2- الصدق
شهر رمضان مناسبة سانحة لتدبر آيات، وتأمل ظواهر، ومراجعة مواقف شخصية وعمومية.
ومن خلال متابعة ما تتناقله وسائل الإعلام المختلفة من أحداث ووقائع، داخل بلادنا وخارجها، يتبين أن مختلف حالات الفساد والانحراف الرائجة حاليا في سوق الأخبار، راجعة في عمقها إلى غياب فضيلة الصدق لدى كثير ممن هم متابعون أمام القضاء بما هو منسوب إليهم من أعمال يعاقب عليها القانون.
***
وما يهمني في هذا السياق، هو أهمية استحضار فضيلة الصدق في هذا الشهر الكريم، وقيمتها التربوية في تنشئة الصغار على صفاء الفطرة التي يولدون عليها، وتحصين الأفراد والمجتمعات من كل ما يناقض الصدق من:
كذب، وغش، ونفاق، ورياء، ورشوة، وزور، وتدليس، ونصب، واحتيال، ووشاية، وافتراء، وحقد، وكراهية، وشطط، وظلم…
ومن أجمل القربات وأقربها جوارا للصدق “الصدقة” التي تعد من أجمل الأعمال وأنفعها لمستحقيها، ماديا ومعنويا، وخاصة في هذا الشهر الكريم.
فما أعظم الصدق في الصدقة، وفي الصداقة والمحبة أيضا !
سراج ذلك أن فضيلة الصدق حاضرة في القرآن الكريم بصيغ مناسبة لسياق ورودها؛ منها اقترانها بالتقوى في قوله تعالى:
((والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون)) (الزمر: 32)
وجاءت مقترنة بما بشر الله به المؤمنين بقوله سبحانه:
((وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم)) (يونس:2)
كما جاءت متصلة بالجزاء الأوفى الذي أعده سبحانه للمؤمنين في قوله عز وجل:
((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما)) (الأحزاب: 23، 24).
***
ولمنزلة الصدق العظيمة في شريعتنا حث الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم على التحلي به والتزامه، وحذر من وخيم عاقبة الكذب، فعن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا)). رواه الشيخان وأبو داود والترمذي.
***
كما أولاها علماء التربية المسلمون عناية بالغة، فهذا الإمام الحارث المحاسبي يقول في “رسالة المسترشدين” ص: 72 ((وآثر الصدق في كل موطن تغنم، واعتزل الفضول تسلم، فإن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى رضا الله تعالى…))
وهذا الإمام القشيري ينقل في رسالته، ص: 245 عن أستاذه أبي علي الدقاق قوله: ((الصدق: عماد الأمر، وبه تمامه، وفيه نظامه، وهو تالي درجة النبوة، قال الله تعالى: ((ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا)) (النساء: 68).
**
ولم تغب فضيلة الصدق عن قرائح الشعراء من ذلك قول الشاعر محمد إقبال:
إن سر الدين أكل للحلال
وهو صدق، والتملي للجمال
وقول شاعر:
الصدق عز فلا تعدل عن الصدق
واحذر من الكذب المذموم في الخلق
وقال آخر:
عود لسانك قول الصدق تحظ به
إن اللسان لما عودت معتاد
**
وبعد؛
فإذا كانت مشاكل القوم مردها إلى غياب صدق النيات، والأعمال، والمقاصد، فإن الترياق المداوي لهذه الآفات المدمرة للمجتمعات كامن في فضيلة الصدق، مقرونة بالإصغاء، قولا وفعلا، لقول رب الأرباب:
(( طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم)).(محمد:22).
فلتصدق النيات؛
ولتصدق الأعمال؛
إن كنا – حقا – نريد حياة طيبة، في مجتمع مرصوص البنيان، ينعم بالسلم الاجتماعي، والأمن الغذائي والثقافي.
ومسك الختم وباب الخير نقبسه من نور الآية الكريمة:
((وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا)) الإسراء: 80.
د. محمد محمد المعلمي









































































PDF 2025


