن هي المرحومة السيدة خديجة السلاوي حرم الأستاذ المهدي بنونة، هذه السيدة التي عرفت بشجاعتها وصبرها وتضحيتها ونضالها، حيث عرفت الغربة والبعد عن الأهل والبلاد إبان الفترات التي كان فيها زوجها قائما بمهمته الوطنية، حيث إنه قد بعث للتعريف بالقضية المغربية في هيئة الأمم بالولايات المتحدة الأمريكية أولا(1)، ثم تعرض بعد ذلك لمنعه من الرجوع إلى مسقط رأسه تطوان، إذ حالت سلطة الحماية دون ذلك سنة 1948، فبقي مع مجموعة من إخوانه الوطنيين منفيا بمدينة طنجة عدة سنوات(2)كما ذكرنا منذ قليل.ثم إن السيدة خديجة السلاوي كانت من الشابات التطوانيات الأوليات اللاتي رفعن أصواتهن عالية على مسمع من الملأ، فطالبت بالحقوق العادلة للشعب المغربي، كشعب يستحق العيش تحت راية الاستقلال والحرية، وفي جو مناسب من العدل والمساواة والرفاهية، كما ساهمت في الخلايا الأولى لأعمال الاتحاد النسائي بتطوان، كعضو نشيط إيجابي وفاعل.
ومما صرحت به السيدة خديجة في موضوع ظهور فكرة تأسيس “الاتحاد النسائي” بتطوان، أن هذه الفكرة إنما ظهرت إثر زيارة جلالة الملك المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه إلى مدينة طنجة في أبريل 1947م، حيث تقرر بهذه المناسبة إدماج المرأة رسميا في إطار العمل الوطني، كعنصر بإمكانه أن يساهم من زاويته الخاصة في إذكاء الروح الوطنية، وفي النهوض بالشعب، وإيقاظ الهمم، والعمل لتحسين الأوضاع داخل المجتمع، لتحقيق حياة أفضل بالنسبة للجميع.هكذا إذن تكونت الخلايا الأولى للاتحاد النسائي بتطوان، فكان الهدف الأول لها، هو مشاركة القطاع النسوي في الحركة الوطنية التي كانت تهدف أولا وقبل كل شيء، إلى محاربة الاستعمار، والمطالبة بتحرير الوطن. وقد ضمت هذه الخلايا لجمعية الاتحاد النسائي – حسب تصريح السيدة خديجة السلاوي– أربعة من اللجن، وهي: اللجنة المركزية، ولجنة التعليم، ولجنة الأعمال الخيرية، واللجنة التنظيمية.
«اللجنة المركزية: كانت تتكون من رئيسة وأمينة للصندوق وكاتبة عامة، مع أعضاء أخريات. وكانت تتكلف بتسيير الجمعية بتنسيق مع اللجنة المركزية لحزب الإصلاح الوطني.
لجنة التعليم: وكانت مهمتها الأولى هي حث الأمهات على تمدرس بناتهن، وكذا تقديم المساعدات المادية والمعنوية لهن عند الحاجة، بالإضافة إلى تنظيم دروس لمحو الأمية بالنسبة للنساء، إلى جانب تعليمهن الخياطة والتطريز في مراكز خاصة، هذا بالإضافة إلى إنشاء ناد للكشفية الخاصة بالبنات (وكن يعرفن باسم المرشدات).
لجنة الأعمال الخيرية: وكانت تتكلف بزيارة المرضى في المستشفيات، وتقديم المساعدة للمعوزين منهم، إلى جانب تقديم الملابس للأطفال ذوي الحاجة، وغير ذلك من أعمال البر والإحسان، ومن ذلك تنظيم حملات لجمع التبرعات من أجل تمويل الأعمال الإسعافية لهيئة الهلال الأحمر.
لجنة التنظيم: وكانت تتكلف بجمع التبرعات وانخراط العضوات شهريا، كما تقوم بتنظيم الحفلات واللقاءات الخاصة بتحسيس المرأة سياسيا»(3).
وبمناسبة انخراطها في هذه الخلايا العاملة، فقد خرجت المرأة التطوانيةبالفعل إلى الميدان، حيث أثبتت وجودها، وضاعفت من نشاطها، مخترقة ذلك الحجاب الذي كان يفصل بينها وبين الحياة العامة والنشاط العلني الهادف. ثم إننا نجدها قد تابعت نشاطها حتى برهنت عن كفاءتها وجدارتها لكي تتحمل مسؤوليتها كعنصر له دوره الإيجابي في إطار القانون، يعمل تحت ظل خلية منظمة تابعة لحزب معترف به رسميا، هذه الخلية التي ظهرت كهيئة وطنية رسمية بتاريخ 8 نوفمبر 1954م(4)،أي قبل استقلال المغرب بسنتين.
ومن الجدير بالذكر أن تطوان قد عرفت منذ ذلك الحين، نشاطا متواصلا لهذه الهيئة التي كانت تعمل أولا في إطار الحزب المذكور، ثم واصلت عملها في إطار منظمة مستقلة على الصعيد الوطني، وذلك بعد أن صدر الظهير المؤسس لها كمنظمة تحمل اسم “الاتحاد الوطني النسائي المغربي” سنة 1969م.
أما السيدة الثانية التي أردت الوقوف عندها كمثال حي للمرأة التي ساهمت بقسط وافر في الحركة النسوية بشمال المغرب، فهي المرحومة السيدة للا فاطمة البقالية حرم السيد أحمد الشعشوع. هذه السيدة المناضلة الجريئة، الخدومة الصامدة، التي كافحت وأعطت وضحت بالكثير من وقتها وصحتها ومالها، في سبيل خدمة وطنها وأمتها.
لقد عاشت السيدة للا فاطمة البقالية مختلف فترات الكفاح الوطني، فكانت سباقة ضمن مجموعة من المناضلات الأوائل إلى الخروج إلى الميدان، لتقدم الدليل على أن المرأة في تطوان، تفيض حماسا للتضحية بأغلى ما لديها في سبيل مصلحة الوطن والأمة. وهكذا فإنها قد اختارت خوض مسيرتها النضالية ومتابعتها إلى أن حصل المغرب على استقلاله وحريته، فلم تقف، ولم تتكاسل، بل استمرت في نشاطها الدائب وفي اهتمامها المتواصل، رغم تقدمها في السن، لتكون عضوا شرفيا بارزا في المجلس الإقليمي للاتحاد النسائي المغربي بتطوان حتى بعد استقلال البلاد، فكانت تساهم بسديد آرائها، وقيم مقترحاتها، وكريم عطائها المادي والمعنوي.
لقد ساهمت السيدة للا فاطمة البقالية في الأعمال الاجتماعية للاتحاد النسائي التابع لحزب الإصلاح الوطني بتطوان، فساهمت في لجنة الإسعاف، وعملت على جمع التبرعات لصالح الحركة الوطنية، يوم كانت المرأة في تطوان تتبرع بحليها وبأعز ممتلكاتها لذلك الغرض النبيل، ولم تكتف بذلك، حيث فتحت باب دارها للفدائيين ورجال المقاومة، بل إنها قد تجرأت على إخفاء السلاح بين ثيابها، يوم كانت السلطات الاستعمارية تتابع خطوات الفدائيين وأعضاء جيش التحرير، الذين اتخذوا من المنطقة الشمالية مقرا لنشاطهم، في فترة المقاومة التي كان فيها ملك البلاد محمد الخامس، مبعدا عن عرشه في المنفى.
وهكذا استحقت السيدة للا فاطمة البقالية أن تترأس الاتحاد النسائي بتطوان منذ سنة 1957م، فأشرفت، ونسقت، وساهمت في أعمال لجانه المتعددة، لكي تواصل عملها الدؤوب في هذا المجال، إلى أن اختارها الله إلى جواره، تغمدها الله برحمته الواسعة، وجزاها خير الجزاء.
واستكمالا للصورة التي تمكننا من الاطلاع على حقيقة العطاء النسوي في الفترة التي سبقت بزوغ شمس الاستقلال والحرية على المغرب، نشير إلى أن الهدف من خلق الاتحاد النسائي التابع لحزب الإصلاح الوطني كان هو العمل من أجل رفع مستوى المرأة المغربية، وذلك بالمحافظة على دينها وأخلاقها، وتشجيعها على التعلم وإصلاح أحوالها الاجتماعية، وكذا حثها على مد يدها لمساعدة الفئات المحتاجة من أطفال وعجزة ومرضى وفقراء، بالإضافة إلى بث الروح الوطنية في الأجيال، لتوحيد الصف ولجمع الكلمة من أجل تحقيق الأهداف.
وبما أن الاتحاد النسائي التابع للحزب المذكور، قام على أساس مضبوط ومحدد، فقد كان له قانون أساسي يحدد ماهيته ومهمته وأهدافه، معتمدا في تطبيق مقتضيات وجوده على لجن معينة تتمثل في اللجان التالية:
- لجنة المحافظة على الديانة والأخلاق.
- لجنة الثقافة والتعليم.
- لجنة الحقوق الوطنية.
- لجنة الدفاع عن حقوق المرأة.
- لجنة الإحسان.
- لجنة الإسعاف الصحي.
- لجنة حماية الطفولة وصيانة الأيتام.
- لجنة إصلاح العوائد الفاسدة.
- لجنة المالية.
- لجنة الحفلات والتنظيمات.
وكانت كل لجنة من هذه اللجن تعمل في الميدان الخاص بها، تحت إشراف الهيئة المسؤولة العليا، التي تقوم بعملية التنسيق بينها، وكذا تنظيم المخطط العام للهيئة، سواء داخل مدينة تطوان، أو غيرها من مدن المنطقة التي كانت تضم فروعا لها.
ولقد كان أعضاء الاتحاد النسائي، يساهمن بقدر مالي شهري لفائدة الأعمال المختلفة. كما كن يجمعن التبرعات لصالح الحركة الوطنية والأعمال الاجتماعية، هذا مع المشاركة في رفع العرائض وتقديم الاحتجاجات عند الضرورة، ومن ذلك ما قمن به من تقديم عريضة إلى وزير العدلية بتاريخ 9 شوال 136هـ(5)، تستنكر انتشار ظاهرة البغاء المرخص به، وكذا الرسالة الموجهة إلى رئيس الحكومة المغربية، بتاريخ 14 شوال 1366هـ(6)، احتجاجا على ما قامت به المراقبة الإسبانية، من منع لعقد الاجتماع الخاص بهذه الهيئة، يوم 7 من الشهر المذكور(7).
تلك مواقف مشكورة لنساء ضحين وأعطين الكثير، فالتحقن بالرفيق الأعلى، راضيات بما قدمنه من أجل الوطن، ولا يفوتني وأنا أعرض بعضا من هذه النماذج الخالدة، أن أسجل موقفا لسيدة ما زالت على قيد الحياة–حفظها الله–، ألا وهي السيدة زينب بن موسى، حرم الشريف المرحوم سيدي محمد بركة، التي كان بيتها أثناء أيام المقاومة الوطنية في فترة الحماية الأجنبية، خلية حية تأوي الفئات المتعددة من الفدائيين والمناضلين والواردين على تطوان من رجال الدفاع عن المقدسات والوقوف في وجه المستعمرين الطغاة. ثم إنها ما زالت لحد يومنا هذا، مصدرا للرحمة والسعي في مساعدة المحتاجين، والمساهمة في الأعمال الخيرية الهادفة، مما يحفظ لها الذكر الحسن بين مختلف الشرائح في هذه المدينة المعطاءة. بارك الله في عمرها وفي جهودها القيمة، وأعانها على ما تقوم به من الأعمال الدالة على طيب عنصرها وعلى سمو مبادئها وفضل أخلاقها.
هذه إشارات موجزة، ونظرة خاطفة عن بعض المواقف التي سجلها التاريخ لمساهمة المرأة في تطوان، في فترة كان فيها ظهور المرأة على الساحة عموما شيئا غير معهود. ومما لا شك فيه أن المرأة المغربية – بعد أن فُتح لها المجال لولوج دور العلم والتربية والتكوين– قد استطاعت أن تؤكد للعالم، أنها جديرة بتحمل مسؤولياتها، كعنصر له من القدرة ومن الكفاءة ومن الاستعداد، ما يسمح له بأن يتقدم إلى الميدان، للمساهمة في عملية بناء صرح الوطن، والتقدم به إلى الأمام.
ولا أدل على ذلك، مما نراه اليوم من مساهمات للمرأة المغربية عموما في تسيير وتنشيط أجهزة الحياة العمومية، وكذا ما أثبتته هذه المرأة، من جدارة ومن إقدام وجرأة، على خوض جميع المجالات التي لا شك أنها أعطت ثمارها، وستعطي المزيد مستقبلا بحول الله.
الهوامش
1– كان الأستاذ المهدي بنونة هو المكلف من طرف حزب الإصلاح الوطني بالتعريف بالقضية المغربية في أروقة هيئة الأمم، وذلك عندما قرر الحزب أن يعمل لصالح هذه القضية خارج حدود الوطن، وذلك بعد الزيارة الخالدة التي قام بها جلالة الملك المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه إلى طنجة سنة 1947.
2– تم منع الأستاذ المهدي بنونة من دخول المنطقة الخليفية مع مجموعة من الوطنيين في فبراير سنة 1948، فاستقروا بمدينة طنجة.
3– من كلمة للسيدة خديجة السلاوي بمناسبة التكريم الذي أقامه حزب الاستقلال للسيدة للا فاطمة البقالي بتطوان في 24 مارس 2001.
4– حسب ما ورد في القانون العام لهيئة الاتحاد النسائي لحزب الإصلاح الوطني.
5– الموافق 25غشت 1947 م.
6– الموافق 30غشت 1947 م.
7– معلومات واردة في مذكرة الأستاذ حسن الصفار المشار إليها سابقا.
حسناء محمد داود









































































PDF 2025


