في ذكرى وفاة سيدي عبد الله كنون
دعوة إلى استئناف النظر في مشروعه الفكري والإصلاحي
على هدي وثائق جديدة
تحلّ يوم 9 يوليوز 2025 الذكرى السادسة والثلاثون لوفاة العلامة سيدي عبد الله كنون الحسني (1908-1989)، أحد أبرز أعلام النهضة الفكرية المغربية في القرن العشرين، وأحد الأصوات الجهورية التي صدحت بضرورة الإصلاح الثقافي والديني والاجتماعي في ربوع بلادنا.
لا تمثل هذه الذكرى محض محطة تأبينية عابرة، نستعيد فيها لحظة رحيله عن عالمنا، بل هي فرصة متجددة لاستحضار علمه الغزير، واستدعاء فضله العميم، وتأمل رمزيته العلمية والفكرية في هذا الزمان المغربي الموحش.
لقد تميز سيدي عبد الله كنون بموسوعية معرفية نادرة، جمع فيها بين مقومات الأصالة، ومستلزمات التجديد، وبين العناية الدقيقة بالهوية المغربية الإسلامية والانفتاح على قضايا الإنسان الكوني. كان الرجل رحمه الله صاحب مشروع إصلاحي متكامل، عبّر عن ملامحه في مؤلفاته، ورسم صورته في أحاديثه ودروسه، وجسّده في سلوكه ومواقفه، فامتد أثره إلى مجالات متعددة من التأريخ للأدب المغربي وإبراز ذخائره، إلى الدفاع عن اللغة العربية والذود عن أهلها، إلى المساهمة في بناء الوعي الوطني والثقافي الحديث واستعادة نماذج من الذاتية المغربية عبر التعريف بمشاهير رجالها.
وفي سياق استئناف هذا الحضور الفكري، وتجسيد هذا النموذج الفريد في الذاتية المغربية، يسرنا الإعلان عن قرب نشر مجموعة غير مسبوقة من الرسائل التي تبادلها سيدي عبد الله كنون مع شخصيات علمية مغربية وأجنبية، تمثل مادة أولية ثمينة تتيح لنا فهماً أشمل لشبكة علاقات الرجل الفكرية الواسعة، وإدراكا أعمق لموقعه في الحياة الثقافية المغربية والعربية والإسلامية.
وهي رسائل لم يسبق نشرها من قبل، ولم ترد ضمن المراسلات المعروفة ومنها مثلا تلك التي أشار إليها المرحوم عبد الهادي التازي حين ذكر أن سيدي عبد الله كنون حررها وأرسلها إلى الأديبة الإسبانية “طرينا ميركادير”(1919-1984)، [1]أو رسالته إليها حين ناداها بـ”اعتمادي الحضرية”، [2]أو “مراسلاته مع “قادة الحركة الوطنية في المغارب” التي نشرها المرحوم عبد العزيز التمسماني خلوق، [3]أو “وثائقه الغير منشورة عن نشاطه السياسي والوطني، [4]أو ما ورد عند الأستاذ محمد كنون الحسني حول مواقفه من “بعض قضايا الإسلام والمسلمين من خلال بعض الوثائق والرسائل”، [5] أو مراسلاته مع محمد تقي الدين الهلالي (1893-1987) المحفوظة بمؤسسة عبد الله كنون للثقافة والبحث العلمي بطنجة، أو رسائله مع بعض العلماء أمثال “بروكلمان” التي نشرها في الجزء الثاني من “النبوغ المغربي”، أو مجموعة الرسائل المنشورة من لدن المرحوم عبد الصمد العشاب في كتابه “في قلب الحركة الوطنية”[6] أو عند الأستاذة حسناء داود في “مراسلات وطنية أخوية”،[7] أو عند الأستاذ إدريس كرم في كتابه “دور الفقهاء في الحركة الوطنية”،[8] أو عند الأستاذ محمود عبد الغني في كتابه “عبد الله كنون”، [9]فضلا عن الإشارات التي وردت حول مراسلاته عند الأستاذ مصطفى الغاشي.[10]
وإلى جانب هذه الرسائل، سيتم أيضاً نشر طائفة من الوثائق الجديدة، تشمل ترجمات لأعمال الرجل إلى الإسبانية غير كتابه “النبوغ المغربي في الأدب العربي”،[11] أو كتيبه “الإسلام أهدى”[12] أو بحثه “ابن رشد الفيلسوف، فقيها”،[13] بل وسيتم نشر رسائل إدارية وشهادات علمية نادرة غير متداولة حتى الآن، كلها تتيح إعادة صياغة الترجمة العلمية والفكرية لسيدي عبد الله كنون بطريقة تتجاوز حدود الكليشيهات الخطابية، وتقطع صلتها مع الصور النمطية المتداولة حول شخصيته، أو المعروفة حول مؤلفاته، أو المعهودة حول صلاته العلمية والإنسانية.
إننا، في هذه الذكرى، لا نستعيد فقط سيرة عطرة لرجل من كبار رجالات المغرب المعاصرين، ولا نستحث الأجيال الحالية – التي لم تدرك هذه السلالة المباركة من الرجال – على التأسّي بسيرة رجل فاضل، وحذو طريق عالم عامل، بل ندعو أيضا إلى استئناف قراءة مشروعه الفكري والإصلاحي على هدي مستجدات وثائقية قيّمة، بما يعزز إدراكنا لقيمة منزلته من العلم والوطنية، ويرسخ لدينا الوعي أن الدفاع عن قيم الحق والخير والجمال إرث شرعي كما نهض بمسؤوليته سيدي عبد الله كنون وصحبه من رجال الفكر والثقافة والسياسة والاجتماع في بلادنا، ينبغي علينا نحن أيضا النهوض به حتى نكون خير خلف لخير سلف.
[1] عبد الله كنون ‘1326-1410هـ/ 1908-1989م، ضمن كتاب عبد الله كنون بين التكريم والتأبين، جمعية مكتبة عبد الله كنون، طنجة، 1991، ص 141.
[2] أزهار برية”، مطبعة ديسبريس، تطاون، 1976، ص 189 (تقع الرسالة في ص 185-189).
[3] مجلة دار النيابة، العدد 8، السنة 2، طنجة، خريف 1985، ص 5-12.
[4] مجلة دار النيابة، العدد 25، السنة السابعة، طنجة، 1990، ص 4-8.
[5] العلم الثقافي لفاتح مارس 2003، ص 8-9.
[6] مؤسسة عبد الله كنون للثقافة والبحث العلمي، طنجة، 2009.
[7] مؤسسة محمد داود للتاريخ والثقافة، مؤسسة الشهيد امحمد بنعبود، تطاون، 2016.
[8] مركز بلعربي العلوي، 2019.
[9] سلسلة كتاب وفنانون مغاربة في العصر الحديث، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، 2025، ص 121-146.
[10] “وثيقة نادرة عن دفاع عبد الله كنون عن أهالي طنجة عام 1950″، دفاتر البحث، سلسلة الأدب والعلوم الإنسانية، المجلد 1، العدد 2، يناير 2017، ص 119.
[11] El genio marroquí en la literatura árabe, Jerónimo Carrillo Ordoñez y Muhammad Tayeddin Buzid (trad. española). Alta Comisaria de España en Marruecos. Delegación de Asuntos Indígenas. Centro de Estudios Marroquíes. Artes Gráficas. Larache, 1939.
[12] El Islam. Guía de la perfección. Luz sobre el Islam. (4). Centro de Estudios Islámicos y Árabes. Marbella. España, 1988.
[13] “Averroes: el jurista”. Pensamiento. Revista de Investigación e Información Filosófica. Enero-Septiembre. Núms. 97-98-99, Vol. 25, Madrid, 1969, pp. 195-205.
محمد بلال أشمل
كلية أصول الدين









































































PDF 2025


