قراءة في ديوان “عصافير محلّقة في زمن الصخب والعنف” للشاعر عبد الجبار العلمي
بقلم: إلياس الخطابي
مقدمة:
منذ بداياته، كان الشعر المغربي مرآةً للواقع، يلتقط ما يُرى وما لا يُرى، ويصوغ بالكناية والإيحاء ما تعجز اللغة المباشرة عن قوله. وهو بذلك يُجسّد اللامعقول الممكن، حسب تعبير الناقد فيصل دراج. ومن هنا، يكتسب الكلام الشعري في زمن الصخب والعنف معناه الأقصى، حين يتحوّل إلى ملاذ للبوح، ومساحة للانفلات من قسوة العالم وجراحات..
في ديوان “عصافير محلّقة في زمن الصخب والعنف” للشاعر المغربي عبد الجبار العلمي، تستعيد الذات الشاعرة صوتها الإنساني، وتحلّق خارج الضجيج اليومي، مستحضرة لحظات الطفولة والحب، ومنحدرة إلى أعماق الحزن والفقد، في محاولة لترميم المعنى وسط واقع يتآكل ويضيق.
اللغة الشفافة والنفَس التأملي:
يتشكّل هذا الديوان من قصائد كتبت بلغة شفيفة، تتسم بالاقتصاد والهدوء، وتنضح بنفَس تأملي حالم، دون أن تُغفل الجراح الجمعية والذاتية. كما يرصد الشاعر تفاصيل الحياة الهامشية، ويعيد نسجها رؤًى وجودية حول الغربة، والطبيعة، والطفولة، والعاطفة. ورغم رهافتها، فإن هذه اللغة لا تنزلق إلى الغنائية المجانية، بل تظلّ مخلصةً لوجدان الإنسان العميق.
الطفولة: براءة تقاوم الخراب
الطفل، في هذا الديوان، ليس مجرّد صورة نوستالجية، بل هو رمز للبراءة الأولى، ومخلوق هشّ يقف في وجه القبح، مسلحًا بالحلم والمخيّلة. تحضر الطفولة كقيمة شعورية تقاوم التلوّث الرمزي الذي يحكم العالم، وتعيد إلى اللغة صفاءها المفقود، وإلى الإنسان بعضًا من ألقه الأصلي.
الحب، هشاشة مضيئة في وجه العدم:
أما الحب، فيبدو وكأنه الجدار الأخير في وجه التلاشي. هو ملاذ هشّ، نعم، لكنه مضيء، يكتبه الشاعر بلغة تنأى عن الابتذال، وتلامس الروح في أصدق لحظاتها. الحب، في قصائد هذا الديوان، ليس احتفاء جسديًا أو عاطفيًا فحسب، بل هو طاقة مضادة للفناء، تحفظ للذات توازنها وسط فوضى العالم.
الحزن والمراثي، وعي شعري بالخراب:
الحزن هنا ليس شعورًا عابرًا، بل وعي شعري عميق بخراب العالم، وبالشرخ الذي يُحدثه العنف في النفس. لذلك، تحضر نبرة الرثاء بكثافة: مراثٍ لأشخاص رحلوا، لأمكنة اندثرت، لأزمنة ولّت، لثقافات انقرضت. وتبرز غرناطة، بوصفها رمزًا لفقدان الحلم الأندلسي، وانهيار الجمال المشترك، لتصبح استعارة كبرى عن انهيار المعنى.
الغربة، عزلة في القلب لا في المكان:
الغربة في هذا الديوان لا تختزل في بعدها المكاني، بل تتجاوز ذلك إلى كونها حالة وجودية، يعيشها الشاعر أمام الزمن، والقيم، والوطن. إنها شعور عميق بالانفصال، لا يُقاوَم إلا بالحلم، وبالقصيدة التي تغدو لديه أفق نجاة، وجناح تحليق في سماء ملبدة بالخذلان.
التحليق والحلم ضد الرداءة:
في مواجهة الرداءة التي تلتهم العالم، يلجأ الشاعر إلى القصيدة، وإلى الطبيعة، والأمل، والحلم، وكل ما يوحي بالحياة المتجددة. لا يكتب العالم كقدر نهائي، بل يواجهه بليونة الشاعر، وسمو الكلمة. القصيدة، في هذا الأفق، تتحول إلى طائر محلّق فوق أنقاض الواقع، يُبشّر بإمكانية الفرح، ويؤمن بالضوء، حتى حين تغمر العتمة الأرض كلها.
خاتمة:
إن ديوان “عصافير محلّقة في زمن الصخب والعنف” ليس مجرد مجموعة شعرية، بل هو شهادة على إمكانية الحلم في زمن الانكسار، واحتفاء بالكلمة كملاذ أخير للذات. عبد الجبار العلمي، أحد الأصوات المؤسسة للشعر المغربي الحديث، يواصل في هذا العمل إضاءة الطريق للأجيال القادمة، عبر قصائد تنبض بالصدق، وتحلّق بالعاطفة، وتُذكّرنا بأن الشعر، في النهاية، يظل أفقًا مفتوحًا حين تُغلق كل النوافذ.









































































PDF 2025


