ما من شهر في السنة تتغير فيه العادات وروتين الحياة العائلية مثل شهر رمضان، وما من شهر يحوز من أوله إلى آخره من الأشهر القمرية مثل رمضان الحظوة مقارنة بالأشهر الشمسية التي هيمنت على قاموس حساب الزمن في العصر الحديث.
شهر رمضان شهر مفضل و شبه مقدس عندنا، يبدأ العد العكسي له مبكرا، و يبدأ التدريب عليه روحيا كذلك مبكرا، كما يبدأ الإعداد له من حيث التموين مبكرا؛ ولكونه الشهر الذي تزداد فيه نسب المشاهدة للقنوات الوطنية و القومية يبدأ تهييء البرامج التلفزيونية المختلفة و الأعمال الفنية التي ستقدم للجمهور خلاله، ولياليه خاصة، مبكرا.
في كل رمضان تشتعل حمى التذمرات ويعلو قصف الانتقادات تجاه “الأطباق الدرامية” التي تقدم للجمهور في القنوات العمومية القليلة المتواضعة؛ في كل رمضان قد يحصل البعض ممن يشتغل في المجال الفني(الدرامي) على نصيبه من الحب أو أكثر في حين لا يحصل البعض الآخر إلا على نصيب من التبن أو لا شيء، والفن قسمة ونصيب !؛ فقد يكون العمل المشارك به في لمة هذا الشهر الكريم يدخل في باب الفكاهة أو السخرية… أو الكوميديا أو قد يكون عملا ميلودراميا أو تراجيديا… ينوي “المعقول” قلبا وقالبا.
في كل رمضان من كل عام يعم الرضا فئة من صناع الفرجة ويشتد السخط لدى فئة أخرى؛ و دفاعا عن نفسه قد يحاجج المستفيد و يقنع و يبرر، وغير المستفيد قد يقصف و يحتج و ينسف، ولا تبقى في غالب الأحيان العراكات الظاهرة والخفية بين معسكر المستفيدين و معسكر غير المستفيدين محصورة في مربعهم، بل قد تمتد إلى متتبعي المحيط الفني وقد تتسع إلى الجمهور الواسع الذي يجد في رمضان ما قد يتلهى به أو يصرف به الأيام، مستعيدا، استثناء، بعض السلطة المنزوعة منه، المتجسدة في ما يصطلح عليه ب “حق دافعي الضرائب”؛ فالضرائب، كما يتم تلقيننا، هي التي تحرك دواليب التلفزات العمومية؛ و هذه السلطة التي يذكر بها الجمهور العريض في رمضان بعض نقاد أو ممارسي النقد الفني تتميز بكونها ظرفية وعابرة، لكن ما لا نعرفه هو هل تحرك ضرورة النقد الغيرة على الجمهور و ما يقدم له أو باسمه أم تحركه هواجس أخرى قد لا ينفذ إلى أسرارها إلا الراسخون في علم القطاع السمعي البصري العمومي.
على العموم، و من حيث المبدأ، لا أحد يجادل في أن المبدع له حرية الصنع والإبداع، و أصحاب القرار لهم حرية الانتقاء و الاختيار، و الجمهور والنقاد لهم حق المشاهدة و الملاحظة و النقد، لكن مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي قد تتخذ الشهيوات الفنية لرمضان كيفما كانت تسمياتها أو كان تصنيفها (مسلسلات، سيتكومات، سكيتشات…) أبعادا تخرج عن نطاق السيطرة في غياب نقد فني مؤسساتي يشكل مرجعية يعتد بها، و يحمل يراعته نساء ورجال نزهاء يتحلون بقدر مقبول من الموضوعية، غير سلبيين و لا تحركهم نوازع تخرج عن نطاق الفن و خبرتهم فيه؛ متمكنون من المفاهيم و المدارس والاتجاهات و قواعد الفن الدرامي، قادرون على تحليل الأعمال الفنية من مسلسلات وغيرها، و إعادة تركيبها و طرح الإشكالات المرتبطة بها في سياقها، وتبسيطها إعلاميا للجمهور.
هذا و كما أن ظواهر الحياة و المجتمع قد تخضع لمناهج ورؤى تحليلية متعددة قد تكون متقاربة أو متباعدة في مقارباتها، فالأعمال الفنية عامة والدرامية على الخصوص يمكن أن يسري على ما يسري على الحياة والمجتمع ؛ وتحرك ذلك أسئلة عدة؛ حول الفن و خلفية العمل الفني ومرجعيته، و معناه و رسالته، و دوره و وظيفته وحدوده إلخ.
و إذا كان هذا التعدد في مقاربات الفن محمودا و متفقا عليه، و إذا كان نقد الأعمال الفنية الدرامية و غير الدرامية وجه من أوجه الحكامة الثقافية و “ربط المسؤولية بالمحاسبة” على الصعيد الفني، فإنه من الصعب تقبل الإسقاطات التي تحمل العمل الفني ما لا يحتمل من خارجه، كمناقشة ظواهر أو أحداث اجتماعية من داخل العمل الفني بمنطق أيديولوجي أو أخلاقي بعيد عن نسيج العمل الفني الذي قد يستثمر عناصر من الواقع، لكنه يمنحها حياة أخرى وجمالية وتشويقا من خلال التخييل تنزاح بهما عن الواقع، و تمنحهما بالتالي صبغة الحلم الذي يجذب المتلقي و يدفع به إلى متابعة الأعمال الفنية بشغف، و كذا الافتتنان بغوايتها التي تستمد سرها من مكر الحكي، و نفس/ريتم الأحداث، وجاذبية الشخصيات، وثراء اللغة و خفة الحوار، ناهيك عن انسيابية الموسيقى و شاعرية التصوير…
لقد نوقشت منذ زمان بعيد علاقة الفن بالخير و الشر وارتباطه بالأخلاق، و لازال هذا الإشكال يفتح شهية البعض و يرخي بثقله حتى الآن على سقف حرية الفن ومضامينه كلما افتقدنا البوصلة التي نميز بها بين الفن والواقع و الممكن و غير الممكن…
عبدالحي مفتاح









































































PDF 2025


