ابن رشيق:
2- قراضة الذهب 2/2:
ب- فتح المعاني:
بدأ ابن رشيق هذا الفصل القصير بقوله:
“والشاعر يورد لفظا لمعنى فيفتح به صاحبه معنى سواه لولا هو لم ينفتح…”.
ثم أورد أمثلة لأربعة عشر شاعرا يوضح بها قصده، منها قول دليل آل المهلب لما هربوا من سجن الحجاج بن يوسف: [الطويل]:
| نَفِرُّ فِرارَ الشَّمسِ مِمَّا وَراءَنَا | وَنُدْلِـــــجُ فِي دَاجٍ مِنَ اللَّيلِ غَيْهَبِ([1]) |
الذي فتح به لأبي الطيب قوله: [الوافر]
| وأَلْقَى الشَّرقُ منها فِي ثِيابِي | دَنـــــانـيراً تَـــفِرُّ مِــنَ الـــبَنـــــان([2]) |
حيث نقل صورة “فرار الشمس” من مجال إلى مجال آخر مخالف تماما. وقد نبه ابن رشيق في ختام حديثه عن هذا النوع من الأخذ أو “التناص” على أنه أول من أشار إليه، قال: «ولم أر من المؤلفين من جميع من رأيته من نبه على هذا النوع». بيد أن هذا من الممكن إدخاله في النوع الذي نبه عليه ابن طباطبا والقاضي الجرجاني وهو نقل المعنى من غرض إلى غرض([3]).
ج-محاكاة ثنائيات امرئ القيس
والمقصود بالثنائيات، ما أورده ابن رشيق من أبيات لامرئ القيس وغيره، يجمع فيها الشاعر بين حالين متعارضتين تقعان مرة واحدة؛ إما على سبيل المجاز والمبالغة أو على سبيل الحقيقة والواقع. فمن السبيل الأولى أوْرَدَ مثالين لأمرئ القيس:
– الأول قوله [السريع]:
| نطْعَنُهُمْ سُلْكَى ومَخلوجَةً | كَـــرَّكَ لاَمَـــيْـنِ عــلَى نـــــابِـــلِ([4]) |
قال:«أراد أنه يطعن طعنتيه كأنهما طعنة واحدة من السرعة، كما يناول التلميذ أستاذه من الريش لامين في المرة لئلا ينشف الغرا…».
– والثاني قوله [ الطويل]:
| مِـــكَـــرٍّ مِـــفَرٍ مُــقبِلٍ مُـدْبـــــرٍ مَــــــعـاً | كَجُلْمودِ صَخرٍ حَطَّهُ السَّيلُ مِنْ عَلِ([5]) |
قال ابن رشيق: «ذلك أنه أراد السرعة فجعله كارا فارا مقبلا مدبرا في حال واحدة على سبيل المبالغة وإن استحال ذلك، ثم شبهه تشبيه عيان بالحجر إذا تدهدى فإنك ترى منه الوجه ونقيضه وهو في حال واحدة من الانحدار وهذا ما لا يُلحق»([6]).
وكان الكميت والمتنبي قد حاولا اللحاق بإجادة امرئ القيس، دون جدوى؛ الأول في قوله يصف الثور [البسيط]:
| وَعَاثَ في غابِرٍ مِنها بِعَثْعَثَةٍ | نَحْرَ الْمُكافِئِ والْمَكْثُورُ يَهْتَبِلُ([7]) |
والثاني في قوله : [الكامل]
| مَازِلْتَ تَضربهُمْ دِراكاً في الذُّرى | ضَرباً كـــــأَنَّ السَّيـــفَ فــيــهِ اثــنانِ([8]) |
«أراد السرعة وقد أجاد وإن لم يبلغ صاحب الاختراع»([9])
ومن السبيل الثانية ضرَبَ أمثلة منها قول ابن دراج القسطلي [الطويل]:
| إذا غَرَّبَ الحادي بهم شَرَّقَتْ بــــنا | نَــــوىً يَومُها يَـــوْمانِ والْـــحِينُ أَحيـــانُ([10]) |
«وهو حقيقة لا مجاز…لأن كل طائفة تقطع يوما فتكون المسافة بينهما يومين»([11]).
غير أن هذا لا يدخل في إطار التناص ، بقدر ما يندرج تحت ما يسمى بالتأثر، أو اقتفاء الطريقة دون الاستعانة بلفظ المقتفى أثرُه، ودون أخذ معناه في نفس الغرض، وقد أورد منه ابن رشيق هذه النماذج، ومنها ما ذكره في بدائع امرئ القيس السابقة، وقد جاء منها في التشبيه[الطويل]:
| كَأَنَّ قلوبَ الطَّيرِ رَطْـبـاً ويــابِــــساً | لَدىَ وَكْرِها العُنَّابُ والْحَشَفُ البالي([12]) |
الذي اقتفاه بشار بقوله [الطويل]:
كأنَّ مُثَارَ النَّقْعِ فَوقَ رُؤوسِهِمْ وأَسْيافَنَا لَيْلٌ تَهاوَى كَواكِبُهْ([13])
د-ضروب الأخذ
يصرح ابن رشيق في بداية كلامه عن هذا الموضوع بأنه يريد التمثيل فقط لا الاستقصاء، وأن ما سيقوله لا جديد فيه؛ إذ سبق له أن فرغ في “العمدة“، كما يقول، «مما يراد أو أكثره»([14])، لكنه في الحقيقة يضيف كثيرا من النظرات، الجديرة بالتأمل، إلى مشكل السرقات، وإنما كان قصده من كلامه ذاك ما يتعلق بضروب الأخذ. ومن هذه النظرات تأكيده، باستمرار، أن «الكلام من الكلام وإن خفيت طرقه وبعدت مناسبه»([15])، وانتباهُه إلى جمع بعض الشعراء بين عدة نصوص أو أبيات لشعراء مختلفين في بيت واحد؛ كما فعل الشريف الرضي يصف قوما بالشجاعة [الطويل]:
| لهمْ وَرَقٌ من عَهدِ عَادٍ وتُـبَّعٍ | حديدُ الظُّـبا إلا انْثلامُ الـمَضارِبِ([16]) |
«فتناول من ابن هاني الورق، وجمع بين روايتي البحتري، وأشار إلى بيت النابغة»([17])
حيث قال ابن هاني[الكامل]:
| وجَنيْتُمُ ثَــمَرَ الـــوَقاَئعِ يـــانـِــعاً | بالنَّصْر من وَرَقِ الحَديدِ الأخضرِ([18]) |
وقال البحتري[الكامل]:
| حَمَلَــتْ حَمائلُهُ القديمَةُ بَقْــلَــةً | مِن عَــهدِ عــادٍ غَــضَّـةً لَم تَـذبُـلِ([19]) |
وقال النابغة [الطويل]:
| ولاَ عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سُيُوفَهمْ | بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ([20]) |
وفضلا عن هذا، يؤكد ابن رشيق أن الشاعر قد يُضَمِّن شعرَه شعرَ غيره دون أن يكون واعيا بذلك، فقد: «يمر الشعر بمسمعي الشاعر لغيره فيدور في رأسه ويأتي عليه الزمان الطويل فينسى أنه سمعه قديما»([21]). كما أن ذلك قد يحدث له بمجرد توارد الخواطر([22])، خاصة إذا كان الشاعران متعاصرين وتَقارَبَ موضوعاهما([23])، بل إن ابن رشيق يؤكد بقوة أن: «الصانع إذا صنع شعرا في وزن ما وقافية ما، وكان لِمَن قبْله من الشعراء شعرٌ في ذلك الوزن وذلك الروي وأراد المتأخر معنى بعينه فأخذ في نظمه، أنَّ الوزن يحضره والقافيةَ تُضْطَرُّه وسياقَ الألفاظ يَحْدُوه حتى يُورِدَه نفسَ كلام الأول ومعناه حتى كأنه سمعه وقصد سرقته، وإن لم يكن سمعه قط»([24]).
أما ضروب الأخذ التي ذكرها فهي على التوالي : الزيادة في المأخوذ أو اختصاره، ونقل المعنى والصفة، والعكس، ونقل الصفة وحدها، والتضمين والمناقضة، والاهتدام، والنسيان، والاجتلاب، والتوليد، والتوارد، ونظم المنثور، والتلفيق([25]) ونختار هنا مثالا من نظم المنثور؛ فقد ذكر ابن رشيق أنه «كان لأبي الأسود جيران من قُشير، وكانوا يؤذونه ويرمونه في الليل، فإذا شكاهم قالوا لسنا نرجمك، وإنما الله تعالى يرجمك…فيقول: (كذبتم يا فسقة، لو رجمني الله تعالى لما أخطأني وأنتم تخطئون). فنظمه حبيب [أبو تمام] فقال[البسيط]:
| رمَى بكَ اللَّهُ بُرْجَيْها فَهَدَّمَها | ولو رَمى بكَ غيرُ اللهِ لم يُصِبِ([26]) |
انشغل ابن رشيق، إذن، في العمدة بتلخيص الآراء وعرض الموضوع، وما يتصل به من مصطلحات وشواهد، كما وصل إليه، مع تعليقات قليلة مقتضبة قد لا تخلو من بعض التسرع. إلا أنه في “قراضة الذهب” وجد المجال واسعا للتحليل والتعليل، فأبان فيه عن ذوق وذكاء رفيعين أثناء تتبعه وتحليله لعملية التناص، خاصة في تحديده للعناصر أو الخصائص الذاتية لكل من النص السابق والنص اللاحق لإدراك أوجه التشابه والاختلاف في الأساليب والمقاصد مما لم يستطعه كثير من دارسي التناص في العصر الحاضر([27]). وربما كان ابن رشيق الناقد الأكثر وضوحا في ربطه عملية السرقة، التي هي تقنية من تقنيات التناص، بالمظهر اللغوي والجانب البلاغي باعتباره المجال الذي تظهر فيه خصوصية كل شاعر وقدراته الإبداعية. كما أنه تتبع، في إشارات عميقة تحولات المعنى وتشابكه وسفره عبر العصور متنقلا متقلبا من صورة إلى أخرى، وهو ما سيعبر عنه عبد القاهر الجرجاني بطريقته الخاصة في “دلائل الإعجاز“، ليضع بذلك يده على أساس جوهري من أسس الإبداع؛ فغدا موضوع السرقة عنده هو موضوعَ الإبداع ذاتَه حيث يوجه الشاعر إلى الطرق المثلى في الاستعانة بالآخرين ويحثهم، بطريقة غير مباشرة، على إخضاع المأخوذ للمقاصد الجديدة.
[1] – نفسه؛ 44. وفي – معجم الشعراء، المزرباني؛ 488 هو هردان العليمي، كما أشار محقق القراضة. قلت: والبيتان ضمن سبعة أخَر، مع بعض الاختلاف، لعبد الجبار بن يزيد بن الربعة الكلبي، في الطبري، تاريخ الأمم والملوك (أحداث 95 هـ) 3: 685.
[2] – نفسه. وشرح ديوان المتنبي؛ 4: 386 منها: يقصد الشجر. الدنانير: استعارها لما يتخلل الأغصان من أشعة الشمس.
[3] – عيار الشعر؛ 126. والوساطة؛ 205، 206.
[4] – قراضة الذهب؛ 49. وديوان امرئ القيس؛ 12. وفيه “لَفْتَكَ لأْمَين” أي سهمين ،واللؤام من السهام أجودُها.« يقول: نرد عليهم الطعن ونعيده كما ترد سهمين على صاحب نبل يرمي بسهمين ثم يعادان عليه». وسلكى: طعنة مستقيمة، والمخلوجة: عن يمنة ويسرة. –الشرح عن الديوان.
[5] – نفسه. وديوان امرئ القيس؛ 19.
[6] – نفسه؛ 49-50
[7] – نفسه؛ 50. وفيه: «المكافئ الذي يذبح شاتين إحداهما مقابلة الأخرى للعقيقة»، والبيت في اللسان (هبل).
[8] – نفسه. وشرح ديوان المتنبي؛ 4: 314 في مدح سيف الدولة.
[9] – نفسه.
[10] – نفسه؛51. وديوان ابن دراج؛ 89، والذخيرة لابن بسام؛ 1: 93. وفيهما (إذا شرَّق…غربت…) من قصيدة في مدح خيران العامري صاحب المرية.
[11] – نفسه؛51-52.
[12] – نفسه؛24. وديوان امرئ القيس؛38.
[13] – نفسه؛25. وديوان بشار بن برد؛1: 318. ورغبة بشار في النسج على منوال بيت امرئ القيس مشهورة. ينظر: الأغاني3: 190.
[14] – نفسه؛ 54-55.
[15] – نفسه؛107، وينظر؛ 54.
[16] – نفسه؛ 81. وديوان الشريف الرضي، 1: 149 من قصيدة في رثاء خاله.
[17] – نفسه.
[18] – نفسه؛ 80. وديوان ابن هاني(دار صادر)؛ 161. وفي ديوانه (دار الغرب الإسلامي)؛ 149(…بالنضر…) من النضارة، بالضاد المعجمة.
[19] – نفسه. وديوان البحتري؛ 3: 1748
[20] – نفسه؛81. وديوان النابغة؛ 44.
[21] – نفسه؛ 83.
[22] – نفسه؛ 88.
[23] – نفسه؛ 100.
[24] – نفسه؛ 86. وينظر القصة التي أوردها في نفس المصدر؛ 88 دعما لقوله في هذا الباب عما وقع للثعالبي نقلا عن يتيمة الدهر. والقصة في يتيمة الدهر؛ 3: 460.
[25] – نفسه 59-63-69-72-79-81-82-83-84-85-87-88-95-106.
[26] – نفسه؛ 97. وديوان أبي تمام؛ 1: 59. من القصيدة المشهورة في مدح المعتصم وفتح عمورية.
[27] – يمكن المقارنة مثلا –في مجال التطبيق –بين ابن رشيق وبين كل من محمد بنيس وعبد الله راجع في رسالتيهما، وسيأتي مثال على ذلك في فصل النقد والدراسات المعاصرة.
د.المختار حسني









































































PDF 2025

