المساء يغرق مادا سحره على الشاطئ القروي المسمى تاريخيا ب”شاطئ التين العسلي”. هذا الشاطئ الصغير يشكل نهاية لمرتفع تغطيه أشجار ونباتات غابوية، يعرف سكان القرية أسماءها ظهرا عن قلب. قليل هم عشاق البحر الذين يرتادونه، فلياليه طويلة مملة، كما يقول بعض ممن جربوا الاصطياف به من قبل، على خلاف نهاراته التي يتفق جميع مرتاديه أنها مشرقة ممتعة، فالماء رقراق والرمال ذهبية، والمساحة بين مظلة ومظلة محترمة. حتى في الأيام التي تغضب فيها الأمواج أو تتجهم السماء، يكون الملاذ هو لعب الكرة والورق، وتنس الفضاء(لا تنس الطاولة أو العشب أو الملاعب الترابية)، والغناء أمام البحر وشرب كؤوس الشاي مع الفطائر والحلوى والشفنج، فيحلو الضحك وتتوارد الحكايات، ويميل الناس إلى تحرير ألسنتهم وفتح قلوبهم والإنصات إلى ما يفرح ويحزن، فالإنسان، مجبول على البوح واستجلاب العطف لما تلين النفوس وتنسى قسوتها وانغلاقها، أليس كذلك؟
يجلس تحت المظلة المغلقة، فالأشعة لم تعد تزعج العيون والرؤوس والأجساد الغضة كما في الظهيرة، أمامه، في هذا المساء الأخير من العطلة، إبنتيه: أميرة الشقراء الشعر ورغد القمحية، وإبنه حسين الذي تقول العائلة القريبة والبعيدة أنه “نص نص” فيه مافي رغد وفي أميرة، سبحان الذي خلق وعدل، لكن رغم كل هذا لا يخطئ أحد في الشيء السري الذي يجمع بين الثلاثة من أبناء فتحي عبدالفتاح وزوجته أمينة الشمسي.
رغد لا تشبع من لعبتها المائية: الغطس ثم الغطس والسباحة تحت الماء، فهي تحب التحدي وتكرار التحدي.
أميرة بشخصيتها الرومانسية تستريح فوق الماء وعيناها شاخصتان إلى السماء والأمواج الصغيرة تحركها يمينا وشمالا.
حسين يبتعد مجربا طاقته على الصبر وكفاءاته في السباحة بحس مغامرة محسوب كالتاجر الفطن.
ليس ببعيد عنهم تمشي أمينة وصديقتها نهلة انتشاء بزبد الأمواج الخفيفة جيئة وذهابا كعشاق شارع محمد الخامس…الوقت يخفت ضوءه شيئا فشيئا وهبات تأتي بهواء بارد…”إيوا الله يجعل البركة” يقول فتحي بتردد لأن صبره لم ينفد ويراعي مزاج اليوم الأول واليوم الأخير من أيام البحر.
الليل يدنو، اتجه فتحي بالمنشفات الثلاثة العريضة الصانعة لكشكول عجيب من الألوان حتى اقترب من عمق المياه، تردد إلى سمعه” خيلا بابا، غير شوية “، تيقنوا أن قراره لا رجعة فيه دون أن يقول كلمة، فخرجوا الواحد وراء الآخر، كانت رغدة آخر العنقود هي الأخيرة، ارتعدت أجسادهم، قال حسين: “المياه دافئة” ، أضافت أميرة : “آه لو بقينا فيها”، ساعد حسين بحنو الأب رغدة على إدارة الفوطة على جسدها، وأبوهم يرد: “لكن آلا ترون أن البرد يقصف عظامكم”.التحقت أمينة ونهلة بالجمع. قالت : “الظاهر أنكم لم تشبعوا من البحر”، “والحقيقة أصاحبتي، تضيف نهلة، أن البحر لا يشبع منه، صيف السنة المقبلة سنكون في الموعد إن شاء الله…”
سار الجمع في صمت، متباطئ الحركة وسط الرمال، كانت الأمواج تبتعد وأضواء قوارب الصيد الأولى تتناثر على أديم البحر وهواء بارد يعلن ولادة فصل جديد من القديم…كما يروي الراوون في الساحات.
| عبد الحي مفتاح |









































































PDF 2025

