قيـام الامـارة:
شكلت حالة الضعف والوهن التي دبت في أوصال جسم دولة الموحدين وبوجه خاص بعد موقعة العقاب المشؤومة سنة 609هـ دافعا قويا لتحول بعض مدن الغرب الإسلامي ومنها سبتة عن طاعتها وتقديم ولائها لقوة جديدة تمثلت بالدولة الحفصية التي قامت غي افريقية “تونس”سنة 625هـ، إذ أرسل حاكمها المعروف بابن خلاص البلنسي سنة 643هـ وفدا برئاسة ابنه في أسطول يحمل هدية إلى الأمير الحفصي أبي زكريا يحيى .ولكن الأسطول غرق بما فيه وكان رد الأمير الحفصي إرسال ابن أبي خالد البلنسي، وابن الشهيد الهنتاتي لحكم سبتة، وذلك سنة 644هـ، “فاستوطنا قصبتها وأضر ابن أبي خالد بأهلها ” وهذا ما أثار الحقد والضغينة بينه وبين قائد الأسطول أبي العباس الرنداحي .ولما توفي الأمير أبو زكريا الحفصي، وبويع ابنه الملقب بالمستنصر، “ضاق أهل سبتة غاية التضييق من جور ابن أبي خالد وتغافل ابن الشهيد، فاجتمع القائد الرنداحي مع الفقيه المعظم أبي القاسم العزفي فحرضه على القيام بأمر بلده وأن يعينه على ذلك…”
ووعده أيضا بأخذ الأمر على عاتقه، وتحقيق هذه المهمة بنفسه ووافقه أبو القاسم محمد العزفي، وقام الرنداحي بوضع خطة تم بموجبها القبض على ابن أبي خالد وقتله وتعليقه على سور المدينة، ونفي ابن الشهيد الى الأندلس.
وأعلن أبو القاسم العزفي إمارته على سبتة واستقلاله بها وذلك في سنة 647هـ /1266م أيام الخليفة عمر المرتضى الموحدي.
“وبقي بها مسرورا معظما مبرورا، ولم يزل أهل بلده يعظمونه بغاية الإعظام والتوقير لجانبه والاحترام ،فهو من جلة الفقهاء الأعلام.
ثم قام بضم طنجة حيث تقدم أهلها بطاعتهم إليه عندما شاهدوا ضعف وتدهور سلطة الموحدين وظهور قوة المرينيين، فقام بإرسال قوة من الرجال والرماة على رأسهم القائد ابو الفضل العباسي وكان من كبار أعيان سبتة وبصحبته يوسف بن محمد بن الأمين، وبعد توطيد الوضع في طنجة، عاد القائد أبو الفضل إلى سبتة وترك ابن الأمين واليا عليها، وبعد مرور سنة، استبد ابن الأمين بطنجة وانشق عن أبي القاسم العزفي،”وخطب لابن أبي حفص صاحب إفريقية ثم للخليفة العباسي صاحب بغداد ثم لنفسه، وسلك في طنجة مسلك العزفي في سبتة…حتى إذا ملك بنو مرين المغرب وافتتحوا معاقله وحصونه وهلك الأمير أبو بكر بن عبد الحق وابنه أبو حفص عمر من بعده فتحيز بنوه في أتباعهم وحشمهم إلى ناحية طنجة وأصيلا فأوطنوا ضاحيتها وعاثوا في نواحيها وضيقوا على أهل طنجة حتى شارطهم ابن الأمين على خراج معلوم على أن يكفوا الأذية ويحموا الحوزة ويصلحوا السابلة …ثم مكروا وأضمروا الغدر فدخلوا في بعض الأيام متأبطين السلاح وفتكوا بابن الأمين، فثارت بهم عامة أهل طنجة واستلحموهم لحينهم في مصرع واحد سنة خمس وستين وستمائة ،واجتمعوا على ولده فبايعوه وبقيت في ملكته خمسة أشهر”.
ولكنهم خافوا من بطش بني مرين، فاستغاثوا بأبي القاسم العزفي،”فاستولى عليها أبو القاسم العزفي فنهض إليها بعساكره من الرجال برا وبحرا وملكها، وفر ابن الأمين فلحق بتونس ونزل على المستنصر الحفصي واستقرت طنجة في إيالة العزفي فضبطها وقام بأمرها وولى عليها من قبله وأشرك الملأ من أشرافها في الشورى”.
وضم أبو القاسم العزفي إلى إمارته مدينة أصيلا حيث دخلتها قواته البحرية سنة 663هـ ،وقامت بهدم أسوارها وقصبتها لأنه خاف أن يسيطر عليها العدو ويتمنع فيها.
وإذا كان تولي مقاليد الحكم في مدينة سبتة، قد حظي بالرضى والترحاب من أهل سبتة، فإنه لقي أيضا قبولا ومؤازرة من الدولة الموحدية “وعقد المرتضى لأبي القاسم العزفي على سبتة مستقلا من غير إشراف أحد من السادة ولا من الموحدين … واستقل الفقيه أبو القاسم العزفي برئاسة سبتة وأورثها بنيه من
بعده “.
وأدركت دولة الموحدين أيضا أهمية سبتة وطنجة منذ نشأة دولتهم “كانت هاتان المدينتان – سبتة وطنجة من أول دولة الموحدين ،من أعظم عمالاتهم وأكبر مماليكهم ،بما كانت ثغر العدوة ،ومرفأ الأساطيل ،ودار الإنشاء الآلات البحرية ،وفرضة الجواز إلى الجهاد ،فكانت ولايتها مختصة بالقرابة من السادة بني عبد المومن”.
ولهذه الأهمية الاستراتيجية ،عقد الموحدون لأبي القاسم على تسيير شؤون مدينة سبتة نظرا لأهميتها الاستراتيجية، لما كان يتمتع به من حنكة ومهارة في الامور السياسية الداخلية والخارحية “ومن حسن حظ سبتة ولاية بني العزفي عليها في هذه الفترة التي كان المغرب فيها يموج ويعج بالأهوال والأوجال ،من جراء انتقال الملك من الموحدين الى المرينيين ،فبقيت بمنحى من الفتنة ،وما يصحبها من اضطراب الاحوال ،إذ قام رؤساؤها الجدد بضبطها وتحصينها حتى انتظم أمرها واشهر ذكرها…
وهم مع ذلك عاملون على تنشيط الحركة العلمية والأدبية والأخذ ببعضها ،بما كان لهم من ميل صادق إلى المعرفة ومشاركة طيبة في فنونها “.
أســرة بني العـزفـي:
تنتمي أسرة بني العزفي الى احدى بيوتات سبتة النبيلة المشهورة بالعلم والفضل والصلاح ،”ينتهي نسبهم إلى قابوس بن النعمان بن المنذر”. وهناك من أهل سبتة من شكوا في نسبة العزفيين الى لخم.”وتزعم بعض أهل سبتة أن أصلهم من مجكسة البربر”.
يبدأ تاريخ العزفيين مع الفقيه العالم أبي العباس أحمد العزفي ،ولد في السابع عشر من رمضان المعظم سنة 557هـ ،وتوفي في رمضان سنة 633هـ ،ودفن بمقبرة زكلو بسبتة .
وقد توسع أبو الحسن الرعيني في ترجمة أبي العباس العزفي بإيرادها من بين شيوخه فقال:”أبو العباس أحمد بن القاضي أبي عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد اللخمي،عرف بابن أبي عزفة ، هكذا كتب لي اسمه بخطه رحمه الله تعالى،من خاتمة أهل العلم بالسنة والانتصار لها،برز علما وعملا ودراية ورواية وجمع خصالا من الفضل جمة،ولزم التدريس بجامع سبتة مدة عمره،ورحل الناس إلى الأخذ عنه والاستفادة منه،…حضرت مجالس تدريسه،وقرأت عليه كثيرا…”.
ولا نعرف متى استقر سلفه في سبتة ،ولكننا نأنس من تعلقه بمدينته وتطوعه للتدريس بها مدة عمره أنه سبتي،ثم لدينا إشارة لابن الزيات في التشوف يقول فيها:”إن جد أبا العباس أحمد بن محمد العزفي من أهل مراكش ،وبها مات سنة 603هـ، وانه كان عبدا صالحا على شدة الفقر معرضا عن الدنيا وأهلها “.
كما أننا لا نعرف شيئا عن أبنائه ما عدا الرئيس أبي القاسم العزفي،وقد ذكر لنا ابن خلدون في كتابه “العبر”أن لأبي القاسم العزفي أخ اسمه إبراهيم ،يقول ابن خلدون :”وفيما حدثني به محمد بن يحيى بن أبي طالب العزفي آخر رؤساء العزفيين بسبتة… وحدثني أيضا بها حسين ابن عمه عبد الرحمن بن أبي طالب وحدثني بها أيضا الثقة عن إبراهيم ابن عمهما أبي حاتم قالوا جميعا :إن أبا القاسم العزفي كان له أخ يسمى إبراهيم وكان مسرفا على نفسه وأصاب دما في سبتة وحلف أخوه أبو القاسم ليقتادن منه ففر ولحق بديار المشرق “.
ويقول المقري :”ونقله (أي نسب العزفيين) في الإحاطة في ترجمة الفقيه المشارك في الطلب والأدب،أبي اسحاق إبراهيم بن أحمد بن أبي عزفة اللخمي ،والى الله ترجع الأمور”.
من هو أبو القاسم العزفي ؟ (607هـ/677هـ)
“هو أبو القاسم محمد بن القاضي المحدث أبي العباس أحمد بن محمد بن الحسين بن الفقيه الإمام علي المعاصر لابن أبي زيد بن محمد بن سليمان بن محمد،الشهير بابن أبي عزفة اللخمي”.
ولد أبو القاسم محمد العزفي في مدينة سبتة عام 607هـ،ونشأ وترعرع في بيت عز ونباهة وفضل”نشأ في حجر أبيه الفقيه الصالح أبي العباس أحمد مكنوفا بالجلالة مغدوا بالعلم والدين”،فأقبل على التعليم جادا في الدرس،أخذ القرآن والعربية والفقه والتفسير والسيرة عن جماعة من العلماء الذين كانت تغص بهم حلقات الدروس المختلفة في مدينة سبتة،وقد اكتملت عناصر ثقافته فأصبح”فقيها عالما بالفقه والأصول والنحو والحديث كما كان شاعرا مجيدا “.
سماه ابن عبد الملك المراكشي في شيوخه الآخذين عن أبي الحسن ابن القطان ،وتحدث عنه في ترجمة شيخ الصوفية في عصره أبي العباس القنجاري دفين سبتة سنة 627هـ .فقال”وتخلف بنتا تزوجها شيخنا الفقيه الأجل الرئيس الأوحد المرحوم أبو القاسم ابن الفقيه الأجل المحدث الرواية السني الأفضل أبي العباس أحمد بن القاضي أبي عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد اللخمي عرف بابن أبي عزفة وينسب لذلك العزفي،أنكحه إياها أبوه المذكور إذ كان أبوها قد عهد إليه بالإيصاء عليها والنظر لها فأداه اجتهاده إلى إنكاحها من ابنه المذكور،فكان في ذلك اليمن والخير والبركة فهي أم أولاده السراة الأماجد الخمسة الأكابر أبقى الله عليهم وعلى أعقابهم بركة أسلافهم “.
ويعلق الدكتور محمد بن شريفة على هذا النص بقوله:وفي النص دلالات واضحة على روابط الوفاء والولاء نحو شيخه المذكور وأسرته ،ولابد أن ابن عبد الملك لقي عندهم أثناء مقامه بسبتة عناية ورعاية وبرورا وتكريما،وقد عرفوا بذلك مع أهل العلم في سبتة كافة “.
وهو الذي أكمل كتاب والده أبي العباس أحمد العزفي المسمى بـ” الدر المنظم في مولد النبي المعظم”،حيث يذكر المقري هذا الكتاب وهو يتحدث عن شيخه فيقول:”وكان الرئيس أبو القاسم المذكور،كتب خطه بالإجازة في هذا الكتاب للخطيب أبي علي ،بن الخطيب أبي فارس بن غالب الجمحي ،مع جماعة من أهل سبتة وأعيانها ،حين قرءوه عليه بالجامع الأعظم من سبتة،في شهر ربيع الثاني ،من عام سبعة وخمسين وست مائة،قائلا :”أجزت له بحق روايتي لما فيه عن أبي، ومشاركتي لم في تأليفه، على حكم الإجازة وشرطها، وصحة الرواية ،عاشر الربيع المذكور”.
ومن خلال نص أحمد المقري ،نلحظ أن أبا القاسم العزفي كان يمنح طلبته الإجازة فيما قرؤوه عليه من كتب في الفقه والحديث والأصول والسيرة النبوية.
ومن تلاميذ أبي القاسم العزفي:ابن عبد الملك المراكشي ،وقد أضفى على أستاذه كما مر معنا نعوتا حسنة في قوله :”…شيخنا الفقيه الأجل ،الرئيس الأوحد المرحوم أبو القاسم العزفي…”.
ومنهم من ليس بسكان سبتة الاصليين “كأبي عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله بن عيسى بن مسعود بن الخضار الكتامي ،تلمسان سكن سبتة،سمع بسبتة على الرئيس الفقيه أبي القاسم العزفي سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم،والدر المنظم،من تأليفه مرات ،وأجازهما له “.
نستخلص بإلقاء نظرة تأمل في مؤلفات أبي القاسم العزفي، يتبين لنا أولا شغفه الشديد بطلب العلم وعناده الكبير في سبيل تحصيله ،واتصافه بصحة الإيمان ومتانة الدين لاسيما في كتابه “الدر المنظم في مولد النبي المعظم”الذي أكمله بعد وفاة والده ،ويعلق المقري على هذا المؤلف في أزهاره بقوله:”ورأيت على نسخة كتبت في حياته أول الكتاب المذكور ما نصه:”قال سالك سنن السنة،القائم من أعمال البر بما يضيق عنه وسع المنة،المعتصم بحبل الله القوي المتين،المعتمد على لطفه الشامل وفضله العميم المبين،الشيخ الفقيه الأجل،العلم الأكمل،أبو القاسم ابن الشيخ الفقيه الإمام،العارف العالم،علم العلماء العاملين المتقنين ،ونخبة الفضلاء الصالحين المتقين،أبي العباس أحمد بن الشيخ الفقيه القاضي العالم المحدث،أبي عبد الله اللخمي ،ثم العزفي ،من أهل سبتة حرسها الله ،وأجزل قسمه من عفوه ورضاه،وأنجح عمله وقوله وقصده. وجعل في ذاته وسبيل مرضاته صدوره وورده “.
وفي موضع آخر من هذه النسخة ما نصه:”السفر الأول من كتاب “الدر المنظم،في مولد النبي المعظم،صلى الله عليه وسلم،وشرف وكرم”لما شرع في تأليفه،ومات ولم يكمله الشيخ الفقيه الصالح،علم العلماء… أكمله بعده،وأوضح فيه قصده ،ابنه الشيخ الفقيه الأفضل،العلم الاوحد ،السني السبتي،المبارك الأكمل ،أبو القاسم،… يذكر فيه بعض ما خص الله تعالى به نبيه صلى الله عليه وسلم، وفضله على من تأخر من خلقه أو تقدم،…ليتخذوا مولده الكريم موسما يبركون به ما كانوا يقيمونه من أعياد النصارى وعوائدهم…”.
لقد وفق أبو القاسم العزفي غاية التوفيق في مهمته التي من أجلها الف كتاب ” الدر المنظم في مولد النبي المعظم” ، وهي القضاء على الاحتفال بعيد مولد المسيح من جانب المسلمين و سن الاحتفال بعيد المولد النبوي في أرجاء المغرب بصفة رسمية لاسيما أيام المرينين .
وله أيضا مؤلف مفقود هو : كتاب” النصيحة لمن كان يرجوا الستر ويخاف الفضيحة”:ذكر في فهرسة السّراج ص:304 في ترجمة أبي عبد الله محمد بن أبي زكريا يحيى بن أبي طالب العزفي المتوفي سنة 768هـ.قال السّراج :”أخذ من علم عم والده الشيخ الفقيه الصالح الورع المحدث القدوة أبي حاتم أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد اللخمي العزفي سمع عليه دوَلاً من كتاب :”سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم “بلفظ والده ،وعن ابنه الشيخ الفقيه الحاج أبي إسحاق إبراهيم سمع عليه كتاب : ” النصيحة لمن يرجو الستر ويخاف الفضيحة”من تأليف جده أبي القاسم محمد بن أحمد وأجاز له إجازة عامة وعن والده سمع عليه دولا من كتاب :” سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم”بسبتة بعد وفاة عمه أبي حاتم الذكور”.
وكان أبو القاسم محمد العزفي أيضا شاعرا مجيدا له مشاركة في النظم.فمن نظمه في آل بيت المصطفى صلى الله عليه وسلم قوله:
وَحُبُّكُــم وَاجِب فِي الدِّينِ مُفتَرَضُ
ذُرِّيـَّــــةَ المُصْطَفَى إِنِّي أُحِبّكُــــُم
إِلاَّ امــرؤٌ مَارَقَ فِي قَلبِــهِ مَــرَضُ
فَلَيسَ يُبغِضُكُم،لاَ كَانَ بَاغِضُكُــم،
خَــيرُ البَرِيَّــةِ هَذَا لَيــسَ يُعتَــرَضُ
وَحَسبُكُم شَرَفاً فِي الدَّهـرِ أَنَّكُــــمُ
إِلاَّ الشَّفَاعَةَ فَهِيَ السُّؤلُ وَالغَــرَضُ
وَلَستُ أَطلُبُ مِن حُـبِّي لَكُم ثَمَنــاً
نتبين من خلال هذه الابيات الشعرية صدقا في صحة عقيدته وحبه الشديد للعلوم الفقهية والعلوم الحديثية وتفضيلهما على ما سواهما ،فكل من ترجم للعزفيين نعتهم بالفقهاء المحدثين السنيين.
استمرت رئاسة أبي القاسم العزفي لسبتة وأحيانا لطنجة وأصيلا حتى وفاته سنة 677هـ،”وعقد الخليفة الموحدي عمر المرتضى لأبي القاسم العزفي على سبتة مستقلا من غير إشراف أحد من السادة ولا من الموحدين”،وكوفئ الأميرال أبو العباس الرنداحي بتعيينه أيضا من طرف الخليفة المرتضى قائدا على أسطول المغرب ومركزه سبتة،”بمداخلة أبي القاسم العزفي كبير مشيخة سبتة لدى الخليفة الموحدي المرتضى، فورثها عنه بنوه إلى أن نحاهم عنها أبو القاسم العزفي،فارتحلوا الى كل من مقالة على ابن الأحمر ومنهم من نزل ببجاية على أبي حفص ولهم في الدولتين آثار تشهد برياستهم “.
علاقة أبي القاسم العزفي مع دولة الموحدين في المغرب:
كان أبو القاسم العزفي يولي احتراما كبيرا للموحدين لهذا نجد الخليفة الموحدي عمر المرتضى في إحدى رسائله الديوانية الموجهة الى أبي القاسم يحليه فيها بقوله :”…وإنا كتبناه إليكم ،كتب الله لكم أحمد عاقبة وأجملها ،وأكنف كلاءة وأكلأها،وأن تعلموا أنا نعتد بولائكم الخالص،ونحفظ مالكم ولسانكم من السوابق والخصائص ،ونشكر نصائحكم التي مازلتم إياها تبذلون،وخدمتكم التي توالون وتصلون ،ونستمد منكم العلم الذي أنتم له مخلصون،والدين الذي على سنته القويم لاتعدلون ، والله يتولاكم بحفظه وصونه،ويجزل حظكم هذا بإنجاده وعونه”.
نستخلص من هذا النص أن أبا القاسم العزفي اتصف بصفات حميدة لدى الخليفة الموحدي “المرتضى”منها :ولاؤه وطاعته له، ثم إخلاصه للعلم ،وإقامته للعدل ،وفي نظرنا أن هذه الصفات هي التي حفظت له البقاء والوجود مدة من الزمن على رئاسة مدينة سبتة.وفي سنة 655هـ/1255م غدر القطراني بالموحدين وانحاز إلى المرينيين وساعد الأمير أبا يحيى بن عبد الحق المريني على دخول سجلماسة واحتلالها والقبض على واليها ،مقابل تعيينه واليا عليها ،وقد نفذ الأمير أبو يحيى وعده وعينه واليا وجعل معه شخصا من بني مرين مع جملة من الفرسان والرجال، ولكن يعد أن تعاظم أمره وكثر أتباعه وازدادت قوته،وجاء خبر موت الأمير أبي يحيى المريني سنة 656هـ/1256م،ثار القطراني على الدولة المرينية واستبد بسجلماسة وفي الوقت نفسه ،خاطب المرتضى الموحدي معتذرا له عما بدا منه من انحياز لبني مرين،ومتقدما له بطاعته وولائه لدولة الموحدين بشرط استقلاله في سجلماسة فوافقه المرتضى وأرسل له الفقيه أبا عمر بن حجاج قاضيا،وجمعا كبيرا من جنده،وسيدا من الموحدين يسكن في سجلماسة من غير استبداد. وقد استقبل القطراني القاضي ابن حجاج والجند ،وصرف السيد ومن كان معه من الموحدين ،وكان قد اتفق المرتضى مع القاضي ابن حجاج وقائد الجند على قتل القطراني بالحيلة،وقد تمكن قائد الجند من قتله ن وعندما هدأت أوضاع سجلماسة واستقرت ،كتب المرتضى بخبر القضاء على القطراني إلى أبي القاسم العزفي.
وفي سنة 658هـ/1258م،بعث الرئيس أبو القاسم العزفي برسالة إلى الخليفة الموحدي المرتضى ،وأهالي السواحل ،يحذرهم فيها من الاستعدادات البحرية لنصارى قشتالة وملكهم في وادي اشبيلية بهدف احتلال مدينة سلا،فمن صدق بتحذير العزفي خرج من المدينة،ومن تأخر ولم يصدق به قتل أو أسر بعد أن تمكن نصارى قشتالة من مداهمة المدينة والاستيلاء عليها،حيث قتلوا من وجدوا فيها من الرجال،وأسروا النساء والأطفال ،وخربوا المساجد والديار،وبعد أن وقع ما حذر منه العزفي ،وجه الخليفة الموحدي المرتضى كتابا إليه يشكره فيه على تحذيره من أمر النصارى،ويسأله أن يكون متيقظا من غدرهم ، وهذا بعض من فصول كتابه:
“وإنا كتبناه إليكم – كتب الله لكم أحمد عاقبة وأجملها وأكنف كلاءة وأكلأها ،وأن تعلموا أنا نعتد بولائكم الخالص،ونحفظ مالكم ولسلفكم من السوابق…وقد طرأ في مدينة سلا جبرها الله سبحانه واستنقذها ما قد اتصل بكم مما كنتم أبدا منه تحذرون وبه لعلمكم بزيادة العدو تنذرون…ووقع المحذور …وهو سبحانه يكافئ سعيكم على ما عرفتهم وحذرتهم لأهل السواحل وخوفتهم من فجأة العدو والمخاتل…وإنا لنشكر لكم ذلكم…”.
وأرسل أيضا الخليفة المرتضى كتاب شكر إلى الرئيس أبي القاسم العزفي تتمينا لما أبداه من جهد في تقديم النصيحة والحذر والتيقظ من الأعداء ،عندما كشف سنة 658هـ/1258م،عن محاولة النصارى إخراج المسلمين من مدينة “شريش” .
وأخذ الخليفة المرتضى برأي أبي القاسم العزفي بإقامة المولد النبوي والاحتفال به،وقبل هديته وهي عبارة عن تكملة مؤلفه الموسوم “الدر المنظم في مولد النبي المعظم”.
وفي سنة 647هـ،وهي السنة التي تم فيها تأسيس الإمارة ،أوفد الرئيس أبو القاسم العزفي القائد الرنداحي على رأس أسطول لمهاجمة السفن المسيحية. وتمكن هذا القائد من القيام بغارة قوية “بقادس” حيث قتل ثمانين من زعماء الروم، وفي سنة 653هـ/1255م قتل الرنداحي “بوادي اشبيلية”حيث كان يضع قطع من أسطوله تغير على ساحل المدينة. ومن أهم الأحداث أيضا خلال مرحلة حكم الرئيس أبي القاسم العزفي ، هو قيام ابن الأحمر سنة 659هـ/1261م باحتلال مدينة سبتة،فقد بعث بأسطوله إلى الجزيرة الخضراء تحت قيادة قائد ظافر،ومنها صاروا يقطعون المرافق الواصلة إليها ويضيقون عليها الخناق،لكنهم وجدوا بالمرصاد أسطول أبي القاسم العزفي القوي بقيادة القائد الرنداحي الذي كسر حصارهم واستولى على العديد من سفنهم كما قتل القائد ظافر وعلقت جتثه في البحر،على حجر السودان ،وطيف برأسه بسبتة ،ثم علق وسمي هذا العام عام ظافر.
- علاقة أبي القاسم العزفي مع دولة المرينيين في المغرب:
بعد أن تم للسلطان أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق المريني (656هـ/1256م-685هـ/1258م) الاستيلاء على دولة الموحدين،بقيت سبتة وطنجة خارجتان عن حكمه وسلطته ،فقرر إخضاعهما قبل أن يبدأ بمهمة الجهاد في الأندلس،فتوجه لحصار طنجة التي كانت تحت حكم العزفيين وحاصرها مدة ثلاثة أشهر ومما ساعده على فتحها سهولة مسلكها ومساعدة بعض جنودها الذين رفعوا راية الاستسلام ونادوا بشعار بني مرين بسبب خلاف وقع بينهم،فاستغل الجند المريني الفرصة،وسارعوا إليهم وتمكنوا من اقتحام طنجة عنوة وإعطاء الأمان لأهلها وذلك في سنة 672هـ/1273م.
ولما فرغ أبو يوسف يعقوب من أمر طنجة ،أرسل ولده الأمير يوسف إلى سبتة فحاصرها،ولكنها صمدت،ثم وقعت معاهدة صلح بين الرئيس أبي القاسم العزفي والسلطان أبي يوسف المريني بشرط أن يحتفظ الأول بحكم سبتة واستقلال بني العزفي مقابل مبلغ مالي ،وهدية سنوية من الأخبية والسلاح والثياب. وليس هناك تفسير لهذا التساهل من الجانب المريني إلا العجز عن تطويق سبتة بحرا من جهة،والاطمئنان إلى حسن الإدارة العزفية وقيامها بمراقبة ناجعة للسواحل البوغازية من جهة أخرى.
ظل العزفيون مركزين اهتمامهم على الجهاد لاستيعابهم الأخطار المحدقة بالإسلام في الغرب الاسلامي ،فوضع الرئيس أبو القاسم العزفي يده بيد المرينيين في جهادهم ضد النصارى في الأندلس،مدفوعا بروح الغيرة الإسلامية لا بقصد التبعية للمرينيين . حيث زود أبو القاسم العزفي العاهل المريني بعشرين قطعة بحرية لاجتياز المضيق بخمسة الآف مقاتل من زناتة سنة 673هـ،وانطلق هذا الجيش من طنجة بقيادة الامير منديل ناجل أبي يوسف،وقام الجيش بغارات في منطقة “شريش”،قبل أن يقرر المغرب التدخل على أوسع نطاق في السنة التالية.
دة. جميلة رزقي









































































PDF 2025


