- نادرةٌ هي الشخصيات الفكرية المغربية التي شكّل وجودها لحظة فارقة في تاريخ الفكر المغربي، واستطاعت أن تتبوأ مكانة سامقة في مساره الأصيل والمتجدد، نظير عظيم مواقفها، وعمق تأثيرها في أجيال وراء أجيال علماً وفكراً وسلوكاً ومنهجاً، وإنّ من أبرز الشخصيات المؤثرة في مسار الفكر المغربي واتجاهاته وأجياله، شخصية الإمام الحافظ، الحافل الناقد، أبو الفضل القاضي عياض بن موسى اليَحْصُبي السبتي (543-476هـ).
- حادي الحديث عن هذا العلم العالم نصّان، أحدهما: للعلامة محمد بن تاويت الطنجي، يقول فيه: “وعياضٌ في الشرق والغرب، وفي كلّ بلدٍ من بلاد الإسلام أحقّ أن يُخلّد ذكرُه، وأن يُنشر فضلُه، وحريّ أن تتساند محافل العلم في كلّ بقاع الأرض على إجلاله وتقديره”.
- وثانيهما: للعلامة الكبير سيدي عبد الله كنون في مقالته «البدائع» التي أبدع فيها بقوله: “وفي التاريخ المغربي مواقف مليئةٌ بالعظمة والجلال، وشخصياتٌ فريدةٌ تزهو على أعظم الأبطال، لو أُتيح لها أن تُعرض على الجمهور في المظهر اللائق بها، وتُجلى للعموم على منصة التقدير، لكانت لنا من الـــمُثُل العليا التي تهيب بالنفوس إلى تعشّق الفضل والكمال، فتنير في الفئام الكثيرة إلى احتذائها والنسج على منوالها”.
- وليعذرني القارئ الكريم؛ فالحديث عن القاضي عياض هو سباحة في بحر خِضَمّ ومتلاطم، وتحليق فوق سحاب كثيف ومُتراكم، وسياحة في فضاء واسع وشاسع، وجولان حول كوكب وقّاد ولامع، ومن ثَمّ لن يكون الحديث عنه من السّهولة بمكان، وأجدني مُمهداً بقول المقّري في «أزهار الرياض»: “اعلم أرشدنا الله وإياك إلى طريق الرضوان، وجنّبنا مسالك الذّل والهوان، أنّ حال هذا الإمام لا تفي بها عبارتي القاصرة، ولا تحيط إشارتي بمن عقد الفضل عليه خناصره”.
5.إذ كيف الحديث عن رجل قيل فيه: “بــحر علم، وهضبة دين وحلم”، وعن رجل قيل فيه: “جمال العصر، ومفخرة الأفق، وينبوع المــعرفة، ومعدن الإفادة”، وعن رجل قيل فيه: “مفخرةُ المغرب، وآية عن جلالته تُعرب”، أم كيف الحديث عن رجل قيل فيه: “عميدُ الأولياء بالبلاد المغربية”، وأحد عظماء المالكية”، كيف الحديث عن رجل يقول فيه معاصره وخِلّه: الفتح بن خاقان في «قلائد العقيان»: “جاء على قدر، وسبق إلى نيل المعالي وابتدر، فاستيقظ لها والناس نيام، وَوَرَدَ ماءها وهم جيام، أزْرَتْ محاسنُه بالبدر الليّاح، وسرتْ فضائلُه سُرَى الرّياح، فتشوّقت لعُلاه الأقطار، ووكَفتْ تحكي نداه الأمطار”.
- ومع هذا فعذرنا أنّ الحديث عن القاضي عياض يحلو، ولصدأ القلوب يجلو، على مبدأ من قال:
كرّر عليّ حديثهم يا حادي ** فحديثهم يجلو الفؤاد الصّادي
وتوسلّنا في الحديث عنه، قول شيخ الإشراق أبو الفتوح السهروردي:
أبـــــــــــــــــداً تحنّ إليكم الأَرواحُ** ووصـــالكم رَيحـــــانها والرّاحُ
وقلوبُ أهل وِدادَكم تشتاقكم** وإلى لذيذ لقائكم تـــرتاحُ
وحديثنا عنه يكفينا فيه شرف الانتساب، وثَنْيُ الركب على الأعتاب، وإدمان قرع الباب.
- مُفتتح حديثنا عن الإمام أبي الفضل القاضي عياض يبدأُ من عند الإمام أبي عليّ الحسن اليوسيّ الذي يحكي عنه الإفراني في «درر الحجال» ويقول: “ونظيرُ ما شاع على الألسنة ما أخبرني به الفقيه أبو عبد الله ابن المبارك لـمّا قدم أبو عليّ اليوسيّ لزيارة ضريح عياض في حدود المائة وألف، عرض له جيرانُ ضريحه، فقالوا له يا سيّدي: نُريد حرم أبي الفضل، يَعنون من ضريحه إلى باب حومته، فقال لهم أبو عليّ: الـــــــمغربُ كلّه حـــــرمٌ لأبي الفضل”؛ بهذه الجملة المختصرة والمعبرة اختزل الإمام اليوسيّ مكانة القاضي عياض ومنزلته، وواقع الأمر أنّ المغرب لم يكن حرماً لأبي الفضل فقط، بل كان حـــرماً بـــــــأبي الفضل أيضاً، فقد شكّلت مواقفه ومؤلفاته حصنا منيعا في وجه الكثير من التيارات الفكرية والمذاهب الكلامية والسلوكية التي عملت على اختراق الاختيار السّني بالمغرب.
- 8. أجمع كلّ من ترجم للقاضي عياض مغاربةً ومشارقةً، قديماً وحديثاً على إمامته، وأطبق على الثناء عليه -كما يقول العباس في «الإعلام»-: “الأئمة شرقاً وغرباً، معاصروه فَمَن بَعْدهم إلى هلّم جرّاً، ووضع الله تعالى له القبول والمحبّة في قلوب الخلق جزاءً وفاقاً”، ويكفي العكوف على قراءة حياته وسيرته، وتتبع مواقفه ومسيرته، ودراسة كتبه ومؤلفاته، لنُدرك سبب هذا الإجماع على شخصيته، حينها نعلمُ أنّ عياضاً كان رجلاً بأمّة، وممن يصْدُقُ فيهم قولُ الحقّ سبحانه:{ وجعلناهم أئمة}، وخير من يتمثلُ فيه قولُ رسولنا الأمين: ( يحملُ هذا العلم من كلٍّ خلف عدُوله، يَنفُون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين).
- اعتبر المرحوم الأستاذ محمد بنشريفة القاضي عياض أشهر شخصية مرّت في تاريخنا العلمي، ومصنفاته كُتب لها من الذّيوع والانتشار مالم يُكتب لغيرها، يقول: “لا نبعد إذا قلنا إنّ القاضي عياضا-رحمه الله- يكاد أن يكون أشهر الأعلام في تاريخنا العلمي على الإطلاق، فقد طارت شهرته في عصره وبعد عصره بالمغرب والمشرق على السّواء، وكُتب الذّيوعُ بحقٍّ لمؤلفاته، وُرُزِقَ بعضها ك «الشّفا»، من الحظوة والسر، وحسن القبول والتّلقي لدى الخواصّ والعوامّ مالم يُرزقه فيما نحسب مُؤَلَّفٌ مغربيّ آخر”. يتبع…
د. محمد شابو









































































PDF 2025

