عودة مفقود اختفى منذ عقود: «دليل الحج والسياحة»

ذكريات شامية وتنويه بالانتداب

ولا تخلو رحلة الهواري إلى الشام، وهوفي طريق العودة إلى المغرب، من إفادات متنوعة همت المغرب والشام على حد سواء. ففي بيروت، لقي صديقه القديم الذي اشتغل معه في صحيفة السعادة، الصحافي اللبناني وديع كرم. استضافه في منزله وتبادل معه ذكريات أيام إقامته في المغرب (ص225)، وأحيت زيارة الهواري لبيروت ذكريات أيام دراسته فيها قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى، فقد درس الهواري في الكلية العثمانية برفقة نجل الصدر الأعظم المقري. وفي السياق ذاته، أشار صاحب الرحلة إلى وجود طلبة مغاربة في مدرسة النجاح بمدينة نابلس الفلسطينية، وكان يود زيارتهم لكن الظروف حالت دون ذلك، كما أن طالبا مغربيا آخر من تطوان هوالطيب بنونة درس في نابلس قبل انتقاله إلى اسطمبول لمتابعة الدراسة العليا في الهندسة (ص 257).

زار الهواري كذلك مدينة القدس، مقدما بشأنها صورة واضحة المعالم في عقد الثلاثينيات من القرن العشرين قبل اغتصابها من قبل الصهاينة. وتزامن وجوده فيها مع انعقاد المعرض العربي الثاني الذي «فتح أبوابه في محل عظيم وزينة فاخرة». تبرز تقسيمات المعرض ومحتوياته «الوثبات السريعة التي خطاها العرب في ميادين الصناعة والتجارة والفلاحة والزراعة وخصصت فيه محلات رحبة للمسارح والملاهي ومحلات التسلية والطرب والسينما…». وكتب عن بعض المرافق في القدس بنبرة إطرائية واضحة «….أوتيلات [فنادق] جميلة ومطاعم نظيفة كما في مدن الشرق الكبرى مع تعدد النعم ووسائل الراحة والانبساط»(ص231)، إنها صورة مشرقة للقدس: احتضانها معرضا اقتصاديا عربيا، توفرها على مرافق سياحية مع النظافة وحسن التنظيم! كانت القدس وقتذاك بمنأى عن الاستطيان الصهيوني وموجات العنف التي صاحبته في باقي أرجاء فلسطين!!

جاب الهواري مدنا شامية أخرى، الخليل وحمص وحلب وغيرها، متجولا في مرافقها ومعالمها الأثرية. كما زار دمشق، واصفا بتفصيل أبرز ما شاهده فيها، منها سوق الحامدية المعروف (ص 239-238). واللافت للانتباه في القسم الخاص بالشام في هذه الرحلة، ثناء الهواري على نظام الانتداب الفرنسي، فقد كانت سوريا ولبنان خاضعتين لهذا النظام. ولم يجد الرحالة المغربي حرجا في التنويه بالحكومات الوطنية هناك «التي أصبحت بها البلاد سعيدة في عهد الانتداب»(ص240). فالهواري لم يجد تعارضا أوتناقضا بين ما سماه “الحكومات الوطنية” ونظام الانتداب (الاستعماري) المؤطر والموجه لهذه الحكومات!!. وفي تعليقه على مشاهداته في بيروت، كتب بصيغة إطرائية مماثلة  (ص223). فلا مراء أن بيروت، على غرار عدد من المدن المشرقية، تغيرت ملامحها بفعل السيطرة الاستعمارية وما رافقها من إحداث بنيات تحية وتجهيزات ومرافق، لكن الثناء على الانتداب بهذه الكيفية يثير علامات استفهام حول الدوافع التي جعلت الهواري ينحو هذا المنحى، فهل كان لعلاقته الوطيدة بعدد من المسؤولين الفرنسيين في المغرب وخارجه تأثير في موقفه هذا، لاسيما أنه حصل على رسائل توصية من المقيم العام بونسوو من سفير فرنسا في القاهرة كايار ومن الموظف القنصلي لورجو؟!. هل كان الهواري مقتنعا حقا بثمرات أومزايا الاستعمار مهما كانت نوعيته: حماية  أوانتداب…؟

امتعاض من الإجراءات الكمالية

غادر الهواري الشام باتجاه تركيا على متن قطار الشرق الكبير، وفي اسطمبول تحديدا، لمس مظاهر عظمة هذه المدينة (ص251). وفي هذه المدينة المترامية الأطراف، والمليئة بالآثار من مختلف الحضارات والأزمنة، شد انتباهه، كسائر الرحالين والزوار، مسجد آيا صوفيا، الذي كان من قبل كنيسة. انبهر الهواري بهذه التحفة المعمارية. وقد أبدى الهواري أسفه بعد عودته إلى المغرب لما طرق سمعه تحويل هذا المسجد إلى متحف(ص253).

وانبهر الهواري بما عاينه في عدد من متاحف اسطمبول، مبديا إعجابه بسوق الأستانة العظيم. ولاحظ صاحب الرحلة لاسيما في اسطمبول، تقلصا ملحوظا في بعض المظاهر الإسلامية خاصة في نمط التزيي (الهندام)، من ذلك تعويض الطربوش التركي المعروف بالبرنيطة (القبعة)، بفعل الإجراءات التي أقدم عليها زعيم تركيا مصطفى كمال أتاتورك في سياق “عصرنته” لهذا القطر!. ولكن الهواري وجد بالمقابل، أن استبدال الطربوش بالبرنيطة لم يؤثر على ممارسة الشعائر الدينية حيث حافظ طلبة العلم والمصلون على برانيطهم  (ص 253-252). والحالة هاته، تبددت ظنون الهواري، وهو الذي خشي من أن يؤدي إحداث تغيير في الهندام على أداء الصلاة، ومن  ثم زالت صدمة البرنيطة والكبوط! باعتبارهما حائلين مفترضين دون القيام بالشعائر على الوجه الأمثل!

وعلى العموم، لم ينظر الهواري بعين الرضا إلى التدابير التي سنَّها أتاتورك مثل إحلال البرنيطة محل الطربوش أوتحويل مسجد أيا صوفيا إلى متحف، في خضم مسعاه لإضفاء الطابع الغربي على بلاده، ولم يفت الهواري إبداء حسرته على مآل صلات تركيا بباقي مكونات العالم الإسلامي رغم رقيها على النمط الغربي (ص 258)، ولم يقلص من شدة الحسرة، سوى استمرار الأتراك في القيام بشعائرهم الدينية على النحوالمعهود رغم مظاهر العصرنة التي طالت كل شيء في تركيا بما في ذلك الزي!

دهش إزاء التمدن الأوربي

شغلت أوربا حيزا معتبرا في الرحلة الحجية للهواري، بما أنه عبر عددا من أقطارها أوأقام فيها لبعض الوقت، سواء خلال الذهاب إلى الحجاز أم بعد الإياب منه، فقدم وصفا متفاوتا لأبرز المدن الأوربية، وكانت مرسيليا أول مدينة أوربية توقف بها في طريقه نحوالحج، تجول في جل شوارعها، وأهمها المحج الشهير لاكانيبيار La Canebiére، معددا مرافقه والمؤسسات الموجودة فيه ، وعبر عن انبهاره بتدفق حركة السير في هذه المدينة، لاسيما بواسطة الطراموايات الكهربائية. وقام الهواري بشرح نظام عمل الطرموايات، مثل أرقام الخطوط، وأرقام الطرموايات وتذاكر الأداء وما إلى ذلك ( ص47-48).

ومما زاره في مرسيليا، الكورنيش (La corniche)، الذي يضم محلات للسياحة والاستجمام وشوارع جميلة، وولج حديقة الحيوان، أوما سماه «بستان الحيوانات»، فوجدها مليئة بالطيور من مختلف أنحاء العالم (ص48)، وذهب لزيارة متحف لونشان Longchamp)) فوجده مغلقا ولكن شده منظر بنايته الخارجية الجذَابة… . وبما أنه قضى إحدى الليالي في مرسيليا، فإنه اهتبل الفرصة لوصف المنظر العام للمدينة ليلا حيث تتلألأ الأضواء الكهربائية، فقد شدَّ انتباهه أكثر علامات الإضاءة في المحلات لأجل الإشهار(ص50)  .

وتأسف الهواري لعدم تمكنه من زيارة مرافق ومؤسسات أخرى لاسيما مكتب المغرب الذي كان يقدم إرشادات عن المغرب بشأن التجارة وغيرها، ولكنه زار بالمقابل معمل السكر الشهير بسان لويس (Saint louis)، «الذي يستهلك المغاربة من سكره نصف ما يستهلكون من قوت الحياة» (ص 50). والشيء السلبي الوحيد الذي سجَّله عن مرسيليا، كثرة الأدخنة التي تعلوها (ص45). بيد أن هذه الملحوظة لم تربك رؤيته الإيجابية الشمولية عن هذه المدينة لما احتوته من عجائب ولأنها «باب كبيرة من أبواب أوربا ومن أعظم موانئ البحر المتوسط»( ص 50).

وعند أوبة الهواري من الحجاز، وبعد توقفات في بلاد الشام وتركيا، دخل بعض أقطار أوربا الشرقية والبلقان عبر قطار الشرق السريع، ورغم أن العبور كان سريعا، فإن الهواري حرص على تقديم أوصاف وتقييمات مقتضبة جدا عن عواصم ومدن أوربية. فقد وجد صوفيا عاصمة بلغاريا مدينة صغيرة ولكنها «من ألطف المدن الأوربية، واعتبر بلغراد عاصمة يوغسلافيا، من «أجمل المدن المزينة بالمناظر الطبيعية وبالأخص نهر الدانوب الشهير» (ص 261). غير أن انبهار الهواري كان أشد لما عبر بعض المدن الإيطالية، فهي «بهجة للناظرين لكثرة فلاحتها وأنهارها ومناظرها الطبيعية»» (ص 262). أطرى الهواري كثيرا على فينيزيا [البندقية] التي نعتها ب «جوهرة الأدرياتيك» (ص 261)، مخصصا حيزا مهما لوصف معالمها ومرافقها، مثلما أبهرته مدينة ميلانو. لقد مثلت آخر محطة في خط سير قطار الشرق السريع، قبل أن يسافر الهواري على متن قطار آخر نحومدينة جنوة الإيطالية، ومنها عبر الحافلة إلى مونتي كارلو(Montecarlo) في إمارة موناكو، ثم انتقل إلى نيس، وبعدها إلى مرسيليا، وأخيرا توجه إلى باريس. وكانت برشلونة الكتالونية آخر المدن الأوربية التي تفاعل معها بإعجاب، فوصفها بأنها «من أعظم المدن الأوربية وأكثرها تدفقا بالمياه وأغزرها خضرا وفواكه» (ص 263).

وعلى العموم، انبهر الهواري بما رآه في المدن الأوربية سواء أقام فيها أم عبرها فقط، ولم تبد منه صيغ السخط أوالنفور مما عاينه فيها من مظاهر الرقي والتقدم، ولم يقم بتبخيسها على عكس ما تردد في رحلات مغربية تمت إلى أوربا خلال القرن 19 وما قبله، حيث سادت فيها النقمة على أوربا ومدنيتها. فرحلة الهواري إلى أوربا تمت في سياق مغاير للرحلات المشار إليها. ثم إن الهواري كانت له رغبة ذاتية ملحة في زيارة أوربا «لأجل رؤية العجائب والاستطلاع» (ص 27)، وهوما لم يتوفر لدى رحالي القرن 19 وما قبله لأنهم زاروا أوربا في إطار مهام رسمية، بناء على طلب السلاطين وبتوجيه منهم!!.

تبديد أوهام المشارقة عن المغرب

حينما زار الهواري باريس، في طريق العودة إلى المغرب من الحجاز، استغل الفرصة للحديث عن المسجد الموجود في العاصمة الفرنسية ومديره الشهير قدور بن غبريط، مثنيا على السياسة الاسلامية لفرنسا، ومن ضمنها تشييدها لمسجد باريس. ومعلوم أن فرنسا وعدت ببناء هذا المسجد في سياق اعترافها بالجميل للمسلمين ولاسيما مسلمي شمال إفريقيا الذين شاركوا في مجهودها الحربي خلال الحرب العالمية الأولى وهوالمسجد الذي تم تدشينه رسميا عام 1922، وحضره محمد السايح[16] والقاضي محمد الهواري والد صاحب الرحلة لأجل تحقيق سُمْتِ قِبْلته… .

وارتباطا بالسياسة الفرنسية، وبما أن المغرب كان تحت سيطرة فرنسا، فإن الهواري حرص على إبراز حجم تطور المغرب في ظل نظام الحماية، ففي حديثه عما استفاده من زيارته لعدد من الأقطار الأوربية، إثر رجوعه من الحج، تطرق لبعض تجليات تقدم المغرب بنبرة لا تخلومن غلوومبالغة لاسيما استحضاره، في إطار مقارنة جزافية، ما عاينه في أوربا. «إن بلاد المغرب قد تقدمت في مضمار الرقي شوطا بعيدا، إذ كل ما وجدناه هناك [أوربا] من تعبيد الطرق ونصب السكك الحديدية وتشييد القناطر وبناء المحطات وغير ذلك وجدنا له في بلادنا نظائر كثيرة» (ص 265). وللبرهنة على ما أورده بشأن تسلق المغرب لمدارج الرقي، قام الهواري بتثبيت ثلاث صور. واحدة عن محطة السكة الحديدية في الدار البيضاء، وصورتان عن القطار الكهربائي بالمغرب (ص 267). وعزز صاحب الرحلة الصور بتعليق لخص فيه موقفه مما كان يتردد حول تخلف المغرب. «ليعلم من ذلك بعض الذين يجهلون حال المغرب ما بلغه في طور الحضارة الحديثة، وقد رأينا ذلك من الضروري لإظهار بلادنا في الخارج بالمظهر اللائق بها» (ص 267-265). هذا الخطاب الدعائي المترع بحمولة وطنية ونزعة اعتزاز قوية بالذات، ما كان رائجا في المشرق عن المغرب، إذ كان المشارقة يرمقون المغرب بالتخلف، فحرص على نقض ما هومتواتر لديهم.

والواقع أن حديث الهواري عن جهل المشارقة بالمغرب وسعيه في تبديد تصوراتهم الخاطئة عنه، أمر تواتر في الرحلات المغربية اللاحقة على رحلته، فابن زيدان، اعتبر هذا الموضوع أحد أبرز مساعيه خلال زيارته للمشرق بضع سنوات فقط بعد رحلة الهواري.

(يتبع)

 

محمد وطاش

عن Romaisae

شاهد أيضاً

“عبد الكريم الخطابي: حرب الريف والرأي العام العالمي”

صدر كتاب “عبد الكريم الخطابي: حرب الريف والرأي العام العالمي” لمؤلفه الطيب بوتبقالت سنة 1997، …

وقفة مع السماع.. 1/4

السمع والسماع له مدلول لغوي يفيد : الاصغاء.. والانصات.. والطاعة.. والاجابة.. والتقبل.. والاستجابة.. وله مدلول …

“التوسع البرتغالي في المغرب”

حظيت ظاهرة الغزو الإيبيري التي ضربت بلادنا خلال مطلع العصور الحديثة باهتمام متزايد لدى قطاعات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: