قدرنا من قدر البشرية

في الوقت الذي يشكو فيه العالم من التطرف العرقي والإثني و كذلك الديني في مناطق عدة من العالم، وحيث يسلط الضوء بالأساس على العنف المرتبط بحركات وتيارات “إسلامية” سواء داخل بلدانها نفسها أو خارجها، تتعدد المبادرات -بمناسبة شهر رمضان وغيره من المناسبات الدينية لدى المسلمين- التي تهدف إلى إشاعة التسامح الديني، من طرف شخصيات رسمية و غير رسمية مؤثرة في الغرب، حيث تسارع هذه الشخصيات إلى تقديم التهاني إلى كافة المسلمين، خاصة وأن مجالات مختلفة تبرز فيها أسماء مسلمة ومنها المجالات العلمية و الأدبية و الفنية و الرياضية، وعلى وجه التحديد كرة القدم التي تحتضن مواهب مشهورة في كل البطولات الأوروبية.

إن تبادل التهاني بين الديانات والهويات المختلفة ليس أمرا غير ذي بال، وإنما هو وجه من وجوه التعبير عن حسن النية تجاه الآخر ومد اليد له، والرغبة في التعايش الإنساني ونبذ الخلاف المبني على أوهام الانغلاق والتفوق والحقائق المطلقة، وإشاعة الحق في الاختلاف كشرط إنساني مبني على حقائق تاريخية وجغرافية موضوعية نسبية متباينة -لم يختر أحد لنفسه أين ومتى يولد و والديه في هذا العالم-.

و تزداد قيمة مثل هذه الالتفاتات المتحضرة التي تعكس حسا إنسانيا نبيلا وتجسد سلوكا مدنيا ساميا حينما نرى أن بعض الأصوات النشاز التي تزعق في كل وقت وحين، جعلت الغرض من خطاباتها وكثفت أهدافه في نفث الشقاق بين الشعوب وبين الهويات المختلفة و زرع الفرقة حتى داخل الشعب الواحد المتعدد الديانات والإثنيات…، و في بعض الأحيان رفض كل تأويل للنصوص الدينية في ارتباطها بإشكالات الواقع المعقدة ومحاولة فرض التأويل الوحيد الأوحد، وإن كان تاريخ الديانات، على خلاف ما يعتقد البعض، لم يعرف يوما ما وحدة في التأويل و الدلائل بين أيدينا كثيرة.

إن عصرنا الموسوم بالعولمة، لن تخفت فيه وتيرة التبادلات بين الشعوب والهجرات من مناطق إلى أخرى خاصة من تلك المحدودة الموارد إلى المتقدمة والغنية، بل إن مصائر الأفراد والجماعات ستعرف مزيدا من التعالق والتداخل والاختلاط، فقليلة هي البلدان التي تحتفظ الآن بصفائها الديني و الهوياتي، ويكفي أن نذكر هنا أن مليارا و ثمانمائة مليون مسلم، و ملياري و ثلاثمائة مليون مسحيي…لاينحشرون في مكان واحد بل هم موزعون على خريطة العالم، و أوروبا وحدها يقيم بها، على تفاوت في النسب بين البلدان، أكثر من ستة في المائة من المسلمين، وهو رقم مرشح للارتفاع بسبب الهجرات المتتالية بين الأجيال وخاصة الشباب سواء أكان مؤهلا أم لا- يمكن هنا أخذ نسب بعض استطلاعات الرأي حول الرغبة في الهجرة إلى الغرب على محمل الجد-  و عامل التكاثر…

إن من يزور بلدان الغرب يقف مندهشا كيف أن التنوع الإثني والعرقي والديني أضحى حقيقة فاقعة لا يمكن بحال من الأحوال تجاهلها أو القفز عليها، وهي حقيقة عاشتها منذ قرون البلدان والحواضر التي جسدت تطور وازدهار الحضارة الإسلامية، لكن، ويا لمفارقة الزمن، هناك ميلا لتبخيس هذا المعطى التاريخي  الإيجابي والحضاري المشرق وضربه عرض الحائط، وكأننا أمام إصرار على اغتيال العقل والذاكرة.

العصر الذي نعيش فيه، رغم دعوات، ممن في قلوبهم مرض، رسم الحدود وطلب تشديد الرقابة عليها هنا وهناك إبان الأزمات الاقتصادية خاصة، علينا أن ننظر إليه بعين جديدة ونستعد له قبل فوات الأوان، لأنه عصر السباق نحو التأثير والتموقع ليس بالديماغوجية والاستسهال والتقوقع على الذات والنرجسية الفارغة، فكما دخلت الحضارة الإسلامية لقلوب الملايين و بيوتهم في شتى أصقاع العالم حينما قويت شوكتها الحضارية، فإنها وغيرها من الحضارات والديانات لن تدخل قلوب الملايين وبيوتهم حاليا ومستقبلا إلا إذا عرفت كيف تتعايش و تتحاور و تتبادل سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات، فسواء أكنا في بلدان و حواضر الشرق  أم الغرب أم الشمال أم الجنوب في العالم علينا أن نعمل جاهدين حتى لا ننقاد لمن يزرع الكراهية و الرعب و المآسي…والدخان، لأن في ذلك خيانة للحياة و للنفس البشرية، وإنما علينا أن نصطف مطمئنين إلى جانب من يبذر الخير والجمال والتآلف…والقطوف، لأن في ذلك روح ومعنى الحياة وإحياء للنفس البشرية. هذا قدرنا الجماعي، قدر البشرية؛ وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

عبدالحي مفتاح

عن Romaisae

شاهد أيضاً

الدكتور بدر العمراني وجهوده في التحقيق

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين. السلام على جلة العلماء، وخيرة الباحثين، …

آثار كورونا: المنحة والمحنة..

يعتبر موضوع “التعليم عن بعد” حديث الساعة لارتباطه بالجائحة، في حين أنه اتجاه عالمي وأحد …

دور الإعلام في مقاربة جائحة كورونا.. انتصار “التقليدي”

فيروس كورونا هذا الفيروس الصغير جدا الغير مرئي الذي ضرب العالم من دون هوادة ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: