*إلياس الخطابي.
تمهيد عام:
تمر القصيدة المغربية، عبر كل عقد زمني، بمنعطفات متباينة؛ بين تراجع في الجودة لدى بعض الأصوات، وبين تصاعد لافت في منسوب الإبداع لدى أخرى. ويظل التكوين الثقافي، من العوامل الأساسية في ظهور ذوات شعرية متفردة تكتب انطلاقا من مأزق الحاضر واستشراف المستقبل. ولعل “بيت الشعر” كان ولا يزال الحاضن الدافئ لهذه التجارب الشبابية المبدعة التي تصنع المعنى وتعيد تشكيله بأقل الكلمات وأعمقها.
– نبذة عن “توناروز”: صوت شعري جديد بتجربة ناضجة:
ديوان “توناروز” هو العمل الشعري الأول للشاعر المغربي إلياس الطريبق، الصادر عن “بيت الشعر” سنة 2025. من خلال هذا الديوان يتضح أن المؤلف لم ينسق وراء (موضة التجريب العشوائي)، التي انجرف إليها بعض من لا يمتلكون أدوات الكتابة الشعرية ولا يستوعبون وظائفها العميقة.
إن الطريبق ما يميزه شعريا هو أنه يمتلك وعيا جماليا ومعرفيا كبيرا بالشعر وباتجاهاته المختلفة، القديمة منها والحديثة، وهذا ما يجعل تجربته تنبني على ركيزة صلبة من الدراية والاطلاع، وليس على الجهل أو التسطيح، كما نرى عند بعض الذوات التي تزعم أنها تكتب الشعر.
-البعد التأملي:
الشعر عند الطريبق وليد تأمل طويل وعميق للحياة وما يدور فيها. إنه شعر ينطلق من القلق الوجودي وتأمل مصير الإنسان الحديث، الذي صار يعيش وهو فارغ من كل شيء، ويفتقد لأهم شيء، وهو المعنى. يكتب ما يتجاوز اليومي والمباشر، ويكتب ما بعد
الحاضر. في ديوان “توناروز” نجد الشاعر ينحت رؤى شعرية تذهب إلى ما وراء الواقع، وإلى مناطق لا يصلها إلا ذهن قلق ومشغول بأسئلة كبرى عن الحياة والمصير.
ويكمن هذا البعد التأملي في قصائد مثل “تعب هي الحياة” و”أفرغوك من المعنى”، حيث نقرأ شعرا منفتح على القلق الإنساني العميق، ويستدعي لحظات مكثفة من التأمل في هشاشة الوجود.
-البعد المعرفي:
لا يمكن لأي كتابة شعرية أن تدهش إذا لم تكن مؤسَّسة على معرفة عميقة. فالمعرفة بالنسبة للشاعر ليست مجرد تراكم ثقافي، بل هي أفق منفتح يتشكل وفق خصوصية كل كاتب.
في “توناروز”، يحضر البعد المعرفي بقوة، لا سيما من خلال توظيف الشذرة الشعرية، التي تقتضي كثافة معرفية وقدرة على الإيحاء بأقل العبارات. في قصائد مثل “الغريب” و” نحو فجر بلا ملامح”، يُظهر الطريبق اطلاعا واسعا على المعرفة الكونية، ويعيد
تشكيلها وفق رؤيته الخاصة، حيث لا يكتفي باستدعاء المعارف، بل يؤسس لمعرفة شخصية تنتمي إلى رؤيته للعالم.
خاتمة:
يبقى ديوان “توناروز” مفتوحا على قراءات متعددة وتأويلات لا نهائية، فالشعر في نهاية المطاف، لا يُقرأ قراءة نهائية واحدة. غير أن ما يمكن تأكيده هو أن تجربة إلياس الطريبق الشعرية جاءت ناضجة، وولدت مكتملة الصوت والهوية. إنها تجربة تستحق الاحتفاء، لأنها تعيد للقصيدة المغربية بعضا من ألقها، وترتقي بالشعر ليعود إلى وظيفته الكونية كديوان للإنسانية، وليس للعرب أو الأمازيغ وحدهم.









































































PDF 2025


