تعتبر منطقة شمال المغرب واحدة من بين أقدم المراكز السكانية التي استوطنها الإنسان القديم خلال عهود ما قبل التاريخ، بدليل توالي ظهور اكتشافات ولقى وأعمال أركيولوجية ساهمت في الكشف عن الكثير من الجوانب الغامضة والمضطربة حول حقيقة هذا الاستيطان وحول أبعاده الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمجالية المتداخلة. وإذا كانت المرحلة الفنيقية ثم الرومانية والمورية قد نالت جزءا كبيرا من اهتمام المؤرخين المتخصصين، وخاصة خلال مرحلة الاستعمار ثم خلال المرحلة الراهنة، فالمؤكد أن المراحل السابقة، ظلت متكنفة بطبقات سحيقة من الظلام، وذلك على الرغم من تواتر عمل البعثات العلمية المتخصصة فوق الميدان. لقد ساهمت أعمال المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث المؤطرة لبعثات مختلطة في تركيبتها، مغربية وأجنبية، في تحقيق تراكم ميداني ملحوظ، كان له الفضل في وضع العتبات الأولى لرسم معالم خريطة أثرية تحدد أبعاد التوطين المجالي للتجمعات السكانية الأولى بمنطقة شمال المغرب.
نجحت هذه البعثات في وضع ضوابط علمية صارمة، ساهمت في كشف ضبابية الكثير من الأحكام المتوارثة، كما ساهمت في إعادة تقييم حقيقة الأدوار الحضارية التي اضطلعت بها منطقة الشمال داخل محيطها الإقليمي والوطني والمتوسطي الواسع والمتشعب. وكانت النتيجة، نجاح هذه البعثات في تحديد العديد من المواقع الأثرية بالمنطقة، وفي حصر امتدادها الجغرافي، وفي تصنيف مختلف أنواع اللقى الأركيولوجية المشكلة لشواهد العصور القديمة السحيقة ببلادنا. لقد أصبح بالإمكان –بفضل هذا الجهد المسترسل والممتد في الزمن- إنجاز خريطة أثرية لمواقع منطقة الشمال، تساهم في استكمال رسم محاور الاستيطان الفينيقي والروماني والموري المرتبط بالمراكز المعروفة، مثل تمودا وطنجي وزليل وليكسوس ونوفوم أبيدوم…
وتعميما لتداول نتائج هذه الأعمال، بادر المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، بإصدار كتاب تجميعي ضخم لنتائج هذا الجهد العلمي الرفيع، تحت عنوان: “الخريطة الأثرية لشمال المغرب: مسح أثري ومواقع (2008-2012)- الحصيلة الأولى”، وذلك سنة 2015، في ما مجموعه 558 من الصفحات ذات الحجم العريض. ويمكن القول إن هذا العمل الصادر باللغة الإسبانية، يقدم حصيلة غير مسبوقة ولا متداولة، تتجاوز الكثير من عتمات الأعمال والتنقيبات السابقة، سواء منها الكولونيالية أم الوطنية المجددة. وقد أشرف على العمل فريق من الباحثين والمتخصصين المغاربة والإسبان، يتعلق الأمر بكل من بركة الريسوني، وداريو برنال، وعبد العزيز الخياري، وخوسي راموس، والمهدي الزواق. واستطاع هذا الفريق تقديم عمل احترافي فريد من نوعه، غني بمواده المعززة للمتن مثل الخرائط والمجسمات والصور الفوتوغرافية والمبيانات والجداول التركيبية، إضافة إلى بيبليوغرافيا شاملة، ساهمت في توسيع دوائر البحث الميداني وفي توجيهه وفي رسم آفاقه. في هذا الإطار، نجح الكتاب في تقديم قراءات فاحصة في مجمل أرصدة الدراسات التاريخية الأثرية، اعتمادا على تتبع دقيق لتاريخ البحث الأثري بشمال المغرب إلى حدود سنة 2008. وفي هذا الباب، أكد الكتاب على أنه، وقبل البدء في إنجاز الخريطة الأثرية لشمال المغرب، لم يكن معروفا إلا 50 موقعا أثريا لمختلف الحقب التاريخية القديمة. ومع المسح الأثري الذي قام به الفريق المشرف على العمل بين سنتي 2008 و2012، تم استكشاف 204 من المواقع الأثرية و62 من الاكتشافات المعزولة هنا وهناك. ولترشيد هذا العمل، نحا الكتاب نحو تقديم جرد تفصيلي لنتائج العمل الميداني الممهد لمشروع الخريطة الأثرية لشمال المغرب، وذلك عن طريق إجراء تقييم أولي لقوائم الجرد الأركيولوجي للمجال الأثري المغاربي، مع التركيز على تحديد الصعوبات والتحديات التي واجهت فريق العمل.
ولإضفاء بعد تصنيفي على نتائج هذا الجهد العلمي الأصيل، حرص الكتاب على تقديم بطاقات لمجمل المواقع الأثرية والاكتشافات المعزولة، تحمل كل واحدة منها تعليقا غرافيكيا يحتوي على صور الموقع، إلى جانب لوحات لمنتخبات بعض المواد الأثرية، مرتبة حسب الفترات التاريخية بشكل يسمح بوضع تصنيف تاريخي وثقافي دقيق. وبذلك نجح العمل في تقديم تتبع راصد لواقع استقرار المجتمعات الإنسانية بشمال المغرب خلال فترات ما قبل التاريخ. في هذا الإطار، تم التوثيق لمسارات مجتمعات بشرية كانت تعيش من القنص وقطف الثمار والصناعات الحجرية، في سياق ما عرف بأنماط حياة مجتمعات ما قبل التاريخ. وبذلك، أصبح بالإمكان تقديم حصيلة مدققة لأهم المستحثات الأثرية التي تعود إلى الفترة ما قبل الرومانية والفترتين الرومانية والإسلامية، بشكل ساهم في إغناء الرصيد المعرفي المرتبط بظروف الاستيطان البشري بشمال غرب إفريقيا ما بين الفترة البونية- المورية والفترة الحديثة والمعاصرة. وقد تم تصنيف ما مجموعه 21 موقعا أثريا يقدم مؤشرات على وجود استيطان خلال مرحلة ما قبل الفترة الرومانية، و29 موقعا تعود للفترة الرومانية، و88 موقعا غني بلقى خزفية تعود للعصر الوسيط، و68 موقعا يحمل مضامين تحيل على الفترة الحديثة والمعاصرة، إلى جانب 20 اكتشافا معزولا داخل سياقات تاريخية غير محددة.
وبهذا الحصيلة الغنية، أصبح بالإمكان رسم المعالم الكبرى لأنماط الاستيطان بشمال المغرب، على ضوء ما أصبحت تقدمه الخريطة الأثرية لمنطقة الشمال من معطيات مدققة، تستغل نتائج آخر المكتسبات العلمية ذات الصلة بحقل علم الأركيولوجيا وبتقاطعاته المتشعبة. ومعلوم أن وضع هذه الخريطة الأثرية غير المسبوقة، فتح الباب واسعا أمام إمكانيات هائلة لوضع تصور مستقبلي لمسارات البحث الأثري بشمال المغرب، بشكل يستجيب لانتظارات الباحثين والمؤرخين في توسيع دوائر البحث والتنقيب الأركيولوجيين، ولعل هذا ما انتبهت إليه الخلاصات الكبرى للكتاب، عندما ركزت على الآفاق الواعدة للعمل فوق أرض شمال المغرب التي لازالت تحمل الكثير من الأسرار ومن الخبايا التي لا شك وأن تنظيم البحث حولها سيقدم أجوبة مدخلية لفك منغلقات تاريخ شمال المغرب خلال العهود القديمة. لقد انتبه المؤرخون إلى أن كل مدينة وقرية بشمال المغرب تشرف على محيط غني ومتشعب في مسارات تاريخه القديم، بشكل لا يمكن أن نتحدث عن المدينة إلا بالإحالة المستمرة لعطاء هذا المحيط. فهل يمكن الحديث عن المعالم الأثرية القديمة لمدينة مثل أصيلا، بدون الإحالة إلى أحوازها المتناثرة المنتمية للعهود القديمة، حيث وقف الباحثون على الكثير من اللقى الدالة بمواقع مختلفة، مثل موقع “الدشر الجديد- زليل”، وموقع “الأقواس- برييش”، وموقع “تاهدارت”، وموقع “عين مصباح”، وموقع “مزورة”،…؟ ولا شك أن صدور الخريطة الأثرية لمنطقة الشمال بهذه الحلة العلمية الرفيعة، سيساهم في وضع الأرضية الملائمة لتأطير جهود فرق العمل المتخصص، بحثا عن الوقائع والشواهد المادية المنتجة للسياقات وللرموز ولمعالم الظهور والتواري خلال المراحل القديمة.









































































PDF 2025

