ب ـ الزمن ضد الخطاب
الزمن الإعلامي، نادر ومجزأ، يُفقِد الأمل في الدافع عن التعبير عبر الشاشة.
- زمن متقلص
في الخطاب السياسي الكلاسيكي، لا يكون الزمن محتَسَباً، أو يكون محتسبا بطريقة أكثر فسحة، ويكون الخطيب هو من يتحكم فيه، ويجعل منه «سلاحا» مُقْنِعا. الزمن جزء مهم من الإستراتيجية الخطابية، إنه في خدمة الخطاب.
يعمل الزمن، مع التلفزيون، على استعباد الخطاب. فالسمعي البصري ينتمي إلى الدائرة الاقتصادية، ويخضع للمنطق التجاري .إن لزمن التلفزيون سعراً؛ فقد أصبح شحيحا وغاليا. وغدا الخطاب متوترا، ومُعَنَّفا من قِبَلِ زمن مستبد يسلب الإنسان خطابه، فهذا الزمن المتقلص هو أيضا زمن مجزأ. فالحوارات الفردية نادرة في التلفزيون. وبصفة عامة، يكون التدخل السياسي موجها، ذا إيقاع، ومتقطعا بتدخل الصحافي أو بمتوالية من الصور. ويكون الكلام تفاعليا ومتقطعا.
وينتج عن ذلك، على الشاشة الصغيرة، أن الكلام السياسي الذي تُراد منه الفعالية يكون مختصرا. إنه يعطي الأفضلية للصيغ، والجمل القصيرة، ويقصي الحشو والإطناب والتفخيم، ويضاعف من المحذوفات والاختصارات والتخطيطات . وعليه، فإن التلفزيون لا يكون وحده المسؤول عن ذلك طبعاً: ألَمْ تعمل لغة الخشب المستخدمة من الأنظمة السياسية ذات الحزب الوحيد على زرع الشك في كل حوار سياسي طويل شيئا ما؟
يخسر الخطاب بالتمديد أو الإطناب ما يكسبه بالتكثيف: فكل لفظ محسوب. إن العرض التلفزي ينبغي أن يكون سلسلة متوالية من أزمنة قوية بألفاظ جزلة وصيغ واضحة. فإيجاز تدخل رجل السياسة، والتأثير المُضخِّم للإعلام، يرغمانه على ممارسة يقظة « ما فوق اللغة». métalinguistique في كل اللحظات: يجب عليه أن ينتبه إلى كل لفظ من ألفاظه وإلى كل تعبير من تعابيره، مع توخي العفوية و الاسترخاء. إنه عمل شاق. ..
فالزمن القليل الموزع على الخطاب عَمِلَ على تغيير بنيته ومضمونه.
- خطاب مُفَتَّت Un discours en miettes
لنوضح تأثير التلفزيون على الاستدلال، ونكتبه بخط عريض لنفهمه أكثر.
إن فعل الحجاج يحتاج إلى وقت. “يجب الإتيان بالجمل الواحدة تلو الأخرى، و نربطها بأدوات من قبيل”ِلأَنَّ”، و”إِذَنْ”، و”نتيجة لذلك”، و”على العكس من ذلك”. كيف تعبر عن فكرة في أقل من دقيقة في برنامج ” الثامنة ليلا”«20 heures » ؟ الأفضل أن نبين ذلك، فالأمر يتم بسرعة. هل هناك حشوٌ ما؟ فبدل العمل على شرح الأسباب واستخلاص الحلول، سوف نؤثر في جو محدد وسنعلن عن مقياس للتعديل.
فالبرهان يكون أقل فعالية بواسطة الاستنتاج، وبربط الجمل منطقيا، الواحدة تلو الأخرى، أكثر مما يكون بواسطة التماثل، أي بضم جملة إلى أخرى تشبهها. ويمر الخطاب بتركيبات فضفاضة وتماثلات غامضة أكثر مما يمر بواسطة استنتاجات دقيقة ومكثفة. إن الانتقال من فكرة إلى أخرى يتم بواسطة القفز، أو التجاور، ولا يتم بواسطة الربط المنطقي. ولم يعد الخطاب على شكل خطي، بمقدمة، وعرض، وخاتمة؛ إنه يعمل بواسطة وميض، و صور متتالية. فجملة قصيرة، وصيغة صادمة أفضل بكثير من خطاب طويل. فعبارة الوزير الأول الفرنسي لُوران فابيوس Laurent Fabius، سنة 1985 : « هُوَ هُوَ هُوَ، و أنا هُوَ أنا» ، تترجم بشكل قاطع علاقاته برئيس الجمهورية، فرانسوا ميتيرانFrançois Mitterand ، وتتعدى بفضل بيان تحصيل حاصل، كل شرح حقيقي.
وقد أحدثت هذه الخصائص العامة للسمعي البصري تغييرا عميقا في البلاغة السياسية.
II .خصائص الكلام السياسي في التلفزيون
أ . السياسة في قبضة التلفزيون
يمارس التلفزيون سطوة كبرى على النشاط السياسي. وأصبح التواصل السمعي البصري بُعدا رئيساً للفعل الحكومي. وأصبحت الأحداث السياسية تدريجيا، أحداث إعلام.
- تأثيرات الشرعنة، والتضخيم واللاواقعية .
لا وجود اليوم لرجل سياسة، على الصعيد الوطني، إلا من خلال التلفزيون. وبما أن عددا قليلا من الفاعلين السياسيين يُستدعَون للتلفزيون، على الأقل، وللقنوات التي تحظى بجمهور واسع، فإن تأثير شرعية الشاشة الصغيرة يكون مهما. وإن مجرد الظهور في التلفزة يكون مقنعا: هذا يعني أنك شخص مهم. فالتأثير هنا يكون ذا حدَّيْن، بالطبع: فأنت حين تظهر في التلفزيون من ثلاث إلى أربع مرات، يُحتفظ بك في الذاكرة، وإذا لم تظهر أبدا، فإنك تُنسى.
إن هذا الانتشار الواسع يكون مصحوبا بتأثير مُضَاعف له علاقة بكل ما هو خارجي: الراديو والصحافة المكتوبة التي تعيد النشر وتعلق على التصريحات المقدمة أمام الكاميرات.
ومن جهة أخرى، فإن المسؤولية الديمقراطية تحتم على رجل السياسة أن يقدم باستمرار كشف الحساب لناخبيه عبر وسائل الإعلام. فهو مدعو للظهور بصفة منتظمة في التلفزيون لتقديم مشاريعه وتبرير اختياراته. وكأن الشرعية السياسية مقسمة: حيث تضاف إلى الشرعية الانتخابية، بوصفها التزاما لمدة تتراوح ما بين خمس إلى ست سنوات فقط، “شرعية تلفزيونية” ([[1]]Cotteret) يجب أن تصان باستمرار.
وتأخذ الصورة مثل هذه الأهمية، إذ غالبا ما يتم النقل الحقيقي عبرها حينئذ، فنعود إليها لتفسير النجاحات والإخفاقات الانتخابية عبر إنجازات أو فشل التواصل. وتبدو السياسة وكأن الشاشة الصغيرة قد استحوذت عليها: فالتصريحات والإخراج قد اكتسبا تناسقا قادرا على إخفاء واقع الحركة العمومية يوميا.
وفي الوقت نفسه، تظهر الإخفاقات وكأنها ضُخِّمت بالعدسة المكبرة. إذ تتيح لنا الصورة أن نرى بوضوح شديد حركات الوجه والجسم المصاحبة للكلام، تساعد على تأويل الخطاب من البداية إلى النهاية. فظهور تشنج عضلي، أو أنف بشع سيحجبان الكلمات: ولن نرى سواهما، ولن نتذكر سواهما. فهل ستتحول نظرة الخطيب بطريقة لا إرادية عن الكاميرا في لحظة هامة من تدخله؟ بالتأكيد سيتحول اهتمام المشاهدين. ومع ذلك، فإن الانطباع بالاعتباطية والعجز الناتج عن ذلك يجب أن يكون معتدلا: التلفزيون لا يقوم إلا بتضخيم النزعات الموجودة عند الفاعل السياسي غالبا، وإن كان لا يبتدعها بشكل كامل.
يمكن لرجل السياسة أن يكون كفؤاً في أدائه، ومع ذلك، يُكوَّن عنه انطباع سيئ لدى الرأي العام لأنه يُقدَّم بشكل سيئ في التلفزيون. إن عالم السمعي البصري هو عالم لوحده؛ إنه ليس لوحا زجاجيا بسيطا يسمح برؤية ما هو كائن بالضبط . كما أن الفاعل السياسي لن يرضيه إذن أن يؤدي مهامه ويعتقد أن التلفزيون سوف يقوم بترجمة أمينة لسياسته. إنها تقنية ينبغي له أن يتعلم إتقانها، وعالم ينبغي له أن يتصرف فيه مثلما يفعل في العالم الواقعي. إضافة إلى ذلك، فقد كان التلفزيون من قبل أداة في يد السلطة، فتم تحريره تدريجيا. إن السياسي لم يعد في بيته خلال نشرة الأخبار، إنه أمسى ضيفا؛ عليه أن يتحالف مع الصحافيين، أصحاب المكان.
[1]– J-M. Cotteret : est membre de la Commission nationale de l’informatique et des libertés (Cnil) et professeur émérite à La Sorbonne.
د. عبد الواحد التهامي العلمي









































































PDF 2025


