الحرم المدني
يقع مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في وسط المدينة المنورة، حيث يشغل بسيطا واسعا يجعل لها منظرا جميلا من أبدع ما توجده يد الهندسة والاختراع، وهو في حد ذاته من أجمل ما يراه الناظر وتطيب له النفوس، نظرا لشكله البديع وزخاريفه الخلابة، زيادة على الأنوار الهاشمية الساطعة من جميع أركانه وزواياه. ولقد جاء على شكل مستطيل يبلغ طوله 116 مترا وعرضه من جهة 86م، ومن جهة أخرى 66م، وعدد سواريه الضخمة 327 ، قد رفعت عليها قباب صغيرة يتكون من انضمامها إلى بعضها سقفه العظيم، وتتخللها نوافذ صغيرة منها ينبعث الضوء النهاري إلى جميع نواحي المسجد المترامية الأطراف والذي زاد في نضارته هو ذلك الفضاء المتكون تحت كل قبة من القبب المذكورة المثمنة الأضلاع والتي خط الرسامون على أطرافها آيات كريمة من القرءان الشريف بإضافة بعض الزخاريف اللطيفة المناسبة للمقام. ويعلو جدار المسجد من الداخل في زيادة سيدنا عثمان القبلية حزام من الزليج الرفيع من علو نحو ثلاثة أمتار، وقد نقشت عليه كذلك آيات قرآنية شريفة ورسوم جميلة، كما تجد مثل ذلك على كل باب من أبواب المسجد البالغ عددها خمسة : باب السلام.. وباب الرحمة والباب المجيدي وباب النساء وباب جبرايل، والناظر إلى أركان المسجد الأربعة يرى أربع منارات قد برزت في الفضاء وأخرى أمام باب الرحمة كلها في شكل جميل يؤذن في جميعهـا المؤذنون عند كل صلاة بأصوات رخيمة مؤثرة في النفوس.
وللمسجد النبوي صحن واسع الأرجاء غير مسقف ولا مبلط تكتنفه الأروقة من جهاته الأربع ، 3 من الجهة الغربية و2 من الجهة الشرقية و3 من الجهة الشمالية و12 من الجهة الجنوبية. وفي الرواق الثالث من الجهة القبلية يوجد المنبر البديع المكون من الرخام المنقوش بالذهب وعن يساره المحراب النبوي وعن يمينه المحراب السليماني ثم المحراب العثماني في الجدار القبلى، وهناك أيضا توجد الروضة الشريفة فيما بين المنبر والقبر الشريف، وهي تتميز عن بقية المسجد بعلامات من الرخام الأبيض بأسفل السواري الموجودة بها، ولعلو مقامها تجد الناس يتسابقون إليها قبل أوقات الصلاة بمدة، فلا يأتي وقت الصلاة حتى تكون عامرة بمئات من المصلين، وقد وضعت فيها مصاحيف كثيرة لتلاوة القرآن الكريم حتى يوزعها المكلفون بذلك على المصلين. والمسجد المدني على اتساعه يضيق بالمصلين في جميع أوقات الصلاة، إذ مهما أذن المؤذن إلا ولم يبق لأحد من التجار والصناع أو غيرهم من عمل إلا تلبية النداء. وللنساء فيه محل خاص للصلاة تحيط به ستارة من الخشب لفصلهن عن الرجال ويسع المئات الكثيرة منهن، كما أن لهن أوقات خاصة للزيارة بعد أوقات زيارة الرجال، فلا يقع أدنى اختلاط ولا شيء مما يمس بكرامة الحجاب.
وحول المسجد من الخارج مراحيض ومحلات واسعة للوضوء، وفي كل باب من أبوابه حارس يضع عنده المصلون أحذيتهم، إن أرادو أن لا يدخلوها معهم للمسجد، ويقوم بتنظيف المسجد لفيف منظم من الأغاوات، قد جعلت لهم دكة خاصة قرب باب الرحمة أمام الحجرة النبوية تعلو عن أرضية المسجد بنحو 40 سنتيما ويبلغ طولها 12 مترا على 8 أمتار عرضا يجتمعون فيها خارج أوقات خدمتهم، وقد فرشت بالزرابي الرفيعة وعلقت فيها الساعات الجميلة وأعدت فيها مصاحف كريمة إذ كثيرا ما يجلس معهم فيها بعض المصلين بقصد التبرك بهم لانقطاعهم إلى خدمة الحرم المدني والحجرة الشريفة التي بيدهم مفاتيحها ولا يدخلها غيرهم. وأرض المسجد النبوي الكريم مفروشة بالزرابي وقد قيل لنا أنها كانت فيما قبل أجمل مما هي عليه الآن، إذ كان يأتي بها أغنياء الفرس والهند والأتراك وغيرهم فلا ينقص منها شيء رغما عن كثرتها، أما الثريات الكهربائية التي تنير المسجد فيزيد عددها على المائة، وهي من البلور الرفيع والنحاس اللامع، وقد كانت أيضا فيما قبل أحسن حالة، مما هي عليه الآن ومنظرها في الليل من أبدع ما يكون لكثرة الأضواء الكهربائية المتولدة من المعمـل الكهربائي الخاص بالمسجد النبوي الكريم، الواقع بالقرب من باب المجيدي ومن عناية بعض المحسنين وذوي السخاء أن وضعت في جميع جهات المسجد آنيات من الفخار وأقداح من المعدن يملؤها المكلفون بها في جميع الأوقات ليجدهـا الزائرون أمامهم كلما دعاهم الظماء إلى مائها العذب السلسبيل في أوقات الحر الشديدة هناك، وتجد علاوة على ذلك أفرادا متطوعين يطوفون على الناس بالماء يلبون نداءهم بأدنى إشارة خدمة لزوار بيت الرسول صلى الله عليه وسلم واعتناء بهم، هذا وغير خفي أن المسجد النبوي زيدت فيه على بنائه الأصلي زيادات كثيرة حتى أصبح اليوم على الصورة التي ذكرناها وصار يضم مئات الآلاف من الزوار. ومن هذه الزيادات زيادة سيدنا عثمان رضي الله عنه وبها ينتهي المسجد من الجهة القبلية بحائط مقابل للحجرة النبوية والروضة الشريفة على نحو الأربعة أمتار وقد فصلت عنه في محل الجدار القديم بشبابيك من الحديد تمتد من جهة باب السلام إلى الحجرة النبوية.
ومنها ايضا زيادة سيدنا عمر ابن الخطاب رضي الله عنه وزيادة سيدنا خالد ابن الوليد وزيادة السلطان المهدي وزيادة السلطان قايتباي وزيادة السلطان عبد الحميد، جزاهم الله جميعا عن هذا العمل المشكور خير الجزاء، وقد شاهدنا أن بعض المحلات في المسجد النبوي الشريف داعية للإصلاح وأخيرا علمنا مما نشرته الجرائد أن بعض المهندسين المصريين أخذوا في تحضير رسم ذلك الإصلاح لتتوجه العناية إليه بحول الله في القريب.
(يتبع)
محمد وطاش









































































PDF 2025


