لن أتحدث عن شفشاون و طقوس العيد الحالية، لن أسترجع عيد الطفولة و أحلامه و شقاوته، بل سأتحدث مرة أخرى عن شفشاون المستقبل، سأذكر بشفشاون التي نحلم بها، شفشاون التي تترنح، تحتضر و قد تضيع إلى الأبد…
لا أقصد من محاولتي التذكيرية هاته توجيه رسالة خاصة لأحد، و إنما هي صرخة حب تنبع من الجوارح، أداريها و أكتمها و أتحمل ثقلها قدر ما استطعت، لكنها أكبر مني؛ إنها ليست صرختي وحدي و إنما هي صرخة أتقاسم وجعها مع العديد من بنات و أبناء هذه المدينة الذين يرون أن المدينة ليست بخير، أن المدينة لم تأخذ نصيبها الكافي من التنمية و النهوض اللذين تعرفهما مدن بلدي القريبة والبعيدة.
نعم الإكراهات كثيرة، و العين بصيرة و اليد قصيرة، و حجم الانتظارات أكبر من حجم الإمكانيات، لكننا كلنا عشنا لسنوات على أمل استمرار شرارة النهوض والتنمية التي أطلقها جلالة الملك، حفظه الله، منذ بداية العشرية الأولى من هذا القرن، فرحنا و تفاءلنا، فقد أنجزت مشاريع كبرى واعدة، غيرت كثيرا و جه مدينتنا التي كان طالها التهميش و النسيان لسنين طوال، لكن للأسف تعثرات واضحة بعثرت مسلسل النهوض و التنمية الذي بدأ؛ وهو ما لم يساعد على ظهور المشاريع التي أنجزت بالوجه الحقيقي لها، لأن أية عملية تنمية لمجال ما تقتضي من أجل الوصول إلى الهدف تحقيق مجمل عناصر الرؤية الاستراتجية، وإلا فإن أي تأخر أو تعثر أو تخل… قد يفقد ما تم تحقيقه المعنى و القيمة.
للأسف، وهذا ما يلاحظ، فالجزء الجديد من مدينة شفشاون قد نال حظه من مشاريع كبرى، لكنه، في تقديرنا هو الجزء الذي فشلنا في تنميته الشاملة، و كأن كل مشروع أنجز فيه أنجز في عزلة عن الآخر؛ وكأننا عجزنا عن صهر المشاريع في بوتقة واحدة، رغم المجهود التقني والمالي و الإداري، وأحيانا التنظيمي، الذي بذل في كل منها.
هذا الجزء الذي كانت المدينة الكولونيالية، التي تكاد معالمها تنطمس، نواته، على خلاف الجزء التاريخي أو المدينة القديمة التي تظل مصدر استقطاب للمشاريع المرتبطة بالسياحة، نرى حالته تتدهور اختناقا وفوضى…، بل ما يسجله العديد من أبناء المدينة و محبيها و زوارها هو أنه بدل أن يرتقي مستواه إلى ما يلائم صيت شفشاون التاريخي و الحضاري و السياحي و طنيا وعالميا، فإنه ينحدر إلى مستوى “القرونة” أو “البدونة”(مع التأكيد أنني لا أحمل أي حكم سلبي على القرية و البادية وعلى أصولي البدوية التي أعتز بها)، والمفارقة العجيبة هي أن المراكز القروية للإقليم تسير جلها أو كلها نحو التأهيل الحضري( رغم أنه كان تأهيلا متأخرا وعسير الولادة) ونتمنى أن يستمر خيرها ويزيد، فيما عاصمة الإقليم التي من المنطقي أن تكون نموذجا حضريا يقتدى به تتراجع، و تحتاج إلى مجهود استثماري متجدد من أجل تأهيل حضري حقيقي و مستدام.
المساعي كثيرة، والوعود قائمة، و ما يجب تداركه هو جمود وتأخر الست سنوات الأخيرة التي تخللتها أزمة كوفيد، وذلك طمعا في تمكين قلب المدينة الجديدة بشكل استعجالي- أما تهيئة أطرافها فموضوع متواتر يستحق صرخات أخرى- مما يستحقه من تهيئة وتنمية و تنظيم، فلا يعقل أن تكون مدينة بقدر شفشاون و ما لها من صدى و مؤهلات أنعم بها الله عليها موقعا و حسنا و بركة، أن يكون قلبها الصغير خال من الجمال، من الإبهار؛ خلو من الحياة المندمجة في عصرها، عصر المدن الذكية و البيئية التي إن دخلتها شعرت بالراحة و المتعة، و لاتخرج منها إلا و أنت حزين على فراقها، ولن تفارقها إلا و قد ترسخت في الذاكرة…
الصرخة خرجت رغما عني لأن الأمر جلل، و هي تنضم إلى صرخات أخرى تركز من حين لآخر على إخفاقات مؤسفة و مخجلة في مجالات أساسية أخرى، و لاشك أن الصرخات ستتوالى، و إن كانت هناك بوادر أمل، لكن علينا أن نقول في الأخير لأهل شفشاون و لكل من له غيرة على شفشاون: ما حك جلدك مثل ظفرك، و ماضاع حق وراءه مطالب، وقد حان الوقت لتأخذ المدينة الراشدية حقها من التنمية على غرار باقي مدن الجهة، و لاجهوية ناجحة باختلالات مجالية تفقأ العين.
عيد شفشاون هو اليوم الذي سينظر فيه بعين الإنصاف إليها، اليوم الذي ستلتحق فيه بركاب مدن الجهة من حيث البنية التحتية والتجهيزات و التهيئة والتنمية عامة، اليوم الذي سيطيب فيها العيش بكرامة لأبنائها و سيطيب فيها المقام الماتع لكل زوارها.
و أنا منهمك في كتابة هذه الصرخة في يوم العيد السعيد، أجد نفسي تغمرني الفرحة التي تغمر محيطي وفي نفس الوقت أشعر بحزن مقيم لحالة شفشاون، المدينة التي نكن لها كل الحب، و لما ستؤول إليه أوضاعها، إن لم تسعف بأيدي واثقة، دقيقة و رقيقة، جراح السنين.
عبدالحي مفتاح









































































PDF 2025

