قراءة في كتاب السيرة الفلسفية لأبي بكر الرازي[1]
محمد بن عليلو
غرضي من هذه القراءة أن أبيّن على وجه مقتضب ويسير كيف تصور الرازي السيرة الفلسفية من حيث كونها سيرة يجب أن يُحكم فيها العقل والعدل نظرا وعملا، وذلك انطلاقا من فهمه لوظيفة الفلسفة والفيلسوف داخل المملكة الإنسانية.
أتى نص الرازي في صيغة نقدية أو إن جاز القول في صيغة سجالية مع أولئك الذين نفو عنه استحقاق وسم الفيلسوف بحكم تداخله في المعاش اليومي الإنساني، وقد حُجّ بسيرة سقراط الذي كان لا يأبه في نظرهم لأمر المعاش. قال: “إن ناسا من أهل النظر والتمييز والتحصيل لما رأونا نداخل الناس ونتصرف في وجوه من المعاش عابونا واستنقصونا وزعموا أنّا حائدون عن سيرة الفلاسفة ولا سيما عن سيرة إمامنا سقراط”[2]، والحق أن سقراط في نظر الرازي نحى فعلا هذا المنحى في سيرته المبكرة، أما في زمان نضجه صار يحارب ويحضر مجالس اللهو ويشرب المسكر … وكل هذه المظاهر من تداخل سقراط في أمور الحياة لا تسقط عنه وسم الفيلسوف[3].
اتخذ الرازي من الطور الثاني من حياة سقراط حجة ضدّ خصومه في حقّية تداخل الفيلسوف في أمر المعاش، غير أن ما يميّز تداخله احتكامه إلى صوت العقل والعمل بالعدل، “إذ من البين أنه ليس الانهماك في الشهوات وإيثارها الأمر الأفضل والأشرف … لكن الأخذ من كل حاجة بمقدار ما لا بد منه أو بمقدار مالا يجلب ألما (يفضل) على اللذة المصابة منها”[4]، ومن هذا المنطلق صور لنا الرازي صورة تجيب لنا السؤال التالي: كيف يجب أن نعيش؟
تعلمنا الفلسفة حسب الرازي أن نعيش باعتدال، حيث أنها تمرن على تجنب الوقوع في المهلكات من الشهوات، وبالتالي يكون طريق العيش الحكيم “يوجب أن يكون (ما حُصّل من النعائم) كله على قصد وسنن وطريق ومذهب عقلي عدلي لا يُتعدى ولا يُجار عنه”[5]. ومن هنا نفهم الصيغة الطّيبة التي يراها الرازي الواجب اتخاذها تجاه النفس والغير، حيث لا يستحب الزهد عن أمور الدنيا بصيغة مبالغ فيه، ولا يُستحسن الانهماك في شهواتها على صيغة البهيمة. قال: “ولما كان ليس للإنسان في حكم العقل والعدل أن يؤلم غيره تبع ذلك أنه ليس له أن يؤلم نفسه أيضا. وصار تحت هذه الجملة أمور كثيرة يدفعها حكم العقل، نحو ما يعمله الهند من التقرب إلى الله بإحراق أجسادها وطرحها على الحدائد المحشوذة…”[6]
إذن كيف بمن يعيش وفق هذه الصيغة ألاّ يستحق وسم الفيلسوف؟ إذ لما كانت الفلسفة في جوهرها علم وعمل تبتغي أن يتسير الإنسان سيرة عادلة، تبين من حيث العمل، أن الرازي حكاية عن نفسه ما اتخذ من المعيش إلا هذه الصيغة، والعيش وفق هذه الصيغة هي مراد الفلاسفة وعليها تدور غاياتهم. قال: “لما كان البارئ عز وجل هو العالم الذي لا يجهل والعادل الذي لا يجور، وكان العلم والعدل والرحمة بإطلاق وكان لنا بارئا ومالكا وكنا له عبيدا مملوكين وكان أحب العبيد إلى مواليهم آخذهم بسيرهم وأجراهم على سننهم كان أقرب عبليد الله جل وعز إليه أعلمهم وأعدلهم وأرحمهم وأرفأهم. وكل هذا الكلام مراد قول الفلاسفة جميعا، إن الفلسفة هي التشبه بالله عز وجل بقدر ما في طاقة الإنسان، وهذه جملة السيرة الفلسفية”[7].
وعليه، فإن المستخلص من هذا النص أنه من الخطأ اختزال صوت الفلسفة في التنظيرات والغوص في المجردات، أو في معارضة القول بالقول كما صورت دلك مقرراتنا الدراسية، إنما هي صوت العقل ينادي بإبعاد كل أنواع العنف عن البشر الذي تعاظم اليوم على وجه هذه البسيطة.
[1] أبو بكر الرازي، السيرة الفلسفية، تصحيح وترجمة عباس إقبال، (1343هـ).
[2] مصدر نفسه، 92.
[3] نفسه.
[4] نفسه، 93.
[5] نفسه، 96.
[6] نفسه، 97.
[7] نفسه، 100.









































































PDF 2025


