أسئلة عديدة تتبادر إلى أذهان كل متتبع وكل مطلع على الرصيد المعرفي الهام والتراكم الثقافي الكبير، الذي خلفه الأستاذ عبد اللطيف الخطيب. هذه الأسئلة تتمحور جلها حول طبيعة الكتابة الفلسفية عند المرحوم، وحول تبني لبعض الطروحات الفكرية بمختلف أصنافها، وحول تأريخ لبعض اتجاهات ومدارس بعينها، لماذا اختار المرحوم التحدث عن اتجاه فلسفي، هو في أصله عويص الفهم ومغلق المنافذ ومعقد الاستيعاب وليس من اليسير بسطه على صفحة العقل بسهولة ويسر حتى يتسنى له تقبله أو إقصاؤه ورفضه، يتعلق الأمر بالاتجاه الفلسفي الكانطي في جميع مستوياته ومراحله، انطلاقا مما وضعه منشؤه ومؤسسه إيمانويل كانط ، علاوة على الامتدادات القوية لمذهبه الفلسفي الذي وسم الأزمنة اللاحقة والتأثيرات الكبيرة الذي أحدثها وطبعها في مرجعيات جيل المثقفين الذين أتوا بعده.
هذه الأفكار والرؤى التي أودعها كانط في العديد من مصنفاته كانت العمود الفقري في ازدهار الفكري الفلسفي ازدهارا مطلقا ، إن لم نقل أن له الفضل الأكبر في نقله الفلسفة نقلة نوعية بل وحتى جوهرية من طور إلى طور ومن مرحلة إلى مرحلة ومن مدرسة إلى مدرسة، نشير فقط إلى جملة من هذه المصنفات التي قلبت الفكر الفلسفي الحديث رأسا على عقب كنقد العقل الخالص، “ونقد العقل العملي” و”نقد ملكة الحكم”، و”الدين في حدود مجرد العقل”، و”أسس غيبيات الأخلاق”.
في خضم هذه التأثيرات نعود إلى ما بدأنا به هذا الموضوع، وهو التساؤل عن حضور الفكر الكانطي في المرجعية الثقافية للأستاذ المرحوم عبد اللطيف الخطيب.
بداية نقول بأننا اعتمدنا في تحليلنا لهذا الموضوع على المقال الغميس والعميق الذي نشره المرحوم في العدد الأول من مجلة أقلام لسنة 1963 المعنون ب ” حول ترجمة كانط ومذهبه في الفلسفة “. والملفت للنظر ان الأستاذ سطره وهو لازال في أواسط عقده الثالث، وهي مرحلة تمثل عنفوان الشباب المؤدي إلى امتلاك طاقة كبيرة على التفكير ومقارعة المستحيل مما يحذو بنا أن نتبنى النتيجة التي هي عبارة عن جواب مؤجل للأسئلة أعلاه، فالرجل كانت لديه رغبة قوية في التغيير، تغيير الرؤى، تغيير الاتجاهات، تغيير التقاليد والمرجعيات العتيقة البالية التي لا تساعد على النهوض بالمجتمع وبناء الدولة الوطنية الحديثة بناء عقلانيا يعتمد الشرائع والقوانين كنصوص نهائية تتحكم في مفاصل البناء الديموقراطي وتساعدنا على استشراف مستقبلا زاهرا ومشرقا، يستند في أسسه إلى تبني المرجعيات الفكرية التي تبنتها الدول التي يجب أن نحدو حدوها في البناء المذكور.
يقول الأستاذ الخطيب وهو يرصد خطوات كانط ” … ويمكن أن نقول أن مذهب كانط هو أغنى المذاهب الفلسفية فيما يرجع إلى الأفكار. وكان من النتائج المباشرة لهذه الظاهرة أنه لا توجد في الفلسفة الحديثة فكرة فلسفية هامة لم تتأثر بطريقة مباشرة بمذهب الفيلسوف الألماني من آرائه في شيئ من الأشياء.”
من هذا المنطلق فنحن نؤكد ما ذهبنا إليه أعلاه من أن الرجل استطاع بمجهوده الفردي الجبار أن يغني الساحة السياسية والفكرية والثقافية عامة، بما كان حاضرا خارج حلبة المثقفين المغاربة، وهنا نقول بأن عملية التأثير والتأثر الذي أحدثها الفكر الكانطي في مسيرة الرجل، أدت به إلى فتح نافذة على الساحة الفكرية الغربية إن لم نقل بأنه شرعها على مصراعيها، تبني الفكر الكانطي يعني تبني الثورة على الأساطير وعلى الخرافات وعلى الطروحات الرجعية التي ساهمت بشكل فعال في تقهقر تحديث أسس الدولة، والقضاء على عنصر التنوير المتمثل في الفكر الحداثي، فكر الأنوار كما عرفته النهضة الأوربية منذ القرن الخامس عشر، فليس اعتباطا ولا صدفة أن يعمد الأستاذ الخطيب إلى ترجمة ونقل روائع الفكر الغربي بكل أطيافه، حتى يمكن الإنسان العربي المتخلف على كافة الصعد من النهوض من كبوته التي طال عليها الزمن،
لقد أعجب مفكرنا أيما إعجاب بعقلانية الفلسفة الكانطية وهي تصارع الاتجاه الميتافيزيقي اللاعقلاني يقول الخطيب في هذا الصدد …” وليس العقل هو الذي يدور حول التجربة ويعكس قوانينها، بل إن التجربة هي التي تدور حول العقل وقوانينها تعكس ظواهر طبيعتنا، ويستند ” كانط ” على هذه الأسس والاعتبارات في نقده، فيبدأ بتحليل منتوج الثقافة. ويمكن القول بأن هذا التحليل هو القاعدة الأساسية التي يستند عليها كتابه الفذ ” نقد العقل المجرد”.
عقلانية عبد اللطيف الخطيب وصرامته الفكرية والمنهجية، مكنتاه من اختيار مواضيع بعينها سواء إبان معالجتها عن طريق اللغة الأم أي العربية، أو بتعريبها وترجمتها وإلحاقها بمنظومة ونسق الثقافة العربية، نستدل على ذلك بترجمته لبحث الشهيد عزيز بلال الموسوم ب ” تكوين الوفر في الأقطار المتخلفة “، وهذه الترجمة هي ترجمة واعية ومسؤولة وتنم عن باع طويل وفكر عريض في نقل مثل هذه المواضيع إلى الثقافة العربية بل وتبيئة العديد من المفاهيم والمصطلحات داخل نسيجها المعرفي.
كما يعتبر الأستاذ الخطيب من الرواد الأوائل الذين انتبهوا إلى الاتجاه الفلسفي النقدي الذي وضعه الفيلسوف الإسباني الذائع الصيت ” أورتيغا إي غاسيت ” فقد ترجم له قسما كبيرا من كتابه ” تمرد الجماهير ” على صفحات جريدة العلم في خمسينيات القرن الماضي.
مجال دراسة فلسفة الأخلاق لدى المدرسة الكانطية، هو من أصعب المجالات المستندة على ” نقد العلم العقلي “، كما يقول الخطيب، وهو ما سنرجئ الحديث عنه لاحقا.
د. إسماعيل شارية









































































PDF 2025


