وقل رب زدني علما…

خص الله سبحانه وتعالى العقل بقيمة سامية ورفيعة ،وجعله أداة للتدبر والحكم في كل ما يتعلق بشؤون الحياة في الدنيا والآخرة. ولاشك في أن ما يتفرد به الدين الإسلامي عن مجمل العقائد والديانات الأخرى بأن كل ما جاء به وما تضمنه من أحكام وتشريعات تأتي متوافقة مع العقل الإنساني المجرد من الأهواء ومنسجمة معه في كل تفاصيلها وجزئياتها.وأن يتميز الإنسان بالعقل ويتمتع بقيمته دون غيره من الكائنات الأخرى فهذا لا يعني أن يتزود بأفضل العلوم والمعارف والثقافات فقط بل أن يجيد استخدامها في إدراك حقيقة وجوده وحقيقة عالمه من حوله ،بل وأن يعمل على تقديم كل خير والمساهمة في كل تقدم حضاري. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز:”فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب”،ففي هذه الآية الكريمة إشارة واضحة  إلى ذوي العقول النيرة الذين لا ينساقون إلى الآراء والمواقف المسبقة بل هم يحافظون على الاستخدام الجيد للعقل أو الفكر علميا وتقنيا وينصتون إلى القول ويتأملون في معانيه وينحازون إلى الحقيقة والمنطق،وقد يبدو هذا الأمر عاديا من الناحية الشكلية مع العلم أن العديد من التجارب والشواهد والمواقف مازالت وستظل تؤكد دوما على أنه بقدر التزود بأحدث الأساليب العلمية والتقنية يتحقق التقدم المنشود والتحضر المبتغى ،وفي المقابل يظل سوء استخدام العقل سببا مباشرا وخطيرا في انتشار التخلف والتأخر عن الموكب الحضاري.

فالعقل المجرد من الهوى لا يمكن أن ينحرف بصاحبه عن جادة الصواب وعن الطريق المستقيم بل إنه يجعله يطيع خالقه بصورة تلقائية وطبيعية ويمضي في إثرها،إذ إن أوامر الخالق تتميز دائما بروح المنطق ولا تخالف الفطرة في شيء ، وبهذا المعنى لم يعد هناك من حجة لأحد في أن يدير ظهره لكل البراهين الساطعة والأدلة الدامغة على وحدانية الله وأنه هو الوحيد الجدير بالعبادة .

لقد كان أول ما نزل من القرآن الكريم قوله تعالى في سورة العلق:”اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم” بل إنه سبحانه وتعالى قد أمر بضرورة مواصلة التعلم وطلب العلم بقوله تعالى:”وقل رب زدني علما” أما المصطفى صلى الله عليه وسلم فقد اعتبر طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة بل واعتبر أن العلماء ورثة الأنبياء..وهذا ما يفسر ورود لفظ العقل ومشتقاته ومرادفاته أكثر من تسع وأربعين مرة والفكر بعدد اثنتي عشرة مرة بينما ورد لفظ العلم ومشتقاته بعدد مأئة مرة..

وهكذا نجد أن الخطاب الإلهي يضع الإنسان في مواجهة الحقائق التي يقرها العقل من الوهلة الأولى لأنها تتكافأ معه،فلا يمكنه التغاضي عنها أو إنكارها لأنها تشده وتبهره بمنطقها وما يتخللها من رموز ودلالات وصوربليغة، وبالتالي يتجنب الإنسان عن اقتناع وقناعة ما نهى عنه العقل والشرع بالنظر إلى أنهما وحدة متكاملة ..وبذلك يمكننا القول بأن أقرب الناس إلى الله سبحانه وتعالى هم الذين يتخذون من العقل مطية في رحلة الإيمان والطاعة ،وأما أبعد الناس عنه فهم أولئك الذين تغيب عنهم سمة العقل الذي يميز بين الحق والباطل وبين الخير والشر ..

إن الدين الإسلامي يأمر بالسير على هدى العلم القائم على التدبر والتفكر ويحث على إعمال الفكر في كل ما يحيط بالإنسان وما يجري من حوله،فلابد من وقفة مع البرهان والحجة والعقل والمنطق بحيث لا يكون الإنسان المسلم عرضة للآراء الهدامة التي تدعو الى العصبية والوسوسة والزيف والبهتان وتجعل صاحبها منساقا إلى الفكر الخرافي المبني على الخيال والشطحات الفلسفية والظنون والوقائع التي لاتقوم على أي أساس منطقي أو حجة دامغة تؤكد صحتها ووجاهتها ،ومبتعدا عن كل ما لا يتفق مع العقل والمنطق السليم والحجة الناصعة ..وهو ما يجعله قلقا على مصيره تائها عن نفسه لا يعرف أين يضع قدميه ولا إلى من يتوجه بأسئلته وهمومه وهو لا يكاد يفيق من دهشته إلا على مزيد  من الأسئلة الحارقة التي تقوده إلى الخواء الروحي.

يقول عز من قائل:”قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا،إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون”(الأنعام 149) صدق الله العظيم.

 

 

د.نجيب الجباري

عن Romaisae

شاهد أيضاً

في رحاب القرآن الكريم 4‪/‬1

منذ سنوات تلقيت دعوة كريمة من سيدي محمد ابن تحايْكتْ رئيس المجلس العلي لمدينة الشاون …

ترنيمة الشهر الكريم

من البديهي أن شهور السنة شيء وشهر رمضان القمري العربي شيء آخر، فهو الشهر الذي …

سرمدية الأذان الواحد في الزمان و المكان

منذ أنْ أذِنَ رسول الله – ص – بالأذان للصلاة إلى الصحابي الجليل بلال بْنُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: