من المعلوم أن مؤسسة العلماء بالمغرب ساهمت بشكل كبير في مقاومة الاستعمار والمطالبة باستقلال، وذلك من خلال دعم الحركة الوطنية وبلورة فكرها وتوجيه مسارها، ونشر الوعي الوطني والديني بين الناس، إيمانا منها برسالتها الدينية والوطنية، ورغبتها الصادقة في سيادة الأمة وعزتها وكرامتها. فكانت هذه المساهمة لها دورها المهم في تأطير المجتمع المغربي وتحريك روح الوطنية.
مساهمة رفع لواءها علماء جهابذة من خلال ما سطروه في مؤلفاتهم ومقالاتهم، وبينوه في خطبهم ودروسهم الدينية من أجل تحفيز الناس على المقاومة، ورفض كل مساومة، وترسيخ القيم الدينية والوطنية، وتقوية اللحمة، وجمع اللمة، وتوحيد الأمة.
فكان من أوائل العلماء من طالب باستقلال المغرب وتحريره من نير الاستعمار، هو العلامة محمد العتابي؛ الذي يعد أحد أبرز علماء القرويين المتعمقين في المعارف، وأحد رواد الحركة الوطنية الذي دافع عن “القضية المغربية” من خلال تنظيم سلسلة من الندوات ونشر عدد من المقالات في الجرائد والصحف العربية، عرى فيها حقيقة نظام الحماية ومعاناة الشعب المغربي وطالب باستقلال المغرب استقلالا كليا، وبذلك يعد الشيخ محمد العتابي من المناضلين الأوائل الذين رفعوا شعار استقلال المغرب.
ومن نماذج هذه الصفوة من العلماء الأفذاذ الذين ناضلوا من أجل استقلال المغرب العلامة المفسر والأديب والمناضل محمد المكي الناصري (1906– 1994) وهو من رجال الحركة الوطنية، وكان وزيرا للأوقاف والشؤون الإسلامية، ورئيسا للمجلس العلمي بولاية الرباط سلا، عمل من خلال سلسلة من الخطب والمواعظ والكتابات على فضح حقيقة الاحتلال، فألف كتابين الأول تحت عنوان ” فرنسا وسياستها البربرية في المغرب الأقصى ” والثاني ” موقف الأمة المغربية من الحماية الفرنسية
ومن كوكبة هؤلاء العلماء المناضلين الأستاذ العلامة عبد الله كنون( 1908 – 1989)، الفقيه والأديب والكاتب والمؤرخ والشاعر، أمين عام سابق لرابطة علماء المغرب، وأحد رواد إرساء قواعد النهضة الأدبية والثقافية والعلمية بالمغرب. ومن أفضل ما كتب في مرحلة بلغ فيها المغرب شيئا من الضعف بسبب الاستعمار الغاشم كتابه الماتع” النبوغ المغربي”، وبغض الطرف عن قيمة الكتاب الأدبية التي تؤكد إسهام المغاربة في الأدب العربي، فإن له قيمة ثقافية وطنية كبرى، فهو يخلد مجد المغاربة الحضاري والفكري والأدبي، ذلك المجد الذي سعى الاحتلال إلى طمسه وتشوهيه وقطع صلة المغاربة به؛ لقد كان كتاب “النبوغ” صَدّاً لــــ “التهجمات الاستعمارية على المغرب في الميدان الثقافي والعلمي والديني والافتراء والتزييف والأباطيل””. ووعى الاحتلال الإسباني خطر الكتاب عليه، فمنع تداوله!
ومن تلك الثلة المباركة: العلامة محمد المختار السوسي، الذي جعل مراكش منتهى رحلته ومنطلق دعوته، لتاريخها الحضاري وأهمية موقعها الجغرافي، وكذا وطأة المحتل عليها، فقد كانت “تعاني من كبت أنفاسها من خلال سياسة استعمارية صارمة، في هذه الظروف العصيبة لم يتخل المختار السوسي عن واجب البيان وعدم الكتمان، فقد جعل من زاوية والده بحي الرميلة مدرسة، غايتها تحفيظ أبناء المغاربة القرآن وتعليمهم العربية، وتلقينهم التاريخ ومبادئ الوطنية، صونا لهويتهم وحماية لهم من التغريب، وإعدادا لهم لمقارعة الاحتلال والعمل لنيل الاستقلال. وإلى جانب ذلك ألقى دروسا في المساجد المراكشية، لم يكتف فيها بالتوعية الدينية، بل تعداها إلى التوعية الفكرية والسياسية.
ومن نماذج هذه الفئة كذلك الفقيه الأديب محمد داوود التطواني الذي كان الدور البارز في مناهضة الاستعمار، حيث أنشأ مجلة” السلام ” وهي أول مجلة عربية وطنية حرة استقلالية في عهد الحمايتين الفرنسية والإسبانية على المغرب، وجعل شعرا لها” الإسلام، العروبة، والمغرب”. وأبرز كتاباته في هذه الفترة موسوعته التاريخية ” تاريخ تطوان”.
إن فئة “العلماء” حظيت طيلة تاريخ المجتمعات الإسلامية، بدرجة عالية من الحظوة الاجتماعية، باعتبارها تستمد مشروعيتها من المرجعية الدينية، وباعتبارهم “ورثة الأنبياء”.
وفي تاريخ المغرب، حظيت هذه الفئة -ومنذ عصر المرابطين- بدور بارز في التوجيه والتأطير الديني والسياسي، إذ عمدوا الحفاظ على الأصالة المغربية والتراث الحضاري الإسلامي، بل إنهم حافظوا على خصائص شرعية الدولة بوصفهم أوصياء على مصالح الأمة...
إن الحديث عن دور ومساهمة مؤسسة علماء المغرب في مقاومة الاستعمار والمطالبة بالاستقلال، وإبراز رسالتها الدينية والوطنية في سيادة الأمة وعزتها وكرامتها، حديث يصعب الإلمام به في هذه العجالة وفي هذا الحيز الضيق. رغم أن حديثا كهذا يتطلب الإسهاب والتوسع لأهميته وشدة الحاجة إليه، فقد اكتفيت بهذه الومضات المختصرة عن بعض شخصيات علمية كبرى، كان لها نصيب في مقاومة الاحتلال ومقارعة مشاريعه التغريبية بالقلم والفكر والخطابة.
حديث، أملته مناسبة الذكرى{ 70} لاستقلال المغرب الذي نخلد ذكراه العظيمة هذه الأيام.
عمر محمد قرباش









































































PDF 2025

