إننا نعني بـ”منطق الدولة”، منهج الاستدلال الذي يوظفه رجال الإدارة لأجل عرض حالة ما، وتوضيح رهانات وتبرير قرار ما.
ومع الاتساع الذي اتخذته الدولة في حياتنا الجماعية، فإن هذا المنهج يجعل آثاره تؤخذ بعين الاعتبار في كل المجالات. وإذا كان هذا المنهج اليوم منتقدا بكثرة، فإنه يظل نموذجيا في علاقاتنا بالعالم.
سوف نأخذ بعين الاعتبار تدريجيا نمط الحجج التي تستخدمها الإدارة (الإيجاد) ثم الترتيب ( العرض). ولأجل هذا الغرض نحيل إلى مباراة المدرسة الوطنية للإدارة حيث تشكل صيغة الاستدلال المطلوبة من المترشحين، النموذج الأعلى للاستدلال الإداري.
I – الإيجاد
أ . أولوية العلم: الاستدلال، الحقيقة، الوضوح
نميز هنا بين الحجاج الإقناعي والحجاج الاستدلالي، فالأول يستند إلى المحتمل ويروم قبل كل شيء إلى إذعان المتلقي؛ ويروم الثاني اكتشاف الحقيقة وكشفها للعيان.
يروم الحجاج الإداري أن يكون قبل كل شيء استدلاليا: إنه يتباهى بالحقيقة وليس فقط بما هو شبيه بها. فهو يعتمد إما منهج الاستنباط منطلقا من نظريات مجربة نسبيا، أو منهج الاستقراء انطلاقا من قواعد مثبتة من أمثلة مطابقة ومعلومات وثيقة. ويربط الحجاج القضايا الواحدة تلو الأخرى بدقة مثل استدلال رياضي. فلا تُقبل قضية إلا إذا كانت حقيقية، وهذه الحقيقة تثبت في استدلالها الواضح. إن الإدارة الفرنسية ديكارتية أساسا.
تفترض إمكانية انتهاج المنطق الاستدلالي أن تمتثل الدولة ويمتثل الاقتصاد والمجتمع للقوانين العلمية حيث يتكفل الاستدلال الإداري بتوضيح الروابط الضرورية ليستنبط منها بعد ذلك القرارات المطلوبة. وقد أصبح هذا الامتثال ممكنا، نظريا، بناء على ما تتصف به الأنظمة السياسية الحديثة من طابع البناء الذاتي المستقل.
ب – البناء الذاتي للسياسة
على ما ذا يقوم هذا البناء الذاتي؟ إنه يتولد بفعل انفصاله عن الإنسان وعن الطبيعة، ويتولد من « اغتراب العالم»، حسب تعبير حنا آرينت Hannah Arendt.
- انفصال الإنسان عن الطبيعة، وانفصال المعرفة عن الكائن
كان الناس، لزمن طويل، يعتبرون أن رابطة حميمة تجمعهم بالطبيعة. وكانت لهذه الرابطة حمولة إبستيمولوجية وأنطولوجية.
كانت تقوم، قبل كل شيء، على انخراط الإنسان المباشر في مشروع الطبيعة الشامل الذي منحها مكانة ومعنى. أما اليوم، فإن الطبيعة لا تخبرنا بمَن نكون ولا حتى بما يجب القيام به، ولو بالطريقة التي اعتمدها القدامى لفهمها، على الأقل. إن الإنسان يريد، بل هو ملزم بأن يُدبِّر بنفسه حياته على الأرض. والدولة هي الوسيلة لهذه الإرادة. فقد عَوَّضَتْ بذلك النظام الأُنطولوجي المفقود.
على مستوى المعرفة، فإن هذه الرابطة كانت تُترجم بالتطابق المباشر بين الكلام والكائن، بين المعرفة الملفوظة وبين طبيعة الأشياء نفسها. كان القدامى يظنون أن الكلام قد أصاب جوهر الموضوع. أما نحن، المحدثين، فنعتبر أنه لا يقدم لنا إلا تمثيلا للأشياء، وليس الأشياء نفسها في كينونتها. فالإنسان، إذن، منفصل عن الطبيعة بصفة جذرية.
2 . الكفاءة العلمية تعتمد على خلق الإنسان نفسه للنظام السياسي
لكون الإنسان وحيدا، فإن الطبيعة لا تعني له شيئا على الإطلاق، فهو يفهم كيفية تحديد ذاته، ويتمكن تمكنا تاما من صيرورته. إن « فعل العمل» « le faire » قد عَوَّضَ الكائن الذي فقد معناه. وإلى هذه الغاية، أنشأ الإنسان بنفسه، من كل الأجزاء تنظيما جماعيا يتمثل في الدولة. وقد أسس لها المبادئ ونظم كيفية اشتغالها. إذ أصبح كل جيل يتكيف معها حسب حاجياته. وإن هذا الخلق الذاتي المستمر يفسر ويضمن عقلانية الدولة التي يمثل الإنسان فيها سيدا يضبطها بمناهج علمية.
يستند هذا التمكن إلى شرط مضاعف: من جهة، البناء الذاتي للنظام السياسي من لدن الأشخاص أنفسهم، بواسطة العقد الاجتماعي، وليس عن طريق سلطة خارجية، كسلطة الإله أو سلطة التقاليد؛ ومن جهة أخرى، خلق أدوات المعرفة المتقنة للاقتصاد والاجتماع ( علم الإحصاء)، التي يستطيع الإنسان بفضلها تتبع تطور الأشياء والتأثير فيها.
ولهذا السبب، يكون الخطاب الإداري خطابا مجردا ذا نزعة علمية. فما هو الشكل الذي يتخذه؟ وكيف ينتظم؟
II . الترتيب LA DISPOSITION
أـ الإشكالية
كيف يُعرض استدلال إداري؟ عندما يواجه موضوعا ما، يبدأ بإزاحة التعارضات، مثل البراهين ذوات الحدين (dilemmes)[1] بين الأهداف والوسائل. إنه موضوع الإشكالية. ثم يعمد، بعد ذلك، إلى أن يزيح كلا من هذه التعارضات.
- . الكشف عن التعارضات
يمكن أن يكون التضاد، في بعض الأحيان مصاغا بوضوح، كما هو الحال في موضوع مادة الاقتصاد لاجتياز مباراة ولوج المدرسة الوطنية للإدارة سنة 1983: «إلى أي حد يكون التحفيز بالطلب وانفتاح الاقتصاد على الخارج متوافقين؟» في غالب الأحيان، طبعا، يكون رجل الإدارة ملزما بتوضيحها.
و الأمر نفسه بالنسبة إلى الموضوع الآتي: «أهداف ومناهج سياسة الموارد المالية في فرنسا»، وقد كان الإعلان الإشكالي لإحدى نسخ المترشحين للمباراة كالآتي:« على الرغم من أهدافها الطموحة، فإن سياسة الموارد المالية لا يقبلها المجتمع، و ترفضها ترسانة الوسائل التي تتوفر عليها السلطات العمومية، وتصطدم بجهلها للموارد المالية.»([2]) لقد أشَّرت على تناقضين: بالنسبة إلى الأهداف، بين طموحاتها العظيمة، وتقبُّلها الضعيف؛ وبالنسبة إلى الوسائل، بين أهمية وسائل العمل وبين قلة المعلومات المتوفرة.
يمكن للإشكالية أيضا أن تعمل على تحيين الاستدلال ذي الحدين.
- . تحيين البرهان ذي الحدين Mettre au jour les dilemmes
البرهان ذو الحدين الأكثر شيوعا هو الذي يكون بين الظلم و عدم الفعالية. هذه ثلاثة أمثلة:
- بالنسبة إلى ارتفاع الضرائب على الدخل: فإن الارتفاع القوي يُرضِي العدالة الاجتماعية ولكنه لا يشجع على العطاء والابتكار؛ أما الارتفاع الضعيف فيتفادى نفي صانعي الثروات لكنه غير عادل.
- فيما يخص معيار تطور الأجور: فإن الإنتاجية طبقا لكل عامل تكون متطابقة مع لزوم الإتقان لكنها تعاقب القطاعات الأقل دينامية؛ وتكون الإنتاجية المتوسطة أكثر عدالة لكنها لا تحث قَطُّ على بذل الجهد؛
- بين السياسة العامة، المطبقة على الجميع، والسياسة الخاصة المبنية على التمييزات الإيجابية: فالأولى متطابقة مع المساواة الجمهورية لكنها لا تساعد الفئات الأقل حظا بشكل كاف ؛ بينما الثانية تهتم بها مخافة نبذها و تعميق إقصائها.
ب. المستوى : دقة وتنظيم
1- كيف يتم عرض حل المسألة؟ على المستوى الشكلي، يجب أن تُدوَّن في تصميم من شقَّين، متناقضين جزئيا، على شكل: إذا… مع ذلك…
أكيد أن هذا المطلب لم يعد معترفا به ، مع توالي السنين، بناء على نتائج لجان المشرفين على اختبارات مباراة المدرسة الوطنية للإدارة (l’ENA) :« لا تُكتَب كل الأشياء في العالم بمُقدمة، وعرض من جزأين، وخاتمة قصيرة تنتهي بجملة منمقة» أو أيضا: « إذا ما بــَدت ثلاثة أجزاء متعارضة، فلْنُدْرِجْهَا.»([3])
بالرغم من كل ذلك، ما زال المطلب يفرض نفسه. جزآن إذن، وفي كل واحد منهما قسمان، ينقسمان بدورهما إلى حجتين، يُعزَّز كلُّ واحد منهما ببرهانين؛ أي ما مجموعه إثنان يضرب في خمس عشرة نقطة متواجهة تناظريا في لعبة من تناقضات جزئية، و مُتصاعدة إلى حد « أن كل فكرة ليست إلا مكانا، وهي تنبثق من تلك التي سبقتها وتؤدي إلى تلك التي تعْقُبها»([4]):
!ـ هو الإتيان ببرهان يكره المخاطب على اختيار واحد من بديلين كلاهما في غير مصلحته، كتخييره بين الموت شنقا أو تناول مادة سامة، ويستند هذا النوع في كثير من الأحيان على مغالطة كلامية. (نقلا عن مجدي وهبة، معجم مصطلحات الأدب)[1]
[2]– ENA, 1970, p. 84
[3]– ENA, 1960, p. 8.المدرسة الوطنية للإدارة، 1960، ص. 8
[4]– ENA, 1952, p. 137. المدرسة الوطنية للإدارة، 1960، ص. 137
د. عبد الواحد التهامي العلمي









































































PDF 2025


