ارتسامات و تأملات في الفيض الشعري بديوان: سنابل و أعاصير للشاعر مصطفى الطريبق …

عن جمعية البحث التاريخي و الاجتماعي بالقصر الكبير بمطبعة الأمنية بالرباط صدر للشاعر المبدع بلبل القصر الكبير الغريد و المميز و فارس ميدان الشعر به الأستاذ مصطفى الطريبق ديوانه الشعري الثالث سنابل و أعاصير نشره سنة 2008. و يتألف هذا الديوان من 72 قصيدة موزعة حول الأبواب التالية :

  • القصائد الدينية : سبع قصائد
  • القصائد الوطنية : أربع عشرة قصيدة
  • قصائد الطبيعة : أربع قصائد
  • القصائد الاجتماعية : ثلاث عشرة قصائد
  • قصائد العروبة : خمس قصائد
  • الوجدانيات : سبع عشرة قصيدة
  • تأملات : تسع قصائد

و من خلال هذا الديوان نتعرف على شاعر عبقري كبير، يعيش عصره حقا. و يعايش ما يدور حوله ليس في المغرب فحسب و إنما بالعالم العربي جله و تتجلى عبقرية الشاعر في مقدرته على التعبير بالشعر العربي الأصيل ذي الوزن و القافية تعبيرا ممتزجا بسحر الكلمة و جمالية التعبير و سمو البلاغة و رونق البيان . مما يعطي الدليل على إبطال ما يروجه البعض ضد هذا الشعر العربي الأصيل و الادعاء بأنه أصبح متجاوزا، و لم يعد في مقدوره مسايرة الحياة و الذين يقولون هذا ربما لأنهم لم يعودوا يقرؤون شعرا عربيا  أصيلا في مستواه الرفيع و لكنهم حينما يقرؤون ديوان الشاعر و البلبل الصادح مصطفى الطريبق و يتأملون ما يفيض به من قصائد جيدة في مبناها، و رائعة في معناها، و في أبعادها الدينية و الوطنية و الاجتماعية و الوجدانية و العروبية، سيتأكدون قطعا أن هذا الشعر العربي الأصيل يبقى دائما على يد الشعراء الموسومين بالعبقرية و التمكن من روح الشاعرية، و مستوى الثقافة العالي شعرا متوهجا ساحرا و مسيطرا على الألباب و الأفكار. لقد جاءت قصائد ديوان سنابل و أعاصير لبلبل مدينة القصر الكبير العطرة برجالتها و مبدعيها و مبدعاتها، و فارسها في ميدان الشعر عطاءا و إلقاءا مصطفى الطريبق في مستواها الرفيع تناولا و لغة و تعبيرا و عروضا، بل و كل من يقرأ هذا الديوان سيدرك أن بمدينة القصر الكبير شاعرا يحمل لواء الشعر العربي الأصيل بكل أمانة. و أنه بذل و يبذل الكثير لتبقى القصيدة العربية قصيدة معبرة بكل صدق و معايشة للواقع، و مظهرة للهموم، و لسان حال ما يعيشه الشعب و ما يحسه و ما يعانيه. و ما تلبت و أنت تقرأ ديوان سنابل و أعاصير لهذا الشاعر إلا و أنت تحس و كأنك أصبحت أسيرا لسحر العبارة لروحه و لنبرة الصدق في كل ما يعبر عنه، و لذلك النزعة المتمكنة من الشاعر و هي نزعة الوطنية الحقة و نزعة العروبة، ثم لتلك الروح الدينية العريقة السمحة المتوهجة بالإيمان الذي ينبض به قلب الشاعر مصطفى الطريبق، و كم تأسفت أن يوجد مثل هذا الشاعر بثقافته الموضوعية و تمكنه من ناصية اللغة العربية و النحو و العروض بكل دقائقه و أوزانه كلها الغزير على مستويات متعددة في الإعلام و الكتابة في عدة منابر، و المشاركة في عدة لقاءات و تنشيط و إغناء عدة ندوات و ملتقيات و لم يأخذ حقه في الكتابة عنه و التعريف به و تخصيص دراسات و حلقات حول إنتاجه الشعري الخصب و القصصي و الإبداعي المتميز عامة، و لكنه مع الأسف الشديد موجود في مدينة القصر الكبير التي ليس من حظها إلا التهميش الممنهج منذ عقود و عقود بل لمدة طويلة و عديدة خلت و لرجالتها الوطنيين الأفذاد، و إذا همشت المدينة العتيقة و المناضلة و المجيدة الصامدة بأبنائها الغيورين عليها و على هذا الوطن العزيز و الغالي بدورها لابد أن تهمش كذلك كواكبها و من هذا البدور و هذه الكواكب البدر الساطع و النجم اللامع في دنيا الثقافة و عالم الشعر الشاعر الرقيق الإحساس الملهم و المبدع الفذ و الفحل مصطفى الطريبق. و لعل الشاعر مصطفى الطريبق يصدق عليه ما قاله ابن حزم عن نفسه :

أنا الشمس في دنيا العلوم منيرة // و لكن عيني أن مطلعي الغرب .

فعيب الشاعر مصطفى الطريبق أنه وجد بمدينة القصر الكبير، و لذلك يبقى الاهتمام به محليا من طرف من يعرفون صدق شاعريته و صفاء قلبه، و سيولة قلمه و غناه، و عمق ثقافته و كثرة اطلاعه على الكتب و المصادر القديمة و الحديثة و مواكبته للمستجدات سواء في الصحف اليومية  أو المجالات أو غيرها و يبقي على محبي الأدب و الثقافة و الفكر و المبدعين و خاصة القراء  المهتمين بمجال الشعر و الشعراء أن يطلعوا على هذا الديوان الشعري الهام و ديوانه الأول المعنون ب” إعدام البراءة” للبلبل الصادح بهذه المدينة التاريخية العريقة و المجيدة و الغيورة القصر الكبير و بمدن أخرى مغربية و عربية لأن الاطلاع و دراستهما كذلك مع ديوانه الثالث ” ترانيم الشجن” للشعر المرهف كذلك المنشور سنة 2015 من طرف الجمعية المذكورة كذلك آنفا مع تصدير لها من طرفها   كذلك و التي تتمنى فيه أن يحظى بالتفاتة نقدية تظهر القيم الجمالية و المضامين العميقة الثاوية في ثنايا نصوصه إلى أن يقول هذا التصدير : هنيئا لشاعرنا بهذا الديوان المتميز و مزيدا من العطاء المتوهج ….

هذا و مع الدراسة المتأنية لهم و لكتبه و دراساته و قصصه الأخرى و مقالاته العديدة في الصحف و المجالات المغربية و العربية الأخرى ستلهمهم بالإبداع الأصيل و الجميل و الخيال الخصب و اللغة العربية الرصينة و المتينة و الصور الخلاقة و مفاتن روح الشعر العربي و الشاعر النبيه و المعطاء و الذي نردد مع أحد الشعراء عما يقولونه الذين لا يعرفون قيمة مثل هذا الشعر الموزون و المقفى و المعبر عن الخلجات و الومضات السحرية الوضاءة و النفحات الشعرية الراقية و الذين يكتبون نثرا و يسمونه شعرا و هو بدون إحساس مرهف و موسيقى أو إيقاعات هذا البيت الشعري الدال :

كناطح صخرة قد جاء يوهنها // فلم يهنها و أوهى قرنه الوعل

و من نماذج قصائد هذا الشاعر مصطفى الطريبق النيرة الذي يبقى أثرها دائما في القلب و الأعماق و الفكر و الوجدان نقرأ هذه الأبيات من قصيدته ” مهد المجد ” بصفحة 33 من الديوان المذكور كالتالي :

يا وثبة التاريخ يا عزم الأما     // جد في عطاء بالمزايا أرحب

يا صوت لكوس وصولة الأطلس // و صدى المخازن، في تحفزه الأبي

كل المنى أن لا نرى بحياتنا        // للهول  في دنياك أي تقرب

و من قصيدته حب الأوطان بصفحة 35 نقتطف :

بالرغم مما قد نراه من مظا            // هر تبعث الأحزان فينا و الأنين

من كان يخلص صار في عيش الضنا // و من اعتدى و طغى ففي عيش أمين

و الحيف فيما بيننا لا ينتهي              // و الشعب مستاء و لا قلب يلين

و الفقر في وطني و لا سبب له          // إلا التغاضي دوما ردع يكون

خيراته كثر و لكن ليس  إ                 // لا للقليلين الألى لا يرحمون

خيراته كثر و لكن ليتها                     // لبنيه  كلهم بلا فرق مبين

لو كان ذاك لما رأينا بيننا                  // في الشعب من يشكو و يضرع بالأنين

و لما رأينا بيننا هذي الفوا                     // رق و هي ظلم للبنات و للبنين

و الشعب منها في مرارته و في                 // ضنك و في جوع على مر السنين

إلى أن يقول في قصيدته “سئمت الحزن ” بصفحة 163 ما يلي :

تمنيت لو أني، بدنياي ناعم        // تمنيت لو أن الزمان يسالم

و لو أن ما يجدي، و ألقى به الهنا // يوافي ، و ما في العيش تبدو مظالم

و كل الورى في أنس عيش و راحة // و ما بينهم إلا الإخا و هو دائم

و ما من أسى أو من شفاء مروع    // و ما في ليالي العمر حزن يداهم

و لا بد من الإشارة كذلك لديوانه الصادح ” إعدام البراءة ” و الذي نشرت عنه دراسة جادة أيضا بمجلة ” كتابات ” العدد 36 سنة 2020 لمديرها و رئيس تحريرها الأستاذ الجليل و الأدبي المفوه و الملتزم بقضايا الفكر و الإبداع و الثقافة الحقة : العربي بنجلون و التي تطبع الآن بمطبعة الوراقة بلال بعاصمة العلم فاس العريقة و كذلك نشرتها بجريدة ” الشمال 2000″  العتيدة  بالعدد : 1037 ليوم الثلاثاء 17 إلى 23 مارس بالصفحة 15 ( الأسبوعية ) .

و مما أشرت و ذكرت في مقدمتها للاطلاع ( الآن نتناول الجانب الفلسطيني من هذا الديوان لأهميته الوطنية و القومية و العربية و لحبنا و حب الشاعر الجياش لتحرير هذه الأرض و تعبيره الصادق الأمين عن خوالجنا و عواطفنا و روحنا مع الشعب الفلسطيني و فدائنا لأرواح الشهداء من أجل قصيتنا الفلسطينية المصيرية المقدسة ….

إلى أن ذكرت ( فإن الشاعر مصطفى الطريبق نظم قصائده و هو في محراب النجوى و الحب الصادق و التجاوب الكامل مع فلسطين في كل ما تعانيه و في كل ما يقع فيها من ظلم و جبروت و غطرسة من طرف العدو، و لعل الديوان كله ما جاء إلا انفعالا و تفاعلا مع أحداث فلسطين و لذلك سماه (( إعدام البراءة )) و كل القصائد الفلسطينية في الديوان هي تفجع و توجع على فلسطين و لكن في مضمونها أمل بجهود الشباب و رجاء في المستقبل المنشود، أما العنوان (( إعدام البراءة )) فهو مقتبس من الجريمة النكراء التي لن ينساها التاريخ و هو قتل الطفل الصغير أبي درة الذي لم ينفعه الاحتماء بأبيه و لم ينفعه الاحتماء بالجدار، و قد تألم الشاعر لذلك المنظر المؤلم فنظم قصيدته الخالدة (( شهيد الخلود )) (8) التي يقول فيها :

أبا درة إن عيني تدمع     // و قلبي من حزنه يتقطع

مضيت شهيدا، و أنت صبي // فصرت لبحر البطولة منبع

و ما مت لكن فإنك حي    // و إنك فينا الخلود موقع )

و يحضرني هنا في هذا الإطار مقال هام للأديب الكبير و الناقد الفذ الأستاذ و الدكتور الجليل المتنور نجيب العوفي في سياق زمن كورونا 2020 بعنوان ” عن نوبل الذي يأتي و لا يأتي المنشور بجريدة العلم الثقافي ” الغراء الصامدة و العزيزة، و التي لا زالت تنشر منذ الستينيات من القرن الماضي و في هذه الظروف و بالعدد ليوم الخميس 5 من نونبر 2020 بالصفحة 12 ….( و يحكي الكاتب المصري يوسف ادريس في فترة سابقة إبان الثمانينيات من القرن الفارط، أن مسؤولا سويدا أبدى له استعداد دوائر سويدية لترشحيه لجائزة نوبل، مناصفة مع كاتب إسرائيلي .و كان موقفه الرفض .

هذا في الوقت الذي يهرول فيه عرب اليوم إلى التمسح بالأعتاب الإسرائيلية، و تقديم أكبر جائزة ” للدولة العبرية في زمن انكسار الريح العربية و زمن كورونا الأغير . و مصائب قوم عند قوم فوائد.

إلى أن يقول: ( و تحضرنا هنا حالات أخرى معاكسة من قلب المركزية الغربية، لأدباء كبار جاءتهم جائزة نوبل تطرق أبوابها و تخطب ودهم فرفضوها و أشاحو عنها بوجوههم غير مبالين، و هم برناردشو الانجليزي و جان بول سارتر الفرنسي و بوريس باسترناك الروسي .

و لبيرناردشو، و هو سليل المركزية الغربية بامتياز قولة شهيرة و رائعة في هذا الصدد يقول فيها : ( إني أغفر لنوبل أنه اخترع الديناميت و لكنني لا أغفر له انه أنشأ جائزة نوبل ) .

( و الخلاصة العربية التي أخلص إليها في خاتمة هذه السطور إن هذا التهافت العربي الثقافي و الإعلامي على جائزة نوبل دليل على ” عقدة الخواجة ” المركوزة  في العقل العربي الحديث منذ غزوة نابليون إلى غزوة ماكرون، و دليل على توسل أدبي صريح و موصول الاعتراف  “الآخر ب ” الأنا” أي الاعتراف الاخر ب/ الاسم العربي الجريح )

و عن القضية الفلسطينية في صلب اهتمامات “المؤسسة الملكية في مغرب العهد الجديد” يشير الدكتور محمد زين الدين منذ مسار العشرية لجلالة الملك المفدى و المحبوب الأولى في كتابه هذا المنشور سنة 2009 بالصفحة 319 و كما يتراء لنا الآن كذلك ( برز الدور الفاعل للمغرب حكومة و شعبا في الدفاع عن القضية الفلسطينية ، حيث يشير العاهل المغربي محمد السادس في هذا الإطار (( بصفتنا رئيسا للجنة القدس، فإننا لن ندخر جهدا لصيانة الهوية التاريخية العريقة لهذه المدينة المقدسة كأرض للتعايش بين الأديان السماوية، سواء في المحافل الدولية ، أو من خلال إعطاء دفعة جديدة لوكالة بيت مال القدس الشريف ، مطالبين المجتمع الدولي ، بتحمل مسؤولياته الكاملة، لوقف انتهاك الأماكن المقدسة و احترام الوضع القانوني لمدينة القدس الشريف … الخ ..

نرى بهذا العمق للأدباء و المبدعين و جلالة الملك المظفر الذي ندعو له بالصحة و العافية و طول العمر المساير لآراء و دعاة الحق من شعبنا كافة معه للدفاع عن الشعب الفلسطيني و وحدته منذ القدم و إلى الآن للعمل على نصرته بالغالي و النفيس دون التخاذل و الرجوع بنا إلى القهقري، و استحق بذلك بكل جدارة رئيسا للجنة القدس المظفرة و الغالية بأدوارها الطلائعية و السامية إلى الآن …

و أختم هذه الالتفاتة و الارتسامات و القراءات المشرقة عن هذا الديوان الآنف الذكر بما أشار إليه في مقدمته الدكتور محمد الشدادي ( الصفحة 7 ) و من الطريف أن يعبر الشاعر مصطفى الطريبق في هذا الديوان عما يتحرك في الحياة، و عما يعتمل فيها من أحلام و أشواق و عما ينهض فيها من صراعات و مواجهات تتقاطع عبرها الذات الفردية و الذات الجماعية و تنافس في كنفها الذوات المتماهية و المتغايرة على خلفية الإنصات الأخلاقي العميق الذي يوجه بوصلة لإبحار الشعري صوب روح المعيش عبر الانحياز لكل أشكال النضال الثقافي المستلهم لنواتج فلسلفات العصر و علومه .

إلى أن يذكر ما أردد معه :

( أتمنى ان يجد القارئ الكريم في قصائد الشاعر الأستاذ مصطفى الطريبق ما يبعثه على استقبالها بنوع من التخيل الكفيل بتحيين عناصرها الحيوية  و استغوار عمائقها الإنسانية. و في هذا ما يشرع أفق انتظارنا على الاستزادة من موصول عطائه الشعري ، و يقوي حاجتنا إلى مأمول اطراد إنتاجه في هذا المضمار).

 

عبد القادر أحمد بن قدور

عن Romaisae

شاهد أيضاً

“التوسع البرتغالي في المغرب”

حظيت ظاهرة الغزو الإيبيري التي ضربت بلادنا خلال مطلع العصور الحديثة باهتمام متزايد لدى قطاعات …

عودة مفقود اختفى منذ عقود: «دليل الحج والسياحة»

ذكريات شامية وتنويه بالانتداب ولا تخلو رحلة الهواري إلى الشام، وهوفي طريق العودة إلى المغرب، …

“الحركة العلمية والثقافية بتطوان من الحماية إلى الاستقلال”

صدر كتاب “الحركة العلمية والثقافية بتطوان من الحماية إلى الاستقلال (1912-1956)” لمؤلفه الأستاذ إدريس خليفة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: