فصل مجهول من تاريخ العلاقات المغربية الصينية : فيلسوف طنجيّ في بلاط الإمبراطور قبلاي خان

أثناء بحثي في «دار الكتب والوثائق القومية» بالقاهرة لفت انتباهي كتاب مخطوط لمؤلف مغربي أصله من مدينة طنجة، ولما اطّلعت عليه تَبيّن لي أنه لم يكن كاتبا عاديا وإنما كان فيلسوفا كبيرا، وكتابه المشار إليه الذي سَنُقدمه للقراء ليس من النوع الفلسفي المحض، ولكنه يدرج ضمن تآليف الجدل الديني، وعلم الكلام، أو مع التفاسير التي تستند إلى بعض النظريات الفلسفية، ويظهر من فصول الكتاب أنّنا إزاء عالم مُتَمَكِّن من الفهم الصحيح لكتاب الله العزيز، على أنّ المنازع الفلسفية مهيمنة على تفكير الكاتب، يُطَعِّمُ بها آراءه ورصيده من المعرفة السُّنِّيّة بين حين وآخر.

مخطوطة الكتاب :

تحتفظ «دار الكتب والوثائق القومية» بالقاهرة، بمخطوط مُفَهرس ضمن كُتُب «علم الكلام» تحت رقم: 151 . (فيلم رقم: 6774). عدد أوراق المخطوط: 106 ورقة. (مقاس: 21/15). سُجِّلَ على وجه أوّل ورقة من المخطوطة عنوان الكتاب كالتالي: «كتاب الآيات المتلوة في الانباء عن النبوة». وثمة في ديباجة الكتاب زيادة في العنوان المذكور، وهي مما استدرك به في الهامش، فقد أراده المؤلف كما يأتي: «الآيات المتلوة في الإنباء عن النبوة [وتوابعها المعلوّة]». وحتى تتبين لنا بعض البيانات عن المؤلف وكتابه يُستحسن أن نأتي بنص مُقَدِّمة الكتاب قبل أن نرجع إلى تحليل تلك البيانات في محاولة للإمساك بعض الخيوط التي تقودنا إلى التَّعَرُّف على سِيرة المؤلِّف وزمنه وكتابه.

  • ديباجة الكتاب :

«بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين. الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى أجمعين، من الملائكة المكرمين، والنبيين والمرسلين، والملوك المقسطين، وجميع عباد الله الصالحين. أَلْهِمِ اللّهم «خاقان الأعظم» من العلم الأعلى، خاصّة الإلهي، ما يرى به الأشياء كما هي؛ ومن العمل الأزكى، خاصّة السياسي، ما يحوز به الفوز غير المتناهي؛ حتى يتيسر له الوصول إلى غايته المضروبة له في الكمال، والحصول على سعادته المهيّأة له في الحال والمآل، إنك سميع الدعاء ذو الجلال والإكرام، لطيف لما تشاء وإن عزّ منه المرام، وبعد:

فلما كان من خصائص خاقان الأعظم الجليلة، وصنائع الله له الجميلة، وأياديه عنده الجزيلة، العُكوف على النظر في الحقائق العقلية، لا سيما الأصلية، والدُّؤُوبُ في البحث عن المطالب الحكميّة، خصوصا الإلهية، كان مما لم يزل عاكفا على النظر فيه، صارفا إليه من فكره ما يستدعيه، دائبا أبدا في البحث عن تدبّره وتحقيقه، طالبا الحقّ فيه بتصوُّرِه وتصديقه، أَمْرُ النبوة وما ينخرط في سلكها، وينتظم في سمطها، ويقفو عقبها، ويرد شربها، من الآثار القدسية في النفوس الإنسية. ثم لمكان ما أتاه الله من بسطة الملك وسعة عرصته في كل ناحية، وأغراه به من اجتلاب ذوي الانتساب إلى فنون العلم وأقسام الحكمة من أقاصي البلاد وأدانيها إلى باب حضرته العالية، اقتضى ذلك اجتماع الملل، المختلفة الآراء، المتباينة الأهواء، بعقوتها، وانحيازهم إلى عالي سُدّتها. وكان مما يخوضون فيه دائما لديه، ويفيضون فيه بين يديه، جاهلا منهم لا يكاد عالما، وقاعدا عما يلزمه من العلم وقلّ به قائما، البوادر التي بدرت من الأنبياء عليهم جميعا السلام، سهوا أو عمدا؛ والهفوات التي صدرت عنهم غفلة أو قصدا؛ فكان من وراء أهل مِلّة الإسلام، إذ كانوا لا غيرهم، الذين آمنوا بما أنزل إلى نبيهم وما أنزل من قبل، لا يفرقون بين أحد من رسله، يبالغون في التشنيع على ما بدر من غير صاحبهم، خصوصا بعض من كان بتلك الحضرة العالية من النصارى الغالية، على صاحب دين الإسلام محمد عليه السّلام، فإنهم كانوا يضيفون إلى صغائر متأوَّلَةٍ له كبائر متقوّلة عليه، متجاوزين من ذلك القليل المطلق إلى الكثير المختلق، ومتعدين السهل الدهس إلى الجزن الضرس، تنفيرا للنفوس، وخاصة نفس خاقان الأعظم الشريفة، عن هذا النبي الكريم، وما أتى به من الدين القويم، وتقبيحا في نظره السليم لمحاسنه عليه السلام في نفسه، وما دعا إليه من الحق والطريق المستقيم. وحين كان يتفق لهذا العبد المثول بتلك الحضرة العالية في الأحايين يُجْرِي له خاقان الأعظم، زاد الله بصيرته ضياء ونورا، ذِكْر تلك التشنيعات، حاكيا لها عن بعض مَنْ بحضرته من أعداء هذا الدين، الطاعنين فيه من غير فهم له، الملحدين في آيات الله بغير علم بها. فكان العبد ينفي عنه مفتراها، ويعتذر عن صادقها، ثم يعرض أن تلك الهنات وأمثالها المحكية عن عامة الأنبياء، عليهم جميعا أفضل الصلاة، مطلب جزءيٌّ له كليٌّ ينسحب عليه هو حاقَّة المعرفة بحقيقة النبوة في نفسها، أعني الخاصة التي بها امتاز النبي عن أشخاص نوعه الإنساني .. ما هي؟ وبلوازم تلزمها لما هي؟ وأخرى تلزم النبي بجهات أخرى له [و فيه]، غير جهة النبوة [فليست مما تقتضيه]، وأنه متى أتقن العلم بهذا الأصل سهل ما استُصْعب من تلك الهنات بأسرها، وانحلّ ما استُشكل من أمرها، حيث يظهر أنها إنما صدرت عنهم لا بما هم أنبياء، بل هم شيء آخر ناس، أو غيره. وتَكَرّر هذا التنبيه من هذا العبد في مقامات عديدة، حتى اتفق له أن طرق الحضرة، زيدت علوا، مُبرِّكا مهنئا بالسنة الجديدة السعيدة، مهنئا بسنة حديد عندهم، سَنَة الحيّة عندهم، في ثاني غُرّتها سلخ جمادى الأولى سنة سبع وستين وستمائة هجرية [667هـ]. فكان أوّل ما استفتح به خطابه من قِبَلها كما وقع النظر عليه منها السؤال عن القرآن الكريم: ما مصدره ؟ وممَّ مظهره؟ ومَن الموحي به ومُلْقيه على قلب محمد مُتَلَقِّيه؟ وهل الإله الحق الواجب الوجود تعالى وتقدّس أم غيره من أهل عالم القدس؟

فعرض العبد الرأي الحق فيه من قول سابقي الحكماء الإلهيين، ومحققي العلماء الإسلاميين، المصرحة به أيضا آي عديدة من الكتاب المبين، ملفقا بين الطريقين للفريقين، حسبما أمكن منه الوقت ووسعته الحال، حتى جرى في ذلك من المقال ما لاق بذلك المقام. ثم انجرَّ الكلام – باعتراض مَنْ حضره من النصارى إيّاه- إلى معنى آخر من لواحق هذا المعنى، هو شرعية الجهاد في هذا الدين وغيره من الأديان الكاملة، شُرح الحال فيه حسبما صدر به يومئذ الأمر الأعلى مُستوفى البيان في مُشَرَّسَةٍ أخرى. نعَم، فَفَهِمَ العبد من تصدير مفاتحة خطابه بهذا السؤال مَزيد اهتمام من الحضرة، زِيدت علوا، بأمره، وفَضْل تَطَلُّعٍ إلى كنهه، إذ كان حاصله من استكشاف أن ما يسمعه النبي من الوحي ممن يسمعه هو ما كان العبد يُحيل حلّ تلك الشُّبَهِ من بوادر الأنبياء على تَقَرُّرِه وإتقان العلم به [من حقيقة النبوة وكنه الوحي، وبالحملة الخاصيّة التي امتاز بها النبي عن أشخاص النوع]. فرأى – حينئذ- من الواجب اللازب، والحَتْم الجزم، بيان ذلك حسبما اقتضاه السؤال، وواتاه الحال. فحين انصرف من ذلك المقام، شرع فَعَمل هذه الرسالة».

هذا هو المقطع الأوّل من نص ديباجة كتاب «الآيات المتلوة في الإنباء عن النبوة وتوابعها المعلوّة» لجمال الدين محمد بن يحيى بن سليمان الأزدي الطنجيّ المغربيّ.

فمن يكون مُؤَلِّف هذا الكتاب ؟

وفي أي زمن عاش ؟

ومن يكون الخاقان الأعظم الذي كان الطنجي يتردّد على مجلسه العلمي والذي كان سببا في إنتاج هذا الكتاب أو الرسالة كما يُسَمِّيه المؤلِّف ؟

أمّا المؤلف فقد سُجِّل اسمه على ظهر الصفحة الأولى للمخطوطة، تحت عنوان الكتاب، كما يأتي: «الإمام العالم جمال الدين محمد بن يحيى بن سليمان الأزدي الطنجيّ المغربيّ». ونشير أن النص يتضمن تصحيحات وزيادات بخط المؤلف أو «مُرَتِّب الرسالة» كما سَمَّى نفسه. فالمؤلف – إذن- مغربي من طنجة، وهو أزديّ النسب، وأُرَجِّح أن تكون أصوله أندلسية. أمّا الزمن الذي عاش فيه فإنه يرد بآخر كتابه تاريخ 668هـ، وفيما يلي نصّ قَيْد الانتهاء من انتساخه: «فرغ من كتابته في اليوم الثاني والعشرين من ذي القعدة سنة ثمان وستين وستمائة هجرية. والحمد لله وحده، وصلواته على رسوله وعبده محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وسلم كثيرا». ثم قُوبل الكتاب مرة أخرى على نسخة مصحّحة في الثالث من جمادى الآخرة سنة 672هـ.

وإذا كانت نسبة «الطنجي المغربي» تسمح لنا بأنْ نُقَرِّر باطمئنان بأنّ المؤلف من أهل المغرب، وبأنّ مدينة طنجة مكان ولادته. فإنه لم يمكننا العثور على تاريخ محدد لتلك الولادة، وبالتالي فتحنا باب التكهن والتقدير وقُلنا إنّه ربما حدثت ولادته في أواخر العقد الأوّل أو أواسط العقد الثاني من القرن السابع الهجري. وهو تقدير معقول بالنسبة إلى تاريخ تأليفه للكتاب والفراغ من مراجعته وهو عام 672هـ. وثمة عناصر في ترجمته لم نعثر بخصوصها على أيّة بيانات من ذلك أسماء الشيوخ الذين أخذ عنهم العلم من مغاربة وأندلسيين، كما أننا لم نعرف متى رحل عن المغرب؟ ولا البلدان اجتاز عليها أو التي استوطنها؟ لكن يبدو لي، من خلال تأليفه الوحيد الذي وصل إلينا، أن هذا الفيلسوف الطنجي وصل إلى البلاد المشرقية عالما مُزَوَّدًا بالعديد من المعارف، إن لم نقل مكتمل الأدوات العلمية. وإذْ يصحّ هذا الافتراض المعقول فإنه لا يمنع أن يكون الطنجي قد استكمل في المشرق معارف كان قد بدأ تحصيلها في المغرب، فجلس إلى علماء الديار العراقية والشامية والمصرية، وتردّد من أجل ذلك على حواضر الشرق الكبرى التي كانت تعيش أوج ازدهارها الفكري كبغداد ودمشق والقاهرة، وفي غيرها من مدن الشّرق العِلْمِيّة. وثمة إشارات في فقرات من كتابه «الآيات المتلوة» تُفيد أنه اجتاز على مصر القاهرة، هذا ما يُفْهم من قوله عن الخليفة الفاطمي الحاكم: «وكان قد رصد الكواكب بنفسه، وموضع رصده معروف اليوم تحت القلعة من جبل المقطم شرقيّ مصر». كما عثرنا على نصّ، في كتابه المذكور، لا يدع أيّ مجال للشك في أنّه سكن بلاد الشام، قال: «ومن المتأخرين المقاربي عصرنا في وسط المائة السادسة للهجرة النبوية السلطان نور الدين محمود بن زنكي صاحب الشام فعّال الخيرات الجاري الصدقات المشهور الكرامات، فقد سمعتُ عنه أيام المقام بالشام». وإذا ربطنا اسم متملك المخطوطة «محفوظ البغدادي»، وبين ما ورد في وقفية الكتاب التي تُفيد أنه جرى تحبيسه أوّلا سنة 692هـ، ثم حُبِّسَ ثانية على خزانة زاوية سفح جبل قاسيون بصالحية دمشق بتاريخ المحرم من سنة 695هـ، فإنّه يُمكن أن نتصوّر أنّ جمال الدين الطنجي كانت له جولات بالعراق والشام، وأن وفاته ربما حدثت بدمشق في التاريخ الأوّل (692هـ) أو قبله بقليل. ثمة في حياة جمال الدين الطنجي مراحل مجهولة بالكامل، ناهيك عن مسيرته العلمية المرتبطة بأماكن القراءة وبأسماء الشيوخ والمواد التي قرأها عليهم. فصولٌ طويلة من حياة هذا الطنجي لا نعرف عنها أيّ شيء، ولو لم يصل إلينا كتابه «الآيات المتلوة» لما علمنا بوجوده أصلا. فمن خلال هذا الـتأليف فقط نتعرّف على عالم مغربي من طنجة قذفت به صروف النوى إلى المشرق، ولا شك أنه وصل المشرق بزاد معرفي كان قد اكتسبه بالمغرب، لا نعرف قدره الآن، بيد أننا نظن أن التحصيل الأكبر والعميق للمعرفة الفلسفية تَوَفَّر عليه الطنجي بالمشرق، وذلك بسبب التضييق الذي كان مضروبا على الفلسفة والمنطق بالمغرب والأندلس، وعَدَا هذين العلمين فإننا نعتقد أن جُلّ مناهل الطنجي العلمية كانت عن علماء العُدْوَتَيْن.

  • يتبع

د. رشيد العفاقي

عن Romaisae

شاهد أيضاً

“قضايا في التاريخ العربي المعاصر”

استطاعت تيارات القومية العربية التي ملأت ساحة المشرق العربي بزوابعها الفكرية والسياسية والإيديولوجية خلال عقود …

مطابقة الكلام لمقتضى الحال..

1 / كنت في الآونة الأخيرة  مشدودا مندهشا وأنا أراجع مشروع كتاب جديد لأحد أعمدة …

الفقيه العدل، الأديب محمد بن أحمد بن علال البختي الودراسي ثمّ التطواني

أسرة البختي بودراس: تنتمي أسرة البَخْتي إلى قبيلة وادراس، القريبة من تطوان، وهي أسرة عريقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: