نقف بكم اليوم مجددا أعزاءنا القراء – عبر جريدة الشمال المشكورة – على تتمة ما نحن بصدده من تسطير بعض جهود حركة المقاومة بجبل الحبيب ضد الاحتلال البرتغالي بثغور شمال المغرب في القرن السادس عشر الميلادي، من خلال وقفات مع أحد أشهر فرسان جبل الحبيب ومقدميه، علي بن يعيش الذائع الصيت، نتعرف فيها على بعض نضالاته التحريرية ومقاوماته العسكرية ومكائده الحربية سنوات (أكتوبر 1525 – 1534)، وﺫلك بناء على المعطيات التاريخية الواردة – حسب التسلسل الزمني للأحداث – ﺑ ”حوليات أصيلا” لصاحبها ”برناردو رودرﻳكس“.
- من غارات جبل الحبيب سنة 1532م :
بينما كان قواد الشمال المغربي ينسحبون من أصيلا في الهجوم الأخير عليها المذكور في المقال السابق كانت أصيلا تتألم لجرح قبطانها جرحا بليغا، وهو ما ظنه أولائكم القواد، ورغم أن أصيلا كانت حريصة على عدم تسريب خبر الجرح إليهم، إلا أن زنجيا سيفر من أصيلا رفقة زنجية إلى المسلمين ويؤكد لهم توقعهم، الأمر الذي دفع بالبرتغاليين إلى الخروج للبحث عنهما، ولما كان هؤلاء في جهة بالقرب من واد لحلو بشمال أصيلا يزيلون مشاة بسيوفهم نبات الدوم الكبير علهم يجدونهما شاهدوا مشاة من محاربي جبل الحبيب « كانوا في «بروزا» وهاجمونا، غير أنهم لم يلحقوا بنا إلا بعد أن امتطينا خيلنا، وبما أن كلبين من كلابنا أحسا بهم فقد طارداهم إلى أن أسرنا اثنين منهم وعدنا بهما فرحين، ولما عدنا إلى معبر النخلة اجتمعنا برفاقنا وقررنا مطاردة الآخرين، غير أنهم تمكنوا من الفرار1.
- هجوم برتغالي انطلاقا من أصيلا على قرية الريحانة بجبل الحبيب وردود محاربي الجبل.
وصل إلى علم قبطان أصيلا (كوند دو رودوندا) – عبر الأسيرين الأخيرين – أوضاع منطقة جبل الحبيب وخلو قلعتها من القواد بعد هجومهم الأخير، حيث انتقل كل منهم إلى مدينته، بينما التحق بفاس العاصمة المولى إبراهيم القائد الأعلى للحركة الجهادية بشمال المغرب ووزير الملك أحمد الوطاسي، فاستأذن حينها الجبلحبيببي المتنصر المسمى «منويل كوتينيو» القبطان في الخروج، فلم يمانع، وغادر المدينة رفقة ثلاثين خيالا وقصدوا قرية الريحانة حيث أسروا رجلين، واستولوا على ثلاثين ثورا من ثيران الحرث، بيعت بثمن مرتفع نظرا للنقص الذي كانت مدينة أصيلا تعاني منه، مما رفع من قيمة ما عاد لكل واحد من المشاركين في الغارة، ولم تبق العساكر الجبلحبيبية بدورها مكتوفة الأيدي فقد تسربت عدة مرات إلى ظاهر المدينة، وإن ذهبت جهودها سدى، فقد توغلت مجموعة بجهة معبر « كانتو» وطاردت مراقبين حتى « كورفو» ثم انسحبت، كما أن أهالي الجبل بعد أن علموا بجرح «الكوند» أضحوا يتوسعون في جني العسل والحرث غربه في اتجاه أصيلا بالبطن الأسفل للجبل2.
- هجوم ملكي على أصيلا وطنجة سنة 1532م حرصا على حماية جبل الحبيب والجبال المجاورة لهما.
استفاد القبطان ديوكو دا سيلفيرا من الأوضاع المريحة التي كانت تعيشها المدينة لتنظيم بعض الغارات بجبل الحبيب وجواره، بيد أنه لم ينل منها على طائل، إما لأن المهاجﹶمين أحسوا به، وإما لأن الجبال كانت خالية لخوف السكان وامتناعهم حتى عن حرث أراضيهم، وردا على تلك العمليات وحرصا منه على حماية الجبال المجاورة لأصيلا، دخل ملك فاس ميدانها رفقة عدد كبير من المحاربين في مطلع شهر أبريل، وبما أنه لم يتمكن لا من إنسان ولا من حيوان، فقد انتقم لنفسه بنسف المحاصيل للقيام بما قام به في طنجة قبل العودة إلى أصيلا، ثم انسحب، لم يكن ﺫلك ليريح جيران أصيلا كجبل الحبيب الذين كانوا يعرفون أنهم سيدفعون الثمن غاليا، وأنها ستنتقم منهم بالقيام بالشيء نفسه ضد محاصيلهم، خصوصا بعد أن لاحظوا تزايد عدد الخيالة في المدينة، لدلك التمس جبل الحبيب والجبال المجاورة له من الملك الوطاسي ومن المولى إبراهيم أن لا يقوما بدلك، لكنهما لم يعيرا التماسهم أي اهتمام، لذلك ما أن علم القبطان بانسحاب الملك حتى أمر بعض المقدمين بالخروج رفقة أربعين من الخيالة لإلحاق أكبر ضرر ممكن بهم، ورغم أن ﺫلك تم في شهر ماي الذي لم تكن الحبوب قد نضجت فيه بعد، فقد قطعوا بسيوفهم وداسوا بخيلهم أكثر ما استطاعوا من الحقول، وبتلك الخسارة المحدودة أفهمت أصيلا أن ما ينتظر جبل الحبيب وغيره أكبر، بحيث سرعان ما أضرمت النار في بيادره، وبيادر قرية الغراف من بني كرفط وقرى أهل سريف خاصة، وكان درسا قاسيا لأهالي جبل الحبيب4.3.
- من الأعمال الحربية لمجاهدي جبل الحبيب سنة 1533م :
أسر لأصيلا خلال هده السنة ثلاثة من سكانها البرتغاليين، فاستاء «الكوند» لدلك كثيرا، فقد كان هؤلاء الرجال في سهل الخندقين في جمع الكلاء قبل أن يتفقوا على الذهاب إلى الموقع المسمى اليوم القرى لصيد خنزير بري5، ولما لم يكونوا متعودين على الصيد وغير بارعين فيه فقد أسرهم رجال جبل حبيب في طريق عودتهم، وحملوهم إلى المولى إبراهيم بفاس6، ولأول مرة أقف على نص يذكر فيه نقل الأسرى من جبل الحبيب إلى فاس، حيث إن السائد آنذاك هو نقلهم إلى شفشاون مركز القيادة الجهادية العليا بالشمال المغربي الذي كان يخلفه بالنيابة عن المولى إبراهيم أخوه سيدي عبد الله بن سلامة.
- غارة للقائد علي بن يعيش على أصيلا ومقتل أحد أبرز مقدميها «روك دو فرناو» سنة 1533م.
في إحدى المرات من سنة ثلاث وثلاثين أخبر حاكم أصيلا بخلو باديتها من المحاربين المغاربة، فاستأذنه المقدم «روك دو فرناو» في الخروج فأﺫن له، وجعل رهن إشارته سبعة عشر خيالا، وقد أمره بترك أربعة أشخاص في قرية مليانة، وبأن يلتحق بقرية بني حمدوش قبل طلوع الشمس ليتوغل داخل بني ومراس، لكن أصحاب علي بن يعيش شاهدوا الرجال الأربعة الدين تركهم في مليانة، وانتبهوا إلى أعداد المجموعة البرتغالية من خلال آثار أقدام الخيل، فكمنوا لهم، قبل أن يهاجموهم وهم يصرخون، وقتلوا منهم اثني عشر شخصا، وأسروا اثنين، بينما تمكن ثلاثة كانوا راكبين خيلهم من الفرار.
والتحق علي بن يعيش ومعه الأفراس الأربعة عشر والأسيران بملك فاس الذي كان مخيمه بمدخل بني عروس، واتفق البرتغاليون على أن يقتل أي واحد يصادفونه من محاربي جبل الحبيب، ولاسيما مقدمهم علي بن يعيش، لقتله أولئك الرجال وهم نيام بعد أن كان بإمكانه أسرهم، ولقتلهم المدعو «روك»، رغم أنهم تعرفوا عليه، ورغم أنه كان فوق أحد مطالع المراقبة البرتغالية حيث يعتبر مراقبا لا مهاجما معتديا عليهم7.
- أسر برتغالي أصيلا للمقدم الفارس علي بن يعيش وتنكره لكي لا يتعرف عليه .
استغرق الداهية الشجاع علي بن يعيش طيلة ثمان سنوات الماضية في التحرك بين طنجة وأصيلا، أمكن له خلالها الحصول على عدد هام من الأسرى البرتغاليين، وفي دجنبر من سنة 1533م سيقع أسيرا بميدان أصيلا، وسيتم افتداؤه بثمن غال جدا بلغ 150000 ريالا، على الرغم من أن عليا بن يعيش كان يعرف مآله إذا ما اعتقل حيا، فإنه لم يتوقف عن المجيء الى ميدان أصيلا، واستمر في نصب الكمائن للمراقبين، وتمكن من أسر بعضهم، وفي ظهيرة أحد الأيام طارد مراقبي مطلع عين القصب رغم إعلان حالة الاستنفار حتى البحيرات، إلى أن صادف ما بين اثني عشر وستة عشر ثورا واستولى عليها، ولما أقبل بعض الخيالة بعد استنفارهم وشاهدوه ومجموعته يسوقون الثيران اقتفوا أثرهم دون استئذان قبطان أصيلا أو دليلهم حتى وادي الحمام، حيث لحقوا بهم، لكنهم لم يجرؤوا على عبور النهر وتجاوز ﺫلك المستوى لقلة عددهم، وقد أهملهم علي بن يعيش ولم يهتم بهم، بعد أن لاحظ أنهم مجرد سكان أعزال، لكن مجموعة خيالة خرجت من المدينة بعد إعلان حالة الاستنفار، كان من بينهم «دون منويل مشكرنياش»، وقد صادفوا محاربي جبل الحبيب ﺑ «بيدريكال»، وسرعان ما انتبه هؤلاء إلى تزايد عدد رجالنا، ولاحظوا رغبتنا في الاشتباك معهم، فتخلوا عن الأبقار وانضموا إلى بعضهم وقاموا بهجوم مضاد عند معبر كان عبد الملك قتل فيه أبا «ديوكو لويش»، وفي أول صدام وجد علي نفسه وجها لوجه مع أحد السكان، فاشتبك معه وسقطا معا، فجرح جرحا عميقا، ولاسيما بعد أن طعنه رجل آخر برمحه، وبسبب اشتباك الرجل مع علي بن يعيش منح رداء جماعة المسيح وقت الإخلاء البرتغالي من أصيلا، وأمام ضغط الخيالة البرتغاليين اضطر محاربو جبل الحبيب إلى الفرار، وتركوا مقدمهم أسيرا، وحينما سئل عن هويتهم أجاب بأنهم من جبل حبيب، تحت قيادة علي بن يعيش، وقد تركه رجالنا تحت حراسة ثلاثة فرسان نقلوه إلى «دون منويل مشكرنياش» الذي كان يسير خلفهم، وهو يخفي رأسه في قبعة لكي لا يتعرفوا عليه، ولما استفسره وسأله الأسئلة المعهودة رد بأن مقدمهم هو علي بن يعيش، وبأنهم كانوا عشرين خيالا، فأرسله «دون منويل مشكرنياش» إلى الكوند واقتفى أثر الفارين، فتمكن ديوكو رودريكش من إسقاط خمسة أو ستة منهم، وأسر منهم خمسة أو ستة، واستشهد سبعة، واستولوا على اثني عشر فرسا، بينما تمكن الآخرون من الفرار تحت جنح الظلام، وفي اليوم التالي بيع الأسرى والخيول، وأما علي فلما وقف أمام الكونديزا سألته عما إﺫا كان يعتقد أن عليا سينجو، أجابها : «أنا مطمئن الآن على حياتي بوجودي في حضرتك، فأنا هو علي بن يعيش، وقد أخفيت ﺫلك على أخيك وعلى الكوند، أمرت الكونديزا بعلاجه وطمأنته، رغم أن البرتغاليين كانوا يرغبون في قتله بعد تصرفه مع «روك دو فرو»، وقد تعجب «الكوند» و «دون منويل مشكرنياش» لما علم بوجوده في المدينة، واستغربا تنكره وعجز الآخرين عن التعرف عليه رغم شهرته، ورغم أنه كان معروفا بطوله وضخامة أنفه، اشتراه «دون منويل» بمائة وخمسين ألف ريال، أي 375 كروزادوت حسب الأستاد الباحث احمد بوشرب مترجم الحوليات، وقد اقترح المولى إبراهيم مبادلته ﺑ «الفارو دو سوزا» أحد خدام «الكوند»، بيد أنه حرره دون فدية، بعد أن تدخلت زوجته لديه حينما كان مخيما في وادي شرقان لما أتى لتوقيع الهدنة، فقد دخلت عليه في مجلسه وترجته وهي تبكي أن لا يضع زوجها في الرهن مقابل علي بن يعيش الذي تبلغ فديته قيمة أعلى مما يمكن لزوجها دفعه، ويتعذر عليها جمعه، وقد أشفق عليها المولى إبراهيم وتنازل عن مبلغ الفدية كله، وفرض على القبطان القيام بالشيء نفسه لكي لا يظهر المولى إبراهيم أكثر منه نبلا وسخاء، وبذلك أمر بإزاحة الأغلال عنه، وألبسه لباسا فاخرا، وأرسله إلى المولى إبراهيم8.
- هجوم آخر لأصيلا على جبل الحبيب سنة 1534م وأسرها لثمانية أشخاص فيه.
استمرت حالة الحرب على ما كانت عليه من قبل، وﺫلك من خلال تعاقب مغيري الطرفين، لكن البرتغاليين كانوا يسيطرون سيطرة مطلقة على البادية حسب تسطير صاحب الحوليات، وأضحت تحرث بعيدا عن المدينة، وتخرج للصيد أنى شاءت، وتتحرك في دائرة أوسع من ذي قبل، إما للصيد وإما لجني العسل، بل سيشهد جبل الحبيب هجوما مباغتا عليه كرد فعل من أصيلا بسبب ما قاده مجتمعون قواد كل من القصر الكبير والعرائش وابن جيجة قائد أزجن وقراوش من أعيان فاس عليها على رأس أربع فرق عسكرية تضم ثلاثة آلاف فارس، من المحتمل جدا – كما العادة – مشاركة محاربي جبل الحبيب فيه، فلما التحق القواد بالمطلع الأصهب اعتقد الكوند أنهم لن يبقوا فيه مدة طويلة وأنهم سرعان ما سينسحبون، وقد أخبرنا بأنه سيرخص في اليوم نفسه لأربعين خيالا بالتوجه إلى جبل حبيب لمهاجمته على حين غرة، لعدم توقعهم لهجوم خلال ﺫلك اليوم، وفعلا، وافق على خروج ديوكو دا سيلفيرا والجبلحبيبي المتنصر منويل كوتينيو رفقة خمسين خيالا، قصدوا ظهر بوفاس، كان أهالي جبل الحبيب قد انتشروا في البادية دون اتخاذ احتياطات لعلمهم بالهجوم الذي تعرضت له أصيلا، مما سهل مأموريتها ومكن ديوكو دا سيلفيرا من أسر خمسة أشخاص، بينما أسر منويل كوتينيو ثلاثة، وبينما كان هذا الأخير يتحدث معهم في طريق العودة تعرف على المحارب الجبلحبيبي الذي قتل «ارتور رودريكس»، فطعنه برمحه مرتين، وقد تدخل زملاءه وأبعدوه عنه، غير أنه استل بغضب كبير سيفه وقتله أمامهم.
——–
هوامش :
(1) حوليات أصيلا، تعريب : الدكتور أحمد بوشرب، دار الثقافة، طبعة 2007م، ص 608 – 609
(2) نفسه، ص 609
(3) نفسه، ص 525 – 528
(4) ستشهد هذه السنة – أيضا – هجوما من أصيلا بقيادة الجبلحبيبي المتنصر عميلها أرتور رودريكس على قرية من قرى بني مصور المحاذية لحدود جبل الحبيب على وادي الحريشة الذي أقيم عليه سد التاسع أبريل، حيث أﺫن الكوند مرة أخرى ﻟ «لوبو منديش» بتنظيم غارة اقترحها عليه أرتور رودريكش، كانت تستهدف قرية من بني مصور في الحدود مع جبل الحبيب. (انظر تفاصيلها بالصفحتين 565 – 566 من الحوليات)
(5) يقول المؤلف « … ما إن يتقرر خروج بعضنا للصيد أو الى البادية حتى تحدث جلبة كبيرة داخل المدينة لرغبة الجميع في الخروج لجلب خنزير بري الى البيت، أو قربة عسل، أو للقنص، أو الصيد السمك، وجمع المحارات والقشريات، أو لمجرد النزهة (…) وفي أحد الأيام خرج الكوند للصيد في الموقع المسمى القرى، وبعد أن أشعلنا النار انتشر لهيبها بسبب الحرارة المرتفعة خلال دلك اليوم، ولعنف الرياح الشرقية، فاحترقت أعداد كبيرة من الأرانب تجاوز ما عثرنا عليه منها محروقا في الخنادق وجمعناه الفي أرنب (…) ويمكنني ان أقول بأننا أناس مخربون، ففيما بعد وخلال فترة الهدنة [المعاهدة الموقعة في مايو 1538م ] التي دامت ثلاث سنوات خربنا موارد البادية، فلم يعد يوجد بها لا أرنب ولا خنزير بري واحد ». ص 612 – 613.
(6) حوليات أصيلا، ص 612
(7) نفسه، ص 615
(8) نفسه، ص 615 – 617
محمد أخديم









































































PDF 2025


