1.سبق الحديث في الحلقة الماضية عن المجلس الحديثي السلطاني الحسني، وكيف كان يخضع لطقوس خاصة فيما يتعلق بطريقة القراءة والسرد لمتن صحيح الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وكيف جرت العادة فيما لو أراد السلطان المذاكرة والنقاش حول حديث من الأحاديث؛ حينها يتحول المجلس من مجلس للقراءة والسرد إلى حلبة للنقاش الفكري، والتبارز الفقهي، والتناظر العلمي، في جوّ يتسم بالانفتاح وحرية الفكر.
- ذاك أنه كما تقول الأستاذة آسية الهاشمي: ” غالبا ما كانت المجالس العلمية السلطانية للمولى الحسن تتحول إلى مناظرات ومناقشات حادة، كلما طرحت قضية، وتضاربت حولها آراء العلماء أعضاء المجلس الحاضرين، إذ يتمسك كل عالم برأيه، ويأتي بالحجج والأدلة والنصوص لتأييده ودعمه”،
3.الجميل في هذه المجالس العلمية أنه كان يتمخض عنها الكثير من المؤلفات والرسائل العلمية التي كانت تؤلف بوحي من جلساتها نتيجة للحوار والنقاش المتبادل بين أفراد علماء الحضرة السلطانية، فكانت بذلك إغناء وإثراء للحركة الفكرية في عهده.
- خير شاهد على هذا الجوّ العلميّ المتسم بالحوار والانفتاح الفكري في هذه المجالس السلطانية ما جرى بين الشيخ الفقيه عبد الله بن إدريس السنوسي -المتوفى بمدينة طنجة سنة: [1350هـ] – وبين بعض علماء المجلس كشيخه العلامة القاضي أحمد بن الطالب بن سودة، وعبد الله الكامل الأمراني وغيرهم، من التناظر في بعض المسائل العلمية.
- كتوطئة؛ يعدّ الشيخ عبد الله السنوسي من العلماء المغاربة الذين خصوا بحظوة كبيرة لدى سلطاني المغرب مولاي الحسن ومولاي عبد العزيز، فبعد رحلة الرجل إلى المشرق سنة (1290هـ)، عاد إلى المغرب كما يقول الشيخ عبد الحفيظ الفاسي “مملوء الوطاب، عامر الجراب، وكان جلالة المقدس مولاي الحسن إذ ذاك بمراكش الحمراء، فوفد على بابه، وتعدّى أوشال البلاد إلى أعتابه، وكان مولاي الحسن يعرف لذوي الأقدار أقدارهم، ويقضي أوطارهم، فعرف مجادته، وأكرم وفادته، وعيّنه من جملة العلماء الذين يحضرون مجلسه في صحيح البخاري”.
6.بنى السنوسي منهجه الفقهي على “العمل بظاهر الكتاب والسنة، ونبذ ما سواهما من الآراء والفروع الفقهية المستنبطة، مع التنفير من التقليد، ورفض الأقيسة والآراء”، ومنهجه العقدي على “رفض التأويل في آيات الصفات وأحاديث الصفات والمتشابهات، وإبقائها على ظاهرها”. وكان يجاهر بأفكاره هاته داخل المجلس السلطاني الحسني، “ويصول ويجول على من حضر فيه من الشيوخ الذين قاوموه بالقواعد الأصولية والفروعية، ومع ذلك يجد مقالاً للقول”، كما يقول عنه العلامة الشيخ أحمد السكيرج.
- من المسائل التي جرى التناظر فيها بين الفقيه عبد الله السنوسي وشيخ المجلس أحمد بن سودة برحاب الحضرة الحسنية مسألة قراءة حديث الإفك وسرده من عدمه؛ إذ جرى العرف في المجلس السلطاني الحديثي ألا يقرأ هذا الحديث في المجلس بحجة عدم إشاعته بين العوام، وتنزيها لأم المؤمنين السيدة عائشة، واحتراما لآل البيت الكرام، فحدث- كما يقول الأستاذ علال الفاسي- أثناء قراءة الدروس المولوية من صحيح البخاري أن طلب السيد القاضي أحمد بن سودة عدم سرد حديث الإفك قائلا: إن الأوفق عدم إشاعته بين العوام وعدم دراسته…
- الأمر الذي لقي معارضة شديدة من عبد الله السنوسي، واشتدت المنافسة بين الفقيهين، مما دفع بابن سودة إلى تأليف رسالة في الرد عليه سماها: «القول الصحيح بعدم قراءة حديث الإفك من الصحيح»، مؤكدا عدم قراءة حديث الإفك، وشنّع على الشيخ عبد الله ادعاءه الاجتهاد واستدلاله بالحديث والكتاب وهو ممن لا يتجاوز درجة المقلد، وبعدما أطلع المولى الحسن على هذه الرسالة، ملأ حواشيها تعاليق موضوعية وافق فيها بن سودة في بعض ما قاله ولكنه أعطى الحق للسنوسي في قراءة قصة الإفك.
9.لم يكن السلطان ينحاز لفريق دون الٱخر كما يقول في«المدهش المطرب» بل كان ” يلقي حبلهما على غاربهما، ولعل ذلك كان يريده باطنا ليظهر كل فريق ما عنده من العلم، ويتمحص المحقق من المبطل، والجاهل من العالم”.
- تستمرّ هذه المجالس الحديثية وتقسم إلى ست وثلاثين مجلسا، يتم فيها تقسيم الأنصبة والأجزاء التي ستقرأ بحيث لا يزاد فيها ولا ينقص، وتستمر طيلة ثلاثة أشهر إلى يوم الختم الذي يكون بالعادة يوما مشهودا، وغالبا ما يكون في السابع والعشرين من رمضان، وأحيانا يوم العيد، يحضره السلطان ويتم الاحتفاء فيه بأنواع الأطعمة والأشربة والطيب، وتلقى فيه الأشعار والقصائد، ويكرّم العلماء.
- يصوّر لنا العلامة المؤرخ أحمد الناصري في « الاستقصا » مشاهد من هذا اليوم المشهود الذي شهده فيقول: ” ثم دخل السلطان المولى الحسن-أعزه الله- رباط الفتح صبيحة يوم الخميس ( 29 رمضان 1290هـ 20 نونبر 1874م) وكان العيد يوم السبت، فأقام السلطان أيده الله سنة العيد برباط الفتح، وختم به صحيح البخاري على العادة، وكان فقيه المجلس ومدرسه يومئذ الفقيه العلامة السيد المهدي بن الطالب بن سودة الفاسي، وحضر ذلك المجلس وفود المغرب وقضاة العدوتين وعلماؤها، وحضرنا في جملتهم، ومدح السلطان بقصائد بليغة، واحتفل -أعزه الله – لهذا الختم بأنواع الأطعمة والأشربة والطيب، وفرّق الأموال على من حضر، ثم وصل أهل العدوتين من علمائها وقرائها ومؤذنيها … على العادة”.
- وعن هذا اليوم يقول ابن زيدان في «العزّ والصولة»: “وفي ذلك اليوم تجزل لهم الصلات والعوائد، وتقدم للجلالة نبات أفكار شعراء دولته، وكتابها مهنئة بختم الدروس الحديثية، فيجازي كلا بما يستحق، وبعد انتهاء أيام العيد يغمر أولئك العلماء بضافي النعم، وتنفذ لهم ولذويهم الكساوي، وتقضى سائر مطالبهم، ويؤمر أمناء الصائر بتنفيذ كل ما يحتاجون إليه من ضروريات السفر حقيرة أو جليلة، ويتقلبون إلى أهليهم مسرورين متأبطين بمكاتب الإنعامات، وأيضا العمال الذين يمرون بترابهم بإكرام ضيافتهم والإحسان إليهم والبرور بهم”.
- هذا فضلا عن تحول يوم الختم إلى يوم أدبي يتنافس فيه الشعراء والأدباء على قريض الشعر مدحاً في السلطان وثناء، فكان يجازي الكل كما يقول المشرفي في الحلل البهية “على قدر مراتبهم، ولم يرجع أحدهم خائباً جذب قصيدة “.
د. محمد شابو









































































PDF 2025

