“دعني أخبرك بشيء”
“لا لتكميم الأفواه..”
يحذرنا -يا أصدقائي- الجاحظ من فتنة القول كي لا نقع في شركه، وثقوا تماما أنه أفضل من كتب عن الزنادقة وتعامل معهم في زمانه، والمفارقة أنه إذا كان يرغب بتعرية أحدهم، قام بهجاء المراد تعريته عن طريق الطرفة، ولكننا يا أصدقاء لسنا في زمانه حيث استلال السيوف والشعر المفتوح والرجم بالحجارة، بل نحن في زمن تكميم الأفواه حيث تغلق الحرية العذراء بابها خوفا من البشرية ومما وصلت إليه.
الحرية هي ما يخالف العبودية. ولم يعد مفهوم العبودية قاصرا على ما تحررت منه البشرية من عقود طويلة، وما نعنيه هنا ممارسة تجارة الرقيق، وإن كانت لا تزال متواجدة بصور وأشكال أخرى. ومنها العبودية لفكرة، أو عادة وتقليد، أو شعارات ومفاهيم، أو رمز ديني، أو سياسي. بيد أن الإنسان عليه أن يسعى للتحرر من جميع أشكال العبودية. فطبيعة الحياة متغيرة ولا شيء ثابت، بما فيه حال وطبيعة الكون كله. وعلى مر الأزمان وعبر تاريخ البشرية المزدحم والطويل، نجد أن الإنسان جُبل على التغيير والتجديد والتطوير، بل وعمل جاهدا وساعيا إلى ذلك.
وحدهم الخائفون، الذين يؤدي بهم الخوف إلى التعصب، من يرفضون التفكير والجلوس على موائد النقاش، الذين يجدون في الثبات والجمود صمام أمان لما اعتادوا عليه من أفكار. أفكارهم وقناعاتهم التي قد تكون ليست باختيارهم في كثير من الأحيان، بل تربوا ونشؤوا واعتادوا عليها وتعصبوا لها، مما عمل على برمجتهم تلقائيا على رفض كل فكرة جديدة أو سؤال أو تساؤل، وكل ما هو غير نمطي بالنسبة لما اعتادوا عليه.
تكميم الأفواه لا يتم دائما عبر العنف أو التهديد أو السجن، أحيانا يتم التكميم أو محاولة التكميم عبر اتهامات وأوصاف تحمل صيغة بغيضة ألا وهي الشخصنة، وهو ما يمكن اعتباره عنفا أخلاقيا، فإن كنا، ونحن الهواة، نمارس رقابة أخلاقية ذاتية على ما نكتب وننشر، فكيف لمحترف -حسب قوله- إطلاق أوصاف قدحية أو بذيئة معادية تمس من شرفنا، بحجة الدفاع عن نفسه الخَطَّاءة، بينما الحقيقة المتجاهَلَة تعكس ظاهرة اجتماعية خطيرة تنخر ذات المجتمع في صمت تام.
لماذا يُهاجِمُ كاتب مغمور في إحدى الجرائد الأسبوعية المرموقة شخصية في غاية اللطف والأدب والخلق والنزاهة؟؟؟ يا لسخرية القدر.. إن استخدام الاستجابات العاطفية المبالغ فيها تجاه الأشياء التي تزعجك حقيقتها قد يخفي أمورًا عدة، قد لا تكون ظاهرة بشكل واضح. فهل تساءلت يوماً ما الذي يختبئ وراء المبالغة في ردود الأفعال؟ ولمَ قد يتّهم البعض نفسه دون أن يكون مقصودا بالموضوع إن لم يكن له يد فيه؟ الأمر برمّته مثيرٌ للشكوك…
“حق الصمت العربي.. من التعقيم إلى التكميم”
من الطبيعة البشرية التعرض للاستجابة لما يُعرف بحالة الكرّ والفر، حيث يساعدنا هذا في التعامل بشكل صحيح مع التهديدات المحيطة، لكن من غير الصائب أن تكون في حالة تأهب قصوى بشأن أشياء لا تستحق ردة الفعل المبالغ فيها. فهناك شيء واحد قد تخفيه ردود الأفعال التي تقوم بها وهو الضعف في الشخصية أو الشعور بالتهديد، نظرا لصحة وقَطْعية الأمور المتكلم عنها، إذ يصل مداها لدرجة الإصابة بأحد اضطرابات الشخصية.
في أي شأن كان، ليس من المطلوب قبول الأفكار الجديدة أو الآراء المخالفة أو أية فكرة تعمل على دحض الأفكار الخاصة بنا أو القناعات والمسلمات، ولكن من المهم تقبل كل ما هو جديد على مائدة النقاش والاستماع له والتفكير والتفكر به. من المطلوب أن نتحرر من جمودنا تجاه أفكار قابلة للتساؤل والتحليل والنقد والتمحيص.
محاولة تكميم الأفواه وفرض الآراء والاستمرار على الانغلاق والجمود دكتاتورية وعبودية تقتلان الحياة، في ظل كل هذه التحولات والتغيرات من حولنا سينجرف كل الذين يرفضون التغيير نحوه طوعا يوما ما، هي مسألة وقت فقط. قصص التاريخ وأيامنا الحاضرة أيضا تخبرنا بذلك.
والإجابة في هذه الحال بسيطة جدا؛ وهي أن تذهب يا عزيزي الإنسان إلى ما قلته أعلاه وبالتحديد إلى الأغنية الرومانسية عن المبادئ والأخلاق، فأينما وجدت الأفكار السُّمِّية اذهب نحوها وقاتل من أجل إسقاطها والتغلب عليها، مع التنويه بأن هذه المبادئ قد تأتيك بسوء الحظ في الحياة الدنيا إن كنت شديد الاهتمام بها كما نفعل جميعا لأننا أحياء، ولكن كما يقول “ماريو بيندتي” “لا أحد يموت بسبب النزاهة”، وهو غالبا يقصد الروح لا الجسد، وأنا أتفق معه بذلك.
دة. زينب البلغيتي









































































PDF 2025

