1.الاستقامة
كانت الحلقة الأخيرة في سلسلة أحلام بيئية بعنوان “أنا المسجد” حاولت فيها إبلاغ صوت هذا الفضاء المقدس إلى القلوب المعلقة به دوما استنادا إلى آيات بينات، وكان نشرها في عدد صحيفة الشمال الغراء ليوم السبت المنصرم الموافق ل 30 شعبان 1443ه، وفي ليلة اليوم ذاته ونحن قاب قوسين أو أدنى من فجر فاتح شهر رمضان، انطلقت من جديد، بعد حولين كاملين، سنة التراويح، وغبها كان اللقاء مع أعزاء جاؤوا مشتاقين متشوقين لهذا الشهر المبارك ولكل خيراته وفتوحاته وبركاته.
غمرني فرح كبير وأنا أرى أمامي وجنبي شبانا وأطفالا يؤدون الصلاة خاشعين لرب العالمين الذي من سبحانه برفع غمامة الوباء، وأكرم عباده بانهمار غيث السماء.
وإذا كانت فضائل هذا الشهر الكريم الكثيرة، معلومة عند العامة والخاصة بدليل ما نشاهده ونسمعه من إقبال، رسمي وشعبي، على أعمال البر والإحسان في بلادنا المعطاءة أرضا وإنسانا، فإن ما استوقفني وأنا أعيش فرحة الناس بأداء التراويح جماعة بعد تعذرها جراء الوباء، هو إقبال شباب طاهر نقي على المساجد؛
شباب نريده ناشئا في بيئة طاهرة تربيه على التحلي بقيم الاستقامة؛
ومعلوم أن الاستقامة في ديننا لها شأن عظيم فهي حاضرة في كل صلواتنا لما نتلو فاتحة الكتاب مبتهلين إلى الحق سبحانه ((اهدينا الصراط المستقيم))؛
وبها أمر الحق سبحانه نبيه الكريم :((فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير)) (هود: 112)
مستحضرين الجزاء الأوفى الذي أعده رب العزة للمستقيمين في آيات عديدة، منها قوله تعالى:
((إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون)) (فصلت:29)
وقوله سبحانه: ((إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون)) (الأحقاف: 12 ،13)
***
ولسمو منزلتها أوصى بها الحبيب المصطفى، فعن سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك قال: (( قل آمنت بالله ثم استقم)). (رواه مسلم/رقم:38).
وقال الإمام ابن دقيق العيد(ت. 702ه) في شرحه لهذا الحديث: ((هذا من جوامع الكلم التي أوتيها صلى الله عليه وسلم فإنه جمع لهذا السائل في هاتين الكلمتين معاني الإسلام والإيمان كلها…))
(شرح الأربعين النووية، ص:98)
***
ولعلماء الإسلام كلام مستفيض في الاستقامة أقتطف منه قول الإمام القشيري رحمه الله:((الاستقامة درجة بها كمال الأمور وتمامها وبوجودها حصول الخيرات ونظامها، ومن لم يكن مستقيما في حالته ضاع سعيه وخاب جهده…)) (الرسالة القشيرية، ص:240)
ومنها قول الشيخ الإمام ابن عطاء الله السكندري رحمه الله: ((أفضل ما يطلب العبد من الله أن يكون مستقيما معه قال الله تعالى: ((اهدنا الصراط المستقيم)) منه الهداية والاستقامة، وهو أن تكون مع الله في كل حال بالذي يرضاه لك…)) (تاج العروس الحاوي لتهذيب النفوس، ص: 23).
. ***
وبعد؛
فهل تحظى ناشئتنا وشبيبتنا ممن بيدهم شأننا الروحي والتربوي والثقافي بالرعاية الواجبة لحمايتها من الانحراف الفكري والسلوكي؟!
وهل يفلح صادقو النيات مخلصو القصد في وضع برامج وخطط تربوية تهدي الأجيال الصاعدة إلى صراط الاستقامة؟!
يقينا إن تحقق ذلك، تحقق الفوز بحياة طيبة، ملؤها الرخاء والازدهار، والتمتع بالحقوق المكرمة للإنسان.
فاللهم أدم بفضلك وهدايتك شهر رمضان مدرسة استقامة وغفران.
د. محمد محمد المعلمي









































































PDF 2025


