من أعلام موسيقى الألة بطنجة ..
جريدة الشمال – عبدالمجيد السملالي ( (باحت في تاريخ الموسيقى الأندلسية) )
الأربعاء 08 نوفمبر 2017 – 16:24:45
•أجـدُنـي اليوم مَدفـوعــًا أكثر من أي وقت أخر إلى كتابة تعريف بأحد رجال الفن الأصيل وألمع الولوعين بموسيقى الألة بطنجة، إنه الشريف مولاي إدريس بن مولاي علي الوزاني، وذلك بعد شِدَّة اندهاشي واستغرابي لما سُطر في مقالة حملت عنوان: (قائمة الهواة والمطربين للموسيقى الأندلسية بمدينة طنجة 1990–1982) نشرت أخيرًا على صفحات جريدة طنجة الغراء. العدد 3968.( 23 شتنبر 2017). وعلى صفحات جريدة الشمال االهادفة في رسالتها الإعلامية. العدد 908. ( 26 شتنبر 2017). الصفحة 12، والمقالة بقلم الدكتور رشيد العفاقي، وهي عبــارة عن تقديم ونشر وثيقة وضعها الشريف مولاي إدريس الوزاني (ت 2011م).
وبعد قراءة تلك المقالة وإعادة النظر في مضمونها المرة بعد الأخرى ظَهَرَ لي أن الدكتور المحترم لم يحالفه الصواب في هذا التقديم ، وقد أبـانَ عن قصوره في معرفة أعلام موسيقى الألة بطنجة، فهو لم يحسن استثمار نص منشور من قبله بل ووضع له تقديما (يا ليته لم يخطه)، فهذا النص: (قائمة الهواة والمطربين) كان بين يديه منذ مدة ( فقد سبق لي أن نشرته على صفحتي بالفيس بوك، وكذلك في صفحة هواة الموسيقى الأندلسية المغربية سنة 2010)، فالكاتب لم يدقق في مضمون النص، الذي ضم جميع المعطيات الصحيحة لكنه مع الأسف أورد جلها مغلوطة في تقديمه، مما يظهر أنه لا يمتلك معرفة جيدة بأعلام شرفاء آل وزان، ولا بموسيقى الألة وأعلامها وبقضاياها الفنية. لذلك يلزمني الكشف عن بعض الأخطاء الواقعة في تقديمه.
التعريف بمولاي إدريس بن علي الوزاني:
هو مولاي إدريس بن علي بن الحاج عبدالسلام بن العربي الوزاني، كان يحلو له توقيع نسبه بشريف دْوَزَّان، فهو سليل بيت الشرفاء الوزانيين الذائع الصيت في ربوع المغرب قاطبة، وكان لبعض أفراد هذا البيت مساهمة في انتعاش مجالس طرب الألة في الوسط المحلي، كما كان لنخبة من أبنائه دور في رعاية وتشجيع هواة هذا الطرب الأصيل من خلال المجالس والأمسيات التي كانت تحتضنهما دَارَا الضمانة: في حي دار البارود وفي حي مرشان.
ازداد مولاي إدريس بمدينة طنجة يوم 13 ذي الحجة 1335هـ موافق 30 شتنبر1917م، وتربى في كنف والديه محاطا برعايتهما، واللذين سعيا إلى تهذيبه وترسيخ القيم النبيلة في نفسه، ونشأ بين أسرة تتألف من ثمانية أبناء ذكور وهو أحدهم، وست بنات. ولما أدرك سن الخامسة ألحقه والده بالكتاب القرآني الخاص بالشرفاء الوزانيين المجاور لبيتهم بمرشان، وهناك شرع في تعلم القراءة والكتابة وفي استظهار أجزاء من القرآن الكريم تحت إشراف الفقيه المدرر أحمد اللغميش الزرارعي الذي كان يحظى برعاية خاصة من قبل والده.
وبعد فرض النظام الدولي على مدينة طنجة سنة 1925م، هاجر مولاي إدريس مع جميع أفراد أسرته إلى داخل المغرب، وعمره يومئذ لا يتجاوز ثمان سنوات، حيث اختارت عائلته الاستقرار في مدينة سلا أولا ثم في مدينة مكناس.
وبعد أربعة سنوات من الهجرة عادت الأسرة بجميع أبنائها إلى مسقط الرأس سنة 1929م، وهي السنة التي ألحقه فيها والده بالمدرسة الحكومية التي كان يدريها الفرنسي بونسي (المدرسة الفرنسية العربية)، و هناك لازم فصولها الدراسية بضع سنوات إلى أن حصل على الشهادة الابتدائية سنة 1935م، ثم التحق بعد ذلك لمتابعة دراسته بكوليج مولاي إدريس بمدينة فاس، نظرًا إلى عدم وجود ثانوية بمدينة طنجة في تلك الفترة، وهناك في مدينة العرفان أدرك مبتغاه العلمي ونال قسطا من المعارف المختلفة، وإثر مشاركته سنة 1938م في أعمال احتجاجية على تصرفات السلطات الفرنسية تجاه الزعماء الوطنيين والمناضلين الحزبيين الذين كانوا يرفعون مطالب مشروعة تضمن حرية وكرامة المواطنين المغاربة قاطبة، أرغمته سلطات الحماية على مغادرة مدينة فاس، بعد أن سحبت منه جواز سفره، ومنعته من العودة إلى مسقط رأسه، وحالت بينه وبين الدخول إلى منطقة طنجة الدولية، وفرضت عليه الإقامة الإجبارية في مدينة القنيطرة حيث كان شقيقه الأكبر مولاي الحسن يتولى باشوية تلك المدينة.
وإثر انتهاء الحرب العالمية الثانية ونزول القوات الأمريكية بمنطقة الغرب، تمكن مولاي إدريس الوزاني سنة 1945م من استعادة جواز سفره بواسطة بعد تدخل أحد الضباط الأمريكيين.
وفي سنة 1946م حل بمدينته واستقر بها نهائيا، بعد غياب دام سنوات عديدة، فارق فيها الأهل والأحباب، وفقد فيها مجالس الفن الأصيل (الألة) التي كانت تقام في منزل والده مولاي علي بمرشان، وفي منزل عمه مولاي أحمد بدار البارود.
وبعد عودته إلى مسقط رأسه تولى وظائف هامة في الإدارة الدولية، وهي التي كانت يومذاك تدبر كافة المرافق العمومية في مدينة طنجة.
وبعد حصول المغرب على استقلاله وعودة منطقة طنجة إلى الوطن الأم، انتخب مولاي إدريس الوزاني ممثلا لمدينة طنجة في أول مجلس تشريعي بالمملكة المغربية سنة 1963م، ونظرا لخدماته العديدة وتفانيه في عمله ومساهماته في الأعمال الاجتماعية أنعم عليه جلالة الملك الحسن الثاني بوسام الرضى من الدرجة الأولى.
وعُرِفَ الشريف مولاي إدريس الوزاني طيلة حياته بنشاطه المميز في العديد من الجمعيات الاجتماعية والفنية بمدينة طنجة ومن أهمها: مؤسسة دار الهناء لرعاية ذوي الاحتياجات الخاصة، جمعية هلال الأحمر، نادي الأسود الدولية، وجمعية غرسة غنام.
وأما جمعية هواة الموسيقى العربية بطنجة فهي الجمعية التي صال وجال فيها الشريف مولاي إدريس الوزاني خلال سنوات طويلة، فقد حظي برئاستها منذ تأسيسها سنة 1957م، وإليه يعود الفضل في استمرار بقائها لعدة عقود من الزمن، وتواصل إشعاع أنشطتها الفنية، كما كان له يد في مد جسور التواصل مع بعض الفرق الفنية الجزائرية التي كانت تعنى بالطرب الغرناطي الذي كان له اهتمام كبير بتراثه ويجيد أنغامه وأدواره، وقد ذلل لتلك الجمعيات سبل إحياء الأمسيات الفنية بفضاءات مدينة طنجة. وقد ظل مولاي إدريس يرعى نشاط جمعية هواة الموسيقى العربية ويساهم في إنجاح لقاءاتها الفنية إلى حين وفاته.
وقد جاء تأسيس هذه الجمعية بمبادرة من نخبة المولعين بالفن الأصيل (الألة) خاصة، وبالموسيقى العربية عامة، بعد حصولهم على هبة مالية من أمير الكويت أنذاك الشيخ الصباح، ومن ألمع الوجوه الفنية التي ساهمت في هذا التأسيس نذكر: محمد العربي المرابط، أحمد الزيتوني، محمد بن عبد الله، محمد المروش، ومولاي إدريس شريف دْوَزَّان الذي وضع الأعضاء المؤسسون فيه الثقة الكاملة لكفاءته الفنية ولمكانته المعتبرة في الوسط المحلي، فأُسْنِدَتْ إليه رئاسة هذه الجمعية و عهد إليه بتدبير أمورها الإدارية والفنية.
ولقد كان لجمعية هواة الموسيقى العربية في بداية نشاطها ناد يجتمع فيه أعضاؤها وهواة الموسيقى بطنجة، ولم يكن هذا الفضاء الذي احتضنهم سوى النادي المحمدي الذي كان يوجد بزنقة عقبة الفرنسيس، ولم تدم فترة نشاطهم في هذا النادي إلا زمنا يسيراً.
وسعت الجمعية في بدايتها إلى إنشاء جوق تابع لها ضم ألمع الموسيقيين والمنشدين في مدينة طنجة، وغالبيتهم أدرجت أسماؤهم في قائمة المطربين وهواة الموسيقى الأندلسية التي وضعها مولاي إدريس الوزاني، وكما استطاعت هذه الجمعية في نهاية الخمسينات أن تؤلف مجموعة صوتية شابة (الكورال)، حظيت باهتمام كبير من قبلها.
ويعتبر هذا الكورال النسوي من أقدم المجموعات الصوتية التي عُرِفَت على الصعيد الوطني، وقد سجل جوق هذه الجمعية بمعية هذا الكورال شذرات من طرب الآلة لفائدة التلفزيون البريطاني، وتم ذلك في أحد فضاءات فندق فيلا دو فرانس….
(يتبع)









































































PDF 2025


