في أجواءٍ من الحوار الصريح والتمثُّل الجمالي العميق، احتضن مقر مؤسسة خديجة طنانة للثقافة والفنون بجماعة المضيق، يوم السبت 21 يونيو 2025، لقاءً فنياً مفتوحاً خُصص لمناقشة واقع الفنون التشكيلية بمدينة تطوان. اللقاء جمع ثلة من الفنانين والنقاد والفاعلين في الحقل الفني، ولامس بشجاعة مكامن الضعف وممكنات التجاوز.
أدار اللقاء الفنان يوسف سعدون، الذي قدّم مداخلة افتتاحية شكلت أرضية للنقاش، تناول فيها ملامح التراجع الذي يعرفه المشهد الفني المحلي، بدءاً بوضعية القاعات العامة واختفاء عدد من الأروقة الخاصة، مروراً بهشاشة الدعم المؤسسي، ووصولاً إلى الأدوار الغائبة أو المنقوصة التي يُفترض أن يقوم بها كل من المعهد الوطني للفنون الجميلة ومتحف الفن الحديث بتطوان، كرافعتين أساسيتين للحياة الفنية بالمنطقة.
من جهته، قدّم الفنان القيدوم عبد السلام نوار شهادة ذات طابع شخصي، عبّر من خلالها عن الإحباط الذي يطال الفنان المغربي بعد سنوات طويلة من العطاء، مشيراً إلى أن الاعتراف غالباً ما يأتي متأخراً، إن أتى أصلاً. ورغم ذلك، لم يُخفِ تقديره لبعض المبادرات التي تحاول إبقاء الشعلة متقدة، خصوصاً ما يرتبط بدور المعهد والمتحف.
أما الفنان محمد الجعماطي، فقد ركّز في مداخلته النقدية على الغياب شبه التام للتنظيمات المهنية للفنانين، معتبراً أن هذا الغياب يُضعف قدرتهم على التفاوض الجماعي ويترك المجال مفتوحاً أمام المؤسسات الرسمية لتُقرر باسمهم، دون تمثيلية حقيقية.
في مداخلة لافتة، سلطت الفنانة فاطمة الزهراء الصغير الضوء على التجربة النسائية داخل الحقل التشكيلي المغربي، متوقفة عند نماذج نسائية رائدة، وفي مقدمتها خديجة طنانة التي وصفتها بالفنانة الجريئة والمُلتزمة. وأعادت التذكير بسحب عملها الفني “كما سُوطرا” من متحف الفن الحديث بتطوان سنة 2018، كمثال على التضييق الذي قد يطال الإبداع حين يتجاوز الخطوط المرسومة.
واختتم الدكتور المهدي الزواق، مدير المعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان، المداخلات الرسمية، بمداخلة استعرض فيها الدور الوطني للمؤسسة، مشدداً على كون المعهد ليس فقط مركزاً للتكوين بل منصة لتأهيل الطاقات الإبداعية. كما تطرق إلى استراتيجيات انفتاح المعهد، والدينامية التي تشكلها التظاهرات الكبرى كالمهرجان المتوسطي، وأوضح أن متحف الفن الحديث يسعى إلى تقديم برمجة وازنة تُجنّب منطق الترضيات الشخصية، عبر التركيز على المعارض الجماعية ذات الطابع المؤسسي.
خلال النقاش العام، الذي عرف تفاعلاً غنياً، جاءت مداخلة الفنانة خديجة طنانة لتضع الأصبع على الجرح. فقد أكدت أن الإبداع لا يُزهر إلا في مناخات الحرية، مشددة على أن الفنان لا يمكنه أن ينتج تحت الضغط أو الترويض، بل يحتاج إلى فضاء آمن ومسؤول يتيح له التعبير دون خوف. واعتبرت أن الرقابة الوحيدة المقبولة هي الرقابة الذاتية، النابعة من حس نقدي والتزام جمالي وأخلاقي تجاه المجتمع.
وقد خلص اللقاء إلى قناعة جماعية بضرورة إعادة الاعتبار للفنان كفاعل مستقل، وتعزيز آليات الدعم الثقافي والتأطير المؤسساتي، لاسيما في مدن ذات الحمولة الفنية كـتطوان، التي رغم رصيدها التاريخي الزاخر، ما زالت تبحث عن رؤية ثقافية واضحة تنصف ماضيها وتفتح الأفق أمام مستقبلها الإبداعي.









































































PDF 2025


