ـ 13 ـ
كان الفقيه عبد الله وأخوه الفقيه العياشي يجلسان في مسجد السوق كأن الأمر لا يعنيهما. وقد بدا عليهما الوقار والورع الشديد. كانا لا يتركان قيام الليل، وكانا لا يخرجان من المدشر إلا يوم السوق أو لضرورة. فإذا خرجا شرعا في قراءة القرآن إلى أن يبلغا مقصدهما. وكانا من عائلة يحفظ كل أفرادها القرآن الكريم.
وقد أراد العياشي في شبابه الأول أن يجاهد في سبيل الله، فحمل (اخْماسِيَّتَه) وخرج مع المقاتلين، وهو يقول: معسكرٌ فيه سيدي عبد السلام ابن يرماق، وسيدي عبد السلام ابن الحاج لا يمكن أن يكون على باطل . فلما بدأت المعركة رآه خاله، وكان من أبطال المجاهدين، فنهره، وأمره بالرجوع، وقال له: لست من أهل هذا الشأن. ارجع حتى لا تكون أول قتيل اليوم. فرجع واكتفى بتعليم القرآن مشارطا في مساجد البادية.
ولكنه، مع ذلك، ظل مقاتلا لا ينحني لأحد، ولا يخشى أحدا، ولا يعترف للقائد بسلطة ولا جاه. وقد أراد القائد أن يقربه منه فطلبه لكي يصلي بالناس صلاة الاستسقاء فأبى، وقال لمبعوث القائد:
ـ أنا لست عالما لكي أصلي بالناس.
قال المبعوث: إنه لم يطلبك لعلمك، وإنما طلبك لورعك.
قال الفقيه العياشي:
ـ إن أجبته إلى هذا فلا ينبغي له أن يقدمني، فلن أكون ورعا حينئذ.
قال المبعوث: فبماذا أجيب القائد؟
قال العياشي: ـ تقول له: العياشي رجل درويش، مسكين، يحب المساكين، وأن يعيش بين المساكين، وأن يموت بينهم.
فلما بلغ الجوابُ القائدَ قال لهم: دعوا الفقيه العياشي فإنه فقيهٌ (بركةٌ).
قال الفقيه العياشي لأخيه الفقيه عبد الله:
ـ ماذا تظن أنهم فاعلون؟
قال الفقيه عبد الله: أفوض أمري إلى الله، إن الله بصير بالعباد، فوقاه الله سيآت ما مكروا.
قال الفقيه العياشي: يحب القائد أن أحدثه في شأنك.
قال الفقيه عبد الله: وما الذي تراه أنت في هذا الأمر؟
قال الفقيه العياشي: ما هو الحزب الذي قرأناه في الطريق إلى السوق؟
قال الفقيه عبد الله: حزب: وإلى مَدْيَنَ…
قال الفقيه العياشي: وفيه: ولا تركنوا إلى الذين ظلموا…
قال الفقيه عبد الله: هذه في الثمن الثالث منه…
سكت الفقيه عبد الله قليلا ثم نظر إلى أخيه وقال: السِّي العياشي: السجن أحب إلي مما يدعونني إليه..
قال الفقيه العياشي: أمَا وقد قلتَ هذا فانتظر أن يُقْبَضَ عليك اليوم.. آسِّي العياشي: عليك بياسين. لا تنس ياسين، والدعاءَ الناصري.
كان الفقيه العياشي من أتباع الزاوية الناصرية بينما كان أخوه عبد الله يميل إلى زاوية ابن عمه الحاج المفضل شيخ الطريقة الدرقاوية بقبيلة جبل الحبيب. ولم يكن يفضلها على غيرها من الطرق الصوفية، ولكنه كان يحب ابن عمه ويحسن الظن به.
وكان شديد الاعتداد بأصله، مع أن أجداده خرجوا من مَدِينَة الرياض، زِينَة مكناسة وبهجتها، قبل أن يولد هو بأكثر من مائة وخمسين سنة. وكان بهذه المدينة آثَار أكَابِر دولة الْمولى إِسْمَاعِيل، وَكَانَ بها دَار والد جده كَأَنَّهَا حومة مُسْتَقلَّة. وكان يعتقد أن بزرهون وثائق ممتلكاتهم فكان يوصي أولاده بالبحث عنها، إن تيسر لهم ذلك.
ولكن هذا الاعتداد لم يمنعه من أن يسمع لأخيه وهو ينتظر مخازنية القائد أن يظهروا بباب المسجد للقبض عليه. ورآه أخوه على هذه الحال فطمع أن يضمه إلى الطريقة، فقال:
ـ تقرأ ثلث دلائل الخيرات كل يوم، وتختمه كل جمعة. وتقرأ من القرآن كل يوم خمسة أحزاب.
قال الفقيه عبد الله:
ـ أنا أقرأ أكثر من ذلك ولله الحمد.
قال الفقيه العياشي: أهل القرآن أهل الله وخاصته. وعليك إذا صليت الصبح بالصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم مائة مرة، وتستغفر الله تعالى مائة مرة، وتذكر الهيللة مائة مرة.
قال الفقيه عبد الله: إن المربوط بالأصفاد يذكر أكثر من هذا.
قال الفقيه العياشي: ولا تنس الطابع: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك عملت سوءا فظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. فأنا أسأل الله تعالى أن يقبض روحي، حين بلوغ الأجل، ولساني يجري بهذا الذكر.
قال الفقيه عبد الله مداعبا: تعرف كل هذا وليس في عنقك سبحة كسبحة ابن عمنا المفضل.
قال الفقيه العياشي: طريقنا طريق التقوى، واتباع السنة، ومخالفة الهوى، وشهود المنة، والاعتماد على الله في الرزق، وقطع الرجاء بالكلية إلا من الله تعالى، واليأس مما في أيدي الخلائق، وعدم الخوف إلا منه سبحانه. وأما السبحة فليس عندنا فيها رواية.
قال الفقيه عبد الله: السبحة في القلب. هل تجتمع سبحة في العنق بقيود في الرجل؟
قال الفقيه العياشي: ليست أصفادهم بأصفاد. إذا أقبلوا عليك اقرأ: قُلْنَا يَانَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ. فإذا وضعوا رجلك في القيد فاعلم أنهم قد اختاروا لأنفسهم القيدَ يوم القيامة. قال تعالى: وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الاَصْفَادِ.
وسوف أسعى إلى بيع بقرتي لإخراجك من السجن.
قال الفقيه عبد الله: لا تفعل، فإنك لا تملك غيرها.
قال الفقيه العياشي: إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين. وسوف نُخْرِجُ سُلَكاً كثيرة هذه الليلة في مسجد المدشر، فأبشر بنعمة من الله وفضل، «واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين».
ـ14ـ
عاد أهل سوق ثلاثاء جبل الحبيب يومئذ بخبرين: الأول هو القبض على الفقيه السي عبد الله من مدشر الروسييش في بقرة الشاوشاو، وربطه إلى وتد في سجن السوق إلى أن يؤدي ثمنها. والثاني هو ما وقع للوح السي الطاهر المعلق في باب السوق.
فقد مرت بالباب فتاة من مدشر (الصاف)، وهو مدشر يحفظ جميع أهله القرآن، رجالهم ونساؤهم. فما أن مرت ببصرها على أول ما كتبه السي الطاهر حتى تنبهت لنسيانه وضع نقط الشين فوق كلمة أمشاج من قوله تعالى: إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا. فلم تكلم أحدا، ولم تلتفت إلى أحد حتى انطلقت إلى حداد تعرفه في السوق، وسألته أن يناولها سيخا من حديد، ثم طلبت أن يضعه على النار حتى يلتهب، ثم توجهت به نحو الباب، وصعدت فوق كرسي عمي لحسن، وثقبت اللوح فوق شين أمشاج ثلاثة ثقوب، وانصرفت.
وأُخبر السي الطاهر بذلك فانطلق حتى وقف على لوحه، ووجد الناس حوله يتضاحكون، ولم يلبث أن لحق به الفقيه المفضل، وأما الفقيه العياشي فلم يأبه بذلك كله، وأرسل بغلته مع ابنه متخذا طريقا مختصرا إلى مدشره يمر به في نهايته على مدشر (اجْبِيلَة)، بينما سلك ابنه طريق (الخْنَاق) أو (سِيوَانة) ثم مر بمدشر (اخْشَابْشْ ) قبل أن يصل إلى مدشره، وذلك لسهولة هذا الطريق على الدواب.
(يتبع)
محمد الحافظ الروسي









































































PDF 2025

