البحث عن الذات لكاتبة تتمتع بقدْرة إبداعية و صبر أيوب ، لتخط للقارئ حالة حُلو و مرّ ( حزن و فرح) ، و هي المرأة التي أعطتْ بعصامية و لم تحصل على “شيء” إلا اعتنائها بالفكر ‘”سيمون دي بوفوار” ، و هي التي سخرتْ من خلاله ذاكرة طفولتها المتلعثمة عبر نصوص سيْرية من أزمنة زمانها ، الموسومة ب” رماد الأزمنة / يوميات امرأة في الأربعين” . كلمة رماد في سياقها المجازي للدلالة على الكرم أو السخاء ، أوْ ما بقي من طين لازج في حياة المؤلفة ، لـتأليف كتابها على رأس الأربعين . و لقد جاء تدوين القصص ال118 مع “لمعة و الإهداء” للتعبير عن مشاعر مُبعْثرة يغْلبُ عليها نوعٌ من الحُزن ، لروحها الطيبة الميالة إلى لمَنْ يُشاركها من قرائها ، عواطفها التي نالتْ حظها من القسوة ، باستعمالها استعارات أدبية لقول المتنبي :
و الهَجْرُ أقْتَلُ لي ممّا أُراقبهُ ~ أنا الغريقُ فما خوْفي من البَلل ..
الكتاب بلوْن بنفسجي غامق ، تعبيراُ عن الحكمة و النبل بشعور أُنثوي من آثار “المُعاناة” . الكاتبة في منتصف العُمُر و لعلها ارتسمتْ بتغييرات جسدية و نفسية . و لقد حلَّ الكتاب ليشمل ل 118 “حدوثة” أو قصة بحروف أبجدية و بنصوص رومانسية بثلاثية الأبواب .
~ الباب الأول :الاصطفاء من خلاصة القراءة لمُؤلَف أسماء المصلوحي. – أ- المْلاح و رائحة العسل المُصفى ، حيث تبدأُ الاستعدادات لاستقبال شهر الصيام . فما أعظمك يا رمضان ، و نكهته الزكيَة تملأُ و تفيض بين أربعة زوايا المدينة و أزقة قُدْسها (المْلاَّح) . فقد سجلتْ ذاكرة الصبيَّةُ عطْرَ الشبَّاكية ، و أصلها من الشام و تسمى الزلابية على شكل القصب الأجْوَف المملوء بالعسل ، و أريج الحريرة التي استَرَقتْها عيْنُ الطفلة عبر نافذة الجارة “احبابي ارحيمو” ، لتنتهي إلى ماء الزهر المُقَطر في فصل الربيع لتفوح رائحته كالمسْك في رمضان ، و إنّي لأجد ريحها التي تسكنني . ~ب – ميم ، المصلوحي ، الشابة المُراهقة وهي تبحث عن الحبّ و الرومانسية بقراءات تتضمنهما “مجلات- الموْعد” عند مكتبة “الناصر” بأقواس “أشعاش” ، كما يحلو لأهالي تطوان أن يُطلقوا عليها اسم “دار الطيْر” . ثمَّ تروي شغفها لأرضها البورية من الحبّ في روايات “عبير” ، إذْ كانتْ فرصتها خُلسة ، لخوْفها من أمّها و اتقاء انفعالها . كان الآباء يفهمون النصوص الشرعية التي تؤسس مفاهيمها الممارسات الاجتماعية بشكل سطحي ، و دون أيّ دراسة علمية ، فيُقدمون على منع بناتهم من الخروج من منازل آبائهنَّ إلاَّ بصُحبة الأخ أوْ الذهاب إلى المدرسة يوم سُمح لهنَّ بالتمدْرس . ثمَّ كانتْ عقلية الوالديْن أنَّ مهمة المرأة تنْحصرُ في تربية الأولاد و القيام بشؤون بيتها فقط ، و قد تُعَدُ هذه الأعمال في بيتها جهاداً . كان هذا السلوك يتَّسم بنوع من القلق و الخوْف على مستقبل بناتهنَّ حتى يتزوجنَ . في حين كانتْ أسماء تُحبُّ القراءة بالفطرة ، و عند اكتشافها مكتبة “الناصر” على مسافة كعْب من سُكناها ، وجدتْ ضالتها في استعارة الكتب لملْء الفراغ المعرفي ، فأقبلتْ على القراءة تلوَ القراءة من خلال مجلة “سيدتي” و “زهرة الخليج” ، ليتيَسَرَ لها الوعْي الثقافي ، كيْ ترْقى إلى معرفة الكاتب “عبد الله باجبير” ، و عبر قلم محمد بديع سربيه ، الصحفي اللبناني ، صاحب و رئيس تحرير مجلة “الموْعد” التي كانت تهتمُّ بكل الفنانين العرب ، وهي التي كانتْ مصدرَ إلهام لأسماء الصغيرة حتى أصبحتْ تعرف كيفية القراءة ، فساهمتْ في آفاقها الفكرية . وقد كانتْ المجلات و الكتب و استعاراتها مشتلاً اقتطفتْ منه وروداً و أزهاراً انبجستْ منهما عطور الأبجدية لتترسَّخَ في خزّان ذاكرة الكاتبة . ~ الرّاء : رياض العُشاق ، و بحس مُرْهَف تنتقل الكاتبة بقرّائها إلى “مكة” الحبّ بين العاشقين برحال رياض العُشاق ، التوْأم لجنان العريف بقصر الحمراء بغرناطة . عند تشفير القصص نستنبط درجة الصدْق الطفولي و بلغته ، لربطها بالواقع و الحنين إلى الماضي (النوسطالجيا) ، و ذات دلالة بأسلوب بلاغي من المجاز اللغوي . ثمَّ الشوْق العاطفي إلى الأمس البعيد ، لجمالية فضاء رياض العُشاق أيام زمان ، فلعلى أسماء تجدُ راحتها في المُقارنة و المفارقة بين بهجة الرياض الوضاءة من الأيام الخوالي ، و الاعتداء اليوم على بهائه ، كي يتحول إلى مرْتع للانحراف و وَكر “للصعاليك” يغيثون فيه فساداً . على أمل أنْ يعود الجمال الخلاب و الصبابة و الهُيام بين الطيور العاشقة . ~ الباب الثالث : المقامة على غرار بديع الزمان الهمداني ، فقد عبّرتْ المؤلفة في قصصها بنوع من السَّجْع المفهوم و نثر فني أدبي مجازي ، استطاعتْ من خلاله وصف الأمكنة بسرْد قصصي قصير و مختصر ، جذاب لتُجَنبَ القارئ الملل أثناء قراءة هادئة . مؤلفتنا رقيقة المشاعر لكثرة ما تُذرفه عيناها من الدَّمْع كيْ تُخفّفَ عن توَتُرها عند الغضب و الحُزْن ، لتتحرَّر من الاستياء ، من أجل أنْ لا تنهار من الداخل ، لقول سيدة الطرب العربي :
وَصَفوا لي الصَبْر لقيتُهُ خيال ~ و كلام الحُبّ يا دوب يا دوب
عَيْني عَيْني على العاشقين حيارى ~ مظلومين على الصبر مُشْ قادرين (كلمات مأمون الشناوي ، و اللحن للأستاذ بليغ حمدي ) . ثم دارتْ الأيام بأسماء الأربعين حوْلاً لتنبعث من رماد الأزمنة .
فانتهتْ الكاتبة أسماء إلى تجميل الكلام عن المرأة التطوانية قائلة “إنَّ التَتْويلة غلبتْ التجارة” ، فليس الغنى في المال بل في حسن التدبير ، إذ المرأة التطوانية كالنسيم العليل ، وهنَّ الفاتنات الجميلات اللائي يُحَولن منازلهنّ قصوراً حمراءً أندلسيةً ..
عبد المجيد الإدريسي









































































PDF 2025

