يعد اختيار التخصص الدراسي الجامعي أمرا صعبا، نظرا لتعقد هذا الاختيار، وانفتاحه على العديد من الآفاق الجامعية؛ بين جامعات ذات استقطاب محدود وأخرى ذات استقطاب مفتوح، ومؤسسات التكوين العسكري والمهني… مما يضع الطالب في حيرة من أمره، بحيث يشعر بالتردد والخوف من المستقبل، كما يضع أسرته أمام مسؤوليات جسيمة تتمثل في مساعدة ابنهم/ابنتهم على اتخاذ القرارات الصائبة المتعلقة بتعليميه العالي؛ هذه الاختيارات لابد وأنها سترسم مسار حياته الأكاديمية والمهنية في المستقبل.
بعد الإعلان عن نتائج الباكالويا ونجاح فئة هامة من التلاميذ، تتناسل في أذهان أغلبهم مجموعة من الأسئلة ومنها:
ما هو التخصص الجامعي المناسب لشخصيتي وإمكانياتي والذي يوافق رغباتي؟ كيف أشخص اهتماماتي والمهنة التي تلائمنى مستقبلا؟ ما هي المعايير المطلوبة لولوج معاهد وجامعات المغرب خصوصا ذات الاستقطاب المحدود منها؟
تنقسم التخصصات الجامعية في المغرب إلى عدة أقسام نظمتها وزارة التربية الوطنية بالتعاون مع وزارة التعليم العالي في دليل خاص بالتوجيه إلى أسلاك ما بعد الباكالوريا، يقدم هذا الدليل سبيلا إلى ولوج مجموعة من التكوينات والمدارس والمعاهد والتخصصات، يتمثل هذا السبيل في معايير الانخراط فيها عبر (الانتقاء، الامتحان الكتابي، الامتحان الشفوي…)، كما يشرح هذا الدليل مواعيد التسجيل القبلي في بوابات إلكترونية مخصصة لكل معهد وكلية، ويوضح طرق الترشح لذلك، ويعرض روابط مواقعها الإلكترونية وفق تصنيف دقيق حسب مجالات تخصص هذه المدارس والمعاهد والكليات (جامعي، عسكري، مدارس عليا، أقسام تحضير شهادة التقني العالي…).
لقد سهرت الوزارة المعنية على تحيين هذا الدليل كل سنة؛ خصوصا (المعطيات المتعلقة بالمقاعد المخصصة لذلك، تواريخ التسجيل القبلي، وكذا تواريخ مباريات الولوج، مع عرض المؤسسات المحدثة في كل مدينة)، كما يتضمن لائحة بمؤسسات التعليم العالي الخاص المرخص له من طرف الوزارة، والذي تعترف بمعادلة شواهدها للشواهد الوطنية.
وسط زخم كل هذه المؤسسات والعروض المتاحة يقف تلميذ الأمس القريب، وطالب اليوم – خصوصا المتميزين منهم والقليلي الخبرة وضعيفي السند والتوجيه من الوالدين والأقربين – حائرا تائها، فالمسؤولية جسيمة والمستقبل بين كفي عفريت. فمنهم من لم يخطط لمستقبله زمن التحصيل الثانوي، إذ إن مستقبله مرتبط ارتباطا وثيقا بالشعبة والتخصص والمسلك الذي سيختاره، في زمن تتغير فيه قيمة المهن بين صاعد ونازل وحتى منقرض.
كما تقف الأسرة – خصوصا الأقل تعليما ووعيا والأضعف ماديا- حائرة أمام كل هذه الخيارات، وأحيانا لا تعي بالقدر الكافي خطورة ذلك، وتدع الاختيار لولدها/لابنتها؛ واضعة إياهم في مأزق حقيقي. أما الأسر المتنورة والميسورة فتحتار أكثر من أبنائها في ذلك، وتسارع للبحث والتقصي عن أنجع الكليات وأحسن المعاهد، مما يضعها أمام العديد من الأسئلة المتشابكة، ومنها:
كيف أساعد أبنائي على اختيار التخصصات التي تناسب امكاناتهم وقدراتهم؟ وما مدى استعدادي ماديا لضمان الانفاق على هذه التكوينات؟ كيف أعِدُّ ابني/ابنتي نفسيا واجتماعيا للاندماج في بيئة جديدة كليا (العيش وسط زملائه في الحي الجامعي/الثكنة العسكرية/السكن الخاص/ بل وحتى الغربة خارج الوطن…)؟ ويبقى أهم سؤال في نظري: هل سأترك اختيار التخصص الجامعي حصرا لابني/ ابنتي أم سأختار له بنفسي ما يناسبه؟
يبدأ التفكير في التخصص الجامعي خلال التعليم الثانوي التأهيلي؛ ففي هذه المرحلة بالذات يستطيع المتعلم تشخيص اهتماماته وقدراته، وينفتح على العديد من التخصصات المتاحة له، خصوصا خلال أيام التوجيه التي تنظم ربيع كل سنة بالثانويات التأهيلية، مما يحفز الرغبة في الانخراط فيها في وقت مبكر، كما أن أغلب المتعلمين – أثناء هذه الفترة بالذات- يقبلون على تصفح مواقع المعاهد والجامعات، مما يساعدهم على تشكيل صورة -ولو مبدئية- عن مستقبلهم الجامعي والمهني.
يعتبر (التوجيه) والمساعدة على التوجيه حق من حقوق المتعلمين، يتقاسم فيها المسؤولية جميع الفاعلين، هذا فضلا عن أنها سيرورة تبدأ من سن مبكرة (التعليم الابتدائي)، وبه فإن مسؤولية التوجيه ملقاة على عاتق المتعلم ومحيطه الأسري والمؤسساتي وذوي الاختصاص، فمستقبله هو مستقبل أسرته ومحيطه وحتى بلاده، والهدف الأسمى من تكوينه هو صناعة مواطن صالح ينفع نفسه ويخدم بلده.
ما مدى مسؤولية الطالب في اخيار مستقبله الجامعي؟
يعد اختيار التخصص الجامعي مسؤولية جسيمة يتحملها الطالب أساسا، فهو المعني بالأمر، وهو أعلم الناس بذاته واهتماماته ومؤهلاته الشخصية والعلمية؛ هذه المؤهلات هي التي ستقوده إلى تحمل مسؤولية الاختيار. ولا يستقيم ذلك إلا عبر تقييم الذات وتحديد الميولات المهنية: تقوم هذه الاختيارات على التشخيص والتقييم وفق تمارين تجس كفاياته الأساسية والتي لابد وأن تتوفر في طالب الغد وعامل المستقبل (الكفايات اللغوية، الكفايات التواصلية، التمكن من المادة والتخصص، القدرة على الاندماج في المحيط، الشغف وحب التعلم والتكوين الأساس والتكوين المستمر).
وبناءً عليه ينصح الباحثون الطلاب بالتعرف على ذواتهم أكثر فأكثر، وتحديد قدراتهم ومهاراتهم تحديدا علميا دقيقا، (خصوصا ما يستطيعون فعله بدقة وما لا يستطيعون)؛ إذ إن هذه القدرات هي التي تحدد اخيارهم التخصص الجامعي المناسب: (آداب وعلو م إنسانية- علوم رياضية فيزيائية حياة وأرض – اقتصاد -تكنولوجيا –تخصصات مهنية …)، كما يجب عليهم تجنب الاختيارات الخاطئة كأن ينخرط في تخصص يصعب عليه مجاراته لمجرد أن آفاقه المهنية واعدة، فيضطر لتغيير هذا التخصص مضيعا سنة دراسية كاملة، أو يتوجهون لتخصصات تخالف ميولاتهم وقناعاتهم ومبادئهم، والطالب الناجح في نظري هو الذي يستحضر الوظيفة المجدية مع خدمة البلاد والعباد؛ فالطالبات مثلا يخترن بعض المهن والتخصصات أكثر من الطلاب كالطب والصيدلة والتسويق الإلكتروني والمحاسبة…). كما ينصح أخصائيو التوجيه الانفتاح على التخصصات المفتوحة على المهن المطلوبة في سوق العمل (التقني- الطبي والتجاري…).
ما مسؤوليات الأسرة في اختيار مستقبل أبنائهم وبناتهم؟
تلعب الأسرة دورا جسيما في تسطير مستقبل أبنائهم وبناتهم الجامعي والمهني، والقرارات التي سيتخذونها معا ستحدد مسار حياتهم، خصوصا إذا كان هذا الابن/البنت تائها بين العديد من الاختيارات والاتجاهات. فالأسرة هي السند الحقيقي للأبناء؛ وطالما أخذت بأيديهم نحو بر الأمان، وطالما سمحت لهم باتخاذ بعض القرارات البسيطة على سبيل التمرين والتدريب.
تبدأ عملية التوجيه بالبحث والاستشارة والاستقصاء حول مؤسسات جامعية عليا تتوافر فيها مقومات التكوين الأنجع ويكتسب فيها الطلاب العادات والسلوكيات السليمة، حيث يفجّرون طاقاتهم وإبداعاتهم، ويكتشفون مواهبهم، ويبنون مستقبلهم، كما تساعده على الاندماج في سوق الشغل منذ سنوات التكوين الأولى عبر التداريب الميدانية التطبيقية.
كما يشترط في هذه المؤسسات أن تناسب مستوى أبنائهم/بناتهم، وتلبي رغباتهم وتساير إمكاناتهم التحصيلية، لذا وجب على أولياء أمور الطلاب استشراف المستقبل عبر استشارة ذوي الخبرة من: موجهين ومدراء المؤسسات والمعاهد قبل التورط في اختيار أو تخصص لا يناسب أبناءهم أو يرهقهم نفسيا وماديا.
كما أن تواصل الأسرة الفعال مع الطالب (ة) المعني (ية) بالأمر، ومناقشة كل اختيار على حدة – بإيجابياته وسلبياته-، يسهل سبل الاختيار الأنسب، فالعديد منها لا توافق أبناءها على بعض الخيارات الثورية كالتصميم الالكتروني (الكرافيزم) أو البرمجة أو العلوم الواعدة مثلا لمجرد أنها ليست مجرّبة بعد، وآفاقها المهنية لا تزال مجهولة.
ومن الأسر من تصر على تسجيل أبنائهم/بناتهم في تخصصات صعبة لا تراعي مستوياتهم التحصيلية والإدراكية لمجرد التباهي والسمعة بين أفراد العائلة والمحيط، مما يدمر مستقبل فلذات أكبادهم عن غير قصد.
كما تلعب القدرة المادية للأسر دورا فعالا في اختيار بعض التخصصات الجامعية (ذات الاستقطاب المحدود أو المعاهد الخاصة)، ويزداد الأمر صعوبة إذا اختارت الأسرة تعليم أبنائها في الخارج فالتكاليف تتضاعف خصوصا في بلدان أمريكا الشمالية وغرب أوروبا، وتبقى أوروبا الشرقية الأقل كلفة إلا أن مخاطرها أكثر، خصوصا في هذا الزمن بالذات مع اشتعال الحرب بين روسيا وأوكرانيا ودول الجوار هنالك. وقد يضطر الآباء إلى بيع ممتلكاتهم لتوفير رسوم التسجيل والدراسة هنالك، بل وحتى داخل المغرب؛ فمن يريد التخصص في علم دقيق ذو مستقبل مهني واعد (طب، تكنولوجيا، ذكاء صناعي، برمجة، هندسة…) وجب عليه الإنفاق بسخاء على أبنائه/بناته حتى يوصلهم لبر الأمان.
وتبقى استشارة الأخصائيين خطوة أساسية قبل اتخاذ أي قرار وعلى رأسهم (مستشارو التوجيه، عمداء الجامعات، مدراء المعاهد والمدارس العليا…)، كما يجب استقصاء الطلبة الذين سبقوا لهذه التخصصات، فهم أعلم الناس بمحاسنها ومساوئها، والأخذ برأيهم في كل الأمور، خصوصا الذين لا يزالون يدرسون هناك.
يحذر الأخصائيون من الوقوع في العديد من الأخطاء أثناء التوجيه نحو التخصص الجامعي ومنها:
- فرض رغبة الوالدين على الأبناء بتسجيلهم في تخصصهم تصعب مسايرته لمجرد التباهي.
- التسجيل في تخصص لمجرد تقليد الزملاء والأصحاب حتى يكون معهم في نفس الجامعة؛ فقدرات الطلبة تختلف من طالب لآخر.
- اختيار بعض المهن الآيلة للزوال والتي لا مستقبل لها؛ فمهن اليوم لن تدوم وستعوض بمهن لا فكرة لنا عنها الآن.
إن التوجيه اللائق هو الذي يلبي رغبات الطلبة ويساير قدراتهم المعرفية والتحصيلية، فاتخاذ أي قرار اليوم -سواء من لدن الطالب وحده أو الأسرة أو من لدنهما معا وهو الأفضل- لابد وأن يأتي بالثمار الطيبة مستقبلا؛ خصوصا إذا كان هذا الاختيار بعيدا عن كل إغراء أو إكراه أو غصب، وعلى الطالب الجامعي أن يكتشف نفسه وقدراته وآفاقه المهنية التي تليق به لا المهنة التي سترضي أسرته فقط ومجتمعه.
يبقى الطموح وبعض المغامرة مطلوبين مع الاستشارة والاستقصاء؛ إذ على الطالب(ة) أن يطمح إلى الأفضل وأن يحلم بمستقبل واعد، فلولا الطموح لما وصل العلماء والمشاهير لهذه المنزلة ولما تبوؤوا هذا المقام.
أرجو من الله العلي القدير أن يوفق جميع الطلاب لاختيار تخصص جامعي يناسب كل واحد(ة) منهم، وأتمنى لهم التوفيق والسداد.
ختاما أتشرف بمد الطلبة والطالبات برابط الصفحة الخاصة بالمركز الجهوي للتوجيه المدرسي والمهني التابع للأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة طنجة تطوان الحسيمة ((CROSP.AREFTTH، والذي يلعب دورا هاما تنوير الطلبة وإرشادهم نحو تخصصات جامعية أفضل، وذلك بفضل خدمات الاستشارة والتوجيه التي يقدمها أطره موظفوه، من ندوات وخرجات وأيام دراسية توجيهية تعرف بمختلف التخصصات والآفاق الجامعية المثلى. في هذه الصفحة سيتعرف الطلبة على مختلف المعاهد والمدارس والجامعات، وشروط الولوج لها…
كما أقدم بعض الروابط الرسمية لمواقع إلكترونية تقدم خدمة توجيه طلبة ما بعد الباكالوريا:
https://www.facebook.com/crosp.aref.7
https://www.alwadifa-mag.com/2020/08/11-15.html
د. عبد الإلــــه بلحـــــاج









































































PDF 2025


