بضعة أيام في طيبة
رحيلا رحيلا يا عصاة لطيبــــــــــــــــة فإن بها الأوزار ترمي عن الظهـــــــــــــــر
رضينا ذهاب الروح فيه ومن لنـــــــا بزورة نحظى ويجري الذي يجــــــــــــري
رواحلنا حثوا لقبر محمــــــــــــــــــــــد وبنى علينا العطر من ذلك القبــــــــــــــــــر
الآن وقد انتقل بنا اليراع إلى التحدث عن المدينه المنورة وذكر أخبارها لإتمام فائدة هذه الرحلة المباركة وتنميق جيدها، فقد أصبحنا، بالطبع، في حديث حضرة الرسول الطاهر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ودخلنا في بحر هو البحور بأجمعها والعوالم بأسرها، لذلك علينا قبل أن نخوض في الموضوع أن نسجل على نفسنا هنا شكرنا للمولى جل جلاله أن أتاح لنا الوصول إلى هذه البقعة الطاهرة وطيب لنا الحياة بولوج أبواب طيبة، إذ لولا أنها موهبة ربانية ونفحة هاشمية لما تهيأت لها الأسباب في عالم الغيب ولا تحركت لأجلها الهمم الراكدة، وإن كان لنا أن نتذكر يوما معلوما من أيام الحياة الذي غامرنا فيه من الفرح ما لم نعهد له مثيلا أو تأثرا لم تتحرك قط أوتار الفؤاد لمثله بعدما وجدناه من التأثر لزيارة بيت الله الحرام ـ لكان هو ذلك اليوم الذي أصبحنا فيه ضيوفا عند أشرف الخلق على الإطلاق، و نبي كريم ترجى شفاعته يوم التلاق.
ولا شك أن كل من زار مدينة الرسول يشعر معنا بهذه اللذة أكثر ممن لازال لم يصل إليها، ويردد معنا هذه العبارات التي هي تحدث بنعمة الله، ويدعو الله معنا أن لا يحرمنا وجميع المسلمين من العودة إلى بيته وبيت نبيه الأمين القائل : «من زارني بالمدينة محتسبا كنت له شهيدا وشفيعا يوم القيامة».
ولله در الإمام البرعي حيث قال :
أنسمة طيب أم صبا طيبة هبــــــــا
سحيرا دعا قلبي فاسرع ما لبـــــى
وطلعة نور التم أم نور أحمـــــــــــد
تشعشع حتى شق ساطعه التربـــا
فذاتك زاداني سرورا وفرجـــــــــــــا
همومي وحلا عن عرا كبدي كربــا
وهيهات ما كل النسيم حجازيــــــــا
ولا كل نور يبهج الشرق والغربــــا
لسكان تلك الأرض عهد موكـــــــد
لدي وخير العهد ما انصب الحبــــا
وما زلت استسري النسيم لأرضهــم
على بعد دارين واستمطر السحبـا
تذكرني الأشواق من لست ناسيــــا
فتجري دموعي في محاجرها صبــا
فيالي من الذكرى وبالي من الهوى
ويادمع ما أجرى وياقلب ما أصبــى
خليلي من حبي كأن لم يرعكمـــــــا
رحيل فريق فارقوا الهائم الصبــــا
فأصبح لا عهد قريب بهـــــــم و ولا
طليعة علم عنهم تشرح القلبــــــــا
دعته حمامات الحمى للبكا فلـــــم
تدع إذ تداعت في الأراك له لبا
وأثمله مر النسيم فمــــــــــــــا درا
أنسمة طيب أم صباطيبة هبـــــــــا
تراءت لنا ابنية المدينة المنورة ونحن نردد هذه النغمات، وبرزت أمام أعيننا قبتها الخضراء ونحن نسكب العبرات، وسطع نور النبوءة من أفقها فاشرأبت الأعناق، ونحن في أسراب من السيارات بين مغاربة وأعجام وأتراك.
فياله من موقف مهيب، وياله من فرح حل في صدر رحيب. إذ كيف لا وقد هب علينا نسيم دار الهجرة النبوية، وفاح عبير أشرف بقعة بها خير البرية، ونزلنا موطن الوحي والتنزيل ، ومنبع الشريعة الإسلامية.
إثر ذلك ألقينا عصى التسيار في باب العنبرية التي عندها ينتهي سير السيارات وعلى مقربة منها ينتهى أيضا خط السكة الحديدية الحجازية التي لا زالت محطتها القديمة ماثلة للعيان وفيها بعض القطيرات العابثة بها يد البلاء، وبعد أن قدمت أوراق المسافرين لمراقبي الضبط والنظام تعرض نواب المزورين إلى الحجاج القادمين عندهم، فذهب الكل في عربات إلى المدينة التي تبعد عن ذلك المحل بنحو كيلوميتر تقريبا، لأن السيارات لا تتخلل شوارع المدينة لضيقها بالنسبة لشوارع مكة، كما أن هذه العربات نفسها لا تقف إلا عند أبواب المدينة الداخلية.
وبعد النزول في المحلات والدور التي يختارها الحجاج لأنفسهم، والاستحمام للنظافة المطلوبة في حمام المدينة الذي هو من أحسن الحمامات الشرقية، توجهنا مع المزورين إلى المسجد النبوي الكريم، فدخلناه من باب السلام، وكان أول ما قمنا به تحية المسجد امتثالا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم القائل: «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس»، كما في صحيح البخاري عن أبي قتادة السلمي رضي الله عنهما، ثم تقدمنا إلى القبر الشريف حيث كل المنى وغاية المبتغى، وما أجدره بقول العلامة الشبراوي عند ما وقع بصرنا عليه:
مقلتي قد نلت كـــــــل الأرب هذه أنوار طه العربــــــــــــي
هذه انوار طه المصطفـــــــى خاتم الرسل شريف النســــب
هذه انواره قد ظهـــــــــــرت وبدت من خلف تلك الحجـــب
هذه انواره فانتهــــــــــــــزي فرصة العمر به وانتهبــــــي
هذه انواره فابتهجـــــــــــــي طربا فالوقت وقت الطـــــرب
هذه طيبة ياعين ومــــــــــــا بعد ما طابت به من طيــــب
طالما كنت تحنين إلـــــــــــى دورية القبر الذي فيه النبــي
هذه أنوار ذاك القبر قـــــــــد أشرقت يا مقلتي فاقتربــــــي
انظري للكوكب الدري فكــــم أنفس تصبو لهذا الكوكــــب
واشهدي القبر الذي تربتـــــه برسول الله أعلى الرتـــــــــب
ذلك قبر من أتاه زائـــــــــــرا مرة في عمره لم يخــــــــــب
(يتبع)
محمد وطاش









































































PDF 2025


