السلوك إلى الله عز وجل، والتّبتُّل والإخبات إليه جل نوره، أعز ما يدركه الإنسان، ويتحقق به الفرد في حياته، في أجمل رحلات العمر: (وأن إلى ربك المنتهى).
العلم الذي يشتغل على هذا، له أسام عديدة، (التزكية، التصوف، السلوك، السير، الإحسان ..)، وكثرة الأسماء دالة بلا شك على عظمة المسمى، لشرف ما يشتغل به هذا العلم، وعزته ومحبته عند أهل الله قاطبة.
التصوف علم عملي للفرار إلى الله، وتزكية النفس وترقيتها في مقامات السير، ونفع الغير، علم الخدمة والتزكية والاشتغال، لا الكسل والقيل والقال، الذي بات يعيشها تصوف عصرنا ومَصرنا، إذ بدأ بالفرار من الله بدل الفرار إليه، وهو تصوف لا يعرفه أهل الله على مر التاريخ، موضة خاصة بطقوس تناسبها، “وپريستيج” بات مقدسا، فبذلك لم يعد من طريق القوم إلا القشور، والتغني بكلامهم من قيل وقال، الذي هو مذموم في طريق القوم !
الإمام الجنيد قدس الله روحه كان يعبر عن هذا بحكمة لطيفة، إذا أكثر عليه جُلاسه بقال فلان وقال علان، يقول: سئمنا هذا القديد، حدثونا من فتحكم ..
التصوف اليوم جُرد من روحه وحقيقته، وبات مجالا للمزايدات على الألقاب، ومحاصرة الصالحين والمأذونين حقا، والتشويش عليهم ولمزهم، وكل هذا ليس من السير إلى الله، ولا يخدمه او يمت إليه بصلة.
طريق أهل الله يستدعي يقظة وتحصينا له من الفتّانين والمبطلين، والسحرة والمشعوذين، وحرص أهل الله والظن بهم خيرا، بعيدا عن كل هذه المظاهر الفلكلورية الخداعة، فرُب عمل اجتماعي بسيط، أو تربية سالك واحد إلى الله، خير من هذا البذخ الذي لا ينتج شيئا !
الصوفية على مر التاريخ كانوا مواطنين فاعلين، ظلوا جزءا من أمتهم ومجتمعهم، في السقي والتغذية والبناء والصلح وتعليم العلم .. ، ولكن اليوم أصبح صوفيتنا عالة على من يعولهم، استرزاقا وتزلفا، إلا من رحم الله وقليل ما هم، وكثير من متمصوفة اليوم أدعياء بلا سند ولا مدد، غير جلابيب مزركشة يعصى الله بها، وسبح فخمة لا يذكر بها، وبنايات مشيدة مشرقة لا تنتج شيئا إلا الصور والفيديوهات المصنعة !
روحانية الصوفية في أزمة خانقة حاليا، وهي السبب في نبذ طريق القوم، والاستهزاء بأهل الله رضي الله عنهم، ورفع السر المستودع بهم، فلا حل اليوم إلا بإصلاح جذري، يزيل كل مدّع وفتان، ويعيد للتصوف روحه ووظيفته ويضع عنه ما علق به.
حقيق بنا جميعا، وكل غيور على طريق أهل الله، أن نصلح ما فسد، ونسهم في دفع ما طرأ، كل من موقعه وتخصصه، اجتثاثا له من أرض “مافيا التصوف”، لنعيد تخليق حياتنا، وتقويم سلوكنا إلى ربنا، والله غالب على أمره، ويأبى إلا أن يتم نوره.
حمزة الحساني
باحث في الفكر الاسلامي وحوار الاديان









































































PDF 2025


