ما الفرق بين اليوم والبارحة؟ سبحان مبدل الأحوال. البارحة كنت أمكث لساعات رافعا يدي دون جدوى، وفي حالة وقوف أحدهم يباغتني بأن التعريفة هي تعريفة الليل في النهار، ويسألني: “هل يوافقك الأمر؟” وهل لي أن أرفض عرض الأزرق-الأبيض وأنا كدت أفقد أعصابي الهشة من طول الانتظار، وهل لي أن أتخلى عن قضاء أغراضي في المدينة التي تبعد على قربها في ضغط الصيف وزحمة السير، مدينة المنظري والحرة التي يرمز إليها بالحمامة في لوحات أشهر فنان بها، والذي رأيت له لوحة يناصر فيها فلسطين السليبة!
يحملني بياض البنايات العالية وكذا المنحنية وزرقة الأبواب والنوافذ في مدينة خال السيدة، إلى مدينتي، مدينة الشريف أبيها كما عشت فيها قبل أن تداهم الزرقة كل شيء؛ من الحيطان إلى العقول ويتوارى البياض الذي يظهر قليلا في أيام الجمعة والأعياد وبعض المناسبات كذكرى ميلاد من منه انشقت الأسرار وانفلقت الأنوار…
قال لي يوما من أسكرته الزرقة:
-وهل الموروث مقدس، فالتغيير سنة
الحياة؟
أجبته بهدوء تام:
-أنا أحب الأبيض المنقوع بالنيلة مع أبواب ونوافذ زرقاء فاتحة، لأنه يشكل ذاكرتي، ذاكرة المكان والزمان، ذاكرة الشريف والسيدة…
ضحك وأضاف:
-الذاكرة ليست كل شيء، آشريف، نحن أبناء اليوم، وزرقة اليوم ستصبح ذاكرة في الغد.
غلى الدم في عروقي وقلت:
-وهل تسلبني حقي في الألوان التي تستهويني…
كانت السماء آنذاك ملونة بالأزرق الفاتح، تجول فيها سحب بيضاء خفيفة ونوارس، وأنا أعبر ألوانها التي يطمئن إليها قلبي كما كنت في مدينة الطفولة.
عبد الحي مفتاح









































































PDF 2025


