ظلت بلاد الأندلس، كانتماء حضاري وكحلم مفقود، تمارس سلطتها الرمزية على قطاعات واسعة من الباحثين ومن الكتاب ومن المبدعين ومن المثقفين المغاربة على امتداد العهود الزمنية الطويلة التي أعقبت واقعة طرد آخر الحكام المسلمين من شبه الجزيرة الإيبيرية سنة 1492م. ونتيجة لذلك، برزت أعمال متواترة في حقول معرفية مختلفة، لعل أهمها التاريخ والفلسفة والآداب والفنون، اهتمت بالنبش في القيم الإنسانية السامية التي خلفها حضور عربي أمازيغي إسلامي يهودي قوي، أفرز نظما راقية في العطاء وفي الإبداع وفي التعايش وفي التسامح بالنسبة لمعتنقي الديانات السماوية الثلاث. ومع حدوث النكبة، وتواتر تأزم الأوضاع والعلاقات بين الضفتين الشمالية والجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، في سياق تداعيات وصية إيسابيلا الكاثوليكية الشهيرة وما تلاها من نكسات موريسكية خطيرة لازالت آثارها قائمة إلى يومنا هذا، عرف الوعي الجمعي المغربي عودة شاملة نحو تقليب صفحات وجهنا الأندلسي الناصع، وتوج ذلك بإضفاء طابع مؤسساتي على أشكال بروز هذا الوجه في حياتنا اليومية مع إدراج البعد الأندلسي داخل وثيقة الدستور المغربي لسنة 2011 باعتبار هذا البعد رافدا من الروافد الأساسية للهوية المغربية المركبة.
والحقيقة، إن الدراسات الأندلسية المغربية المعاصرة قد استطاعت تحقيق تراكم هائل ارتبط بأعمال جامعية وأكاديمية اكتست صفات التميز والجدة والمصداقية داخل المنابر الدولية المتخصصة، مثلما هو الحال –على سبيل المثال لا الحصر- مع الأعمال التأسيسية للأساتذة محمد بنشريفة، وعبد الواحد أكمير، وامحمد بنعبود، ومحمد الشريف، ومحمد زنيبر، ومحمد بن عزوز حكيم، ومحمد الصباغ، وعبد الله كنون، وثريا لهي،… وبذلك، تحولت “أندلس الأعماق” إلى موضوع متجدد بتجدد قضاياه، وإلى أسئلة مشرعة على رحابة فعل التأمل والاستثمار العلمي والإبداعي، بل وانتقل التأثير إلى ممارسة غوايته على قطاعات واسعة من باحثي إسبانيا الحالية، ممن انفتحوا على العمق الإسلامي لبلاد الأندلس وفق رؤى مجددة، متحررة من أجواء محاكم التفتيش ومن قيود سلط الكنيسة، وكذا من ثقل التاريخ الكولونيالي الإسباني فوق الأرض المغربية.
في سياق تواتر عطاء الدراسات الأندلسية المغربية المعاصرة، صدر كتاب “بنو سمجمون الطنجيون”، لمؤلفه الأستاذ رشيد العفاقي، سنة 2020، في ما مجموعه 164 من الصفحات ذات الحجم الكبير. ويشكل الكتاب، الإصدار الأول ضمن سلسلة “بيوتات أهل الأندلس” التي يشتغل عليها الأستاذ العفاقي، استثمارا لعطاء أطروحة الدكتوراه التي كان قد دافع عنها سنة 2015، بعد أن قرر تحويل نتائج هذه الأطروحة إلى مجال مفتوح للتعزيز وللتطوير وللإغناء، وهو سلوك نبيل لا يصدر إلا عن “الكبار” في علمهم وعن “العلماء المشاركين” الذين يقدرون قيمة البحث وحدوده وآفاقه وأشكال ضمان استغلال نتائجه واستمرار تشريحها ومساءلتها.
وبخصوص الأفق العام الذي وجه عمل الأستاذ العفاقي في توجيهه الاهتمام نحو السيرة العلمية لعائلة بني سمجون، نقرأ في التصدير العام للكتاب: “يجمع هذا الكتاب تراجم علماء بيت بني سمجون، وهم من أعرق العائلات الطنجاوية في العلم والوجاهة، وأقوى وأنصع مثال على الترابط العلمي والثقافي بين طنجة والأندلس، فقد تولى عدد من أعلام هذا البيت خطة القضاء ببعض الحواضر الأندلسية، وكثير منهم ولدوا بالجزيرة الأندلسية، فصاروا من أهلها ومن علمائها ونبهائها، وهم معدودون من أهل غرناطة، لقد أقبل أبناء بيت بني سمجون على التعلم والدراسة، ونبغوا في العلم وتوارثوه جيلا بعد جيل. وكانت بداية ظهورهم في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري، ثم تسلسل العلم في هذه الأسرة الطنجية إلى بداية القرن الثامن الهجري… كان لهم اعتناء بالعلم واهتمام بتحصيله، ثم كان لهم العطاء الجزيل في ميدان إفادته حين صاروا من شيوخ العلم المبرزين بالمغرب والأندلس. والحق أن هذا البيت الطنجي الأندلسي يستحق أن يفرد بكتاب مستقل، فقد ذكر ابن عبد الملك الأنصاري المراكشي أنه أنجب 18 قاضيا”.
ولإضفاء قيمة أكاديمية رفيعة على طرق تجميع المادة الخام للكتاب، ثم تصنيفها وتطويعها في شكل متن متماسك ومقنع من الناحية العلمية، اهتم المؤلف في القسم الأول من الكتاب بتفصيل الحديث عن جذور المجتمع الأندلسي وأصوله التاريخية، راصدا سياقات تحول الولاء والانتماء داخل هذا المجتمع من “القبيلة” إلى “البيت”، ومركزا على التعريف بأهم العائلات الأندلسية وبأبرز بيوتات العلم والآداب التي ميزت مرحلة الطوائف والتجزئة الأندلسية للمراحل المتأخرة للوجود الإسلامي بشبه الجزيرة الإيبيرية. وفي القسم الثاني من الكتاب، انتقل المؤلف لتفصيل الحديث عن عائلة بني سمجون الطنجية، مركزا على تقديم نبش دقيق في السير العلمية والأدبية لمجموعة بلغت ثمانية عشر اسما وعلما في مجالات الفكر والإبداع والآداب، ممن ينحدرون مباشرة من هذه العائلة.
يقدم الكتاب قيمة مضافة لحقل الدراسات الأندلسية، ويقدم –كذلك- إسهاما متميزا في الكشف عن الأدوار الحضارية والعلمية التي اضطلعت بها مدينة طنجة داخل محيطها الإقليمي بغرب البحر الأبيض المتوسط. ويبدو، من خلال سير العلم والعطاء المعرفي من أسرة بني سمجون، أن المدينة كانت رائدة زمانها، واستثمرت موقعها الجغرافي بين عوالم العصر الوسيط من أجل التحول إلى مركز للتلاقح الحضاري والإبداعي، أنتج كل هذا الخصب الذي نصفه –اليوم- بالهوية الثقافية لمدينة طنجة، طنجة التاريخ والأصالة، طنجة الإبداع والعطاء، طنجة السمو والرقي.
أسامة الزكاري









































































PDF 2025

