أشرقت الأنوار، بمقدم شهر رمضان “الذي أنزل فيه القرآن، هدى للناس، وبينات من الهدى والفرقان”. ولهذا الشهر في ذاكرتي ذكريات وذكريات، أردت أن أنبشها بهذه المناسبة.
من هذه الذكريات، حرصي على مراقبة الهلال، مع أبناء عمي، ومع النساء اللواتي كن يصعدن إلى سطح منزلنا بحي المطامر، للاحتفاء بقدوم هذا الشهر المبارك، والاحتفال برؤية الهلال لحظة مولده.
فإذا ظهر، انطلقت الزغاريد من أسطح المنازل، وسُمعت طلقات المدافع، معلنة ثبوت الرؤية.
ومنها استمتاعي بهذه النفحات الطيبة التي كانت تنبعث من أعطاف هذا الشهر الكريم، عشية حلوله، وهي تتمازج مع الروائح الزكية، التي تحفل بها “الشباكية” و”بقلاوة” و”السفوف”، فتستريح لها النفوس.
ومنها خوفي ووجلي من الدقاق – أو المسحراتي-، فقد كنت وأقراني نتصور هذا المخلوق الذي يطرق الأبواب بعنف، لإيقاظ أهلها في وقت السحور، عملاقا لا ينتمي إلى عالم الناس، وكنا نتطلع إلى رؤيته، فلا يتيسر لنا ذلك.
وللمسجد في رمضان أدوار ترسخت في ذاكرتي، ففي رحابه كنت أقرأ الحزب، وفي رحابه كنت أتابع دروس الوعظ الإرشاد، وفي رحابه كنت أصلي الصلوات المفروضة وصلاة التراويح، وأختتمها بالحمدلة المشهودة: “الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، لقد جاءت رسل ربنا بالحق، اللهم لك الحمد، ربنا تقبل منا الصلاة والصيام واحشرنا في زمرة خير الأنام”.
ومن مئذنته، كانت تنطلق أنغام النفار والغياط معلنة عن اختتام صلاة العشاء والتراويح.
كانت الحياة تجري رخاء، وكانت الحمية الدينية تستيقظ في نفوسنا طيلة هذا الشهر قوية دافقة، وكانت شعائر رمضان تمارَس بصدر رحب، ونية صادقة، وإيمان راسخ.
أما اليوم، فقد أتى التلفاز والهاتف المحمول على كل شيء، فأفسدا علينا صلاتنا وصيامنا وقيامنا، وملآ أسماعنا وأبصارنا وأفئدتنا.
إنني أتأسف غاية الأسف لحالنا، فبعضنا ترك بيوت الله، وبعضنا يتردد عليها بين الحين والحين، وبعضنا يدخلها على عجل، ويغادرها على عجل، حتى لا يفوته هذا المسلسل أو ذاك، أو هذا البرنامج أو ذاك.
وقنواتنا –سامحها الله- تتبارى فيما بينها في هذا الشهر المبارك، لجلب أكبر عدد من المشاهدين والمشاهدات، وصرفهم عن ذكر الله وعن الصلاة.
المقاييس تبدلت، والموازين تغيرت، فرمضان زمان، كان يقاس بمجوديه ومشفعيه، ووعاظه ومرشديه، وبمقدار ما اغتنم الصائمون من بركات الصيام، والتهجد والقيام.
أما رمضاننا فأصبح يقاس بالمسلسلات، والأفلام والمنوعات، ومقدار ما شاهده الصائمون منها، وما جنوه من متعة وتسلية أثناء المتابعة والمشاهدة.
ولله الأمر من قبل ومن بعد.
مصطفى حجاج









































































PDF 2025

