… اللهمَّ اجعلنا من أصحاب البصائر النافذة التي تتوق شوْقاً إلى لقاء الله ، و هم الذين يشهدون أنْ لا إله إلاَّ الله و أنَّ محمداً رسول الله . و من الذين إذا نزل بهم همُّ فزعوا إلى الصلاة ، لأنها حصن المسلم و غذاء الروح و عمود الدّين و دواء النفوس . تترادف خطب الجُمَع على منابر المساجد تحقيقاً للمقاصد الشرعية ، بالإكثار من الدُعاء و الاستغفار ، ثمَّ تنبلجُ أسارير الآمال عند هجرة القلوب إلى ربّها دائمة ، لقول الله جلَّ في علاه : في بيوت أذن الله أنْ تُرفع و يُذكر فيها اسمه ، يُسبّحُ لهُ فيها بالغدُّو و الآصال (سورة النور ،الآية 36) . و قال عثمان بن عفان رضي الله عنه ، أنَّهُ سمع رسول الله –صلى الله عليه و سلم- يقول : مَنْ بنى مسجداً يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة . هؤلاء هم الذاكرون و الذاكرات ، وظائفهم عبودية الله ، سبحانه الذي غمرهم بالصلاة و السلام على خير الأنام . فكلمة الخطاب على منابر المساجد قوَّة مُعبّرة تنفُذُ إلى قلوب المصلين ، لتحمل دلالة الفعل ، بالتدَبُّر في كتاب الله ، الذي حوى كل العلوم ، كيْ تحملهم على الخشوع ، وقد تصْفوا قلوبهم للإيمان حتى لا تعصف بالإيمان رياح الباطل . فسبحان الذي رفع السماء بغير عَمَد . من بين عدد النصائح التي أسداها الخطيب إلى المصلين ، هي ، السكينة و الوقار ، و أثرُ ذلك في نفوس العابدين التائبين الخاشعين . قال رسول الله (صلعم) : صلوا كما رأيتموني أصلي . عند نهاية صلاة الجماعة ، يجب مُغادرة المسجد بهدوء و سكينة و طمأنينة . و من آداب الصلاة عدم التسرُّع في مُغادرة بيت الله ، فليستْ الصلاة عادة بل عبادة ، لدين جمع الفضائل و المحاسن ، إذ يُرْفع صوْتُ الحقّ خمس مرات في اليوم و الليلة من ومآذن المساجد . تتكشف لنا مراجعة دواعي السهْو أثناء الصلاة في خطبتيْ الجمعة على لسان الفقيه الأستاذ يوسف اغزييل الخطيب ، و قد أجاد و أجزأ عن جميع المصلين ، في لفت الأنظار إلى هذا النوْع من السلوك ، جزاهُ الله عنا خير الجزاء . فكان اختياره لخطبتيْ الجمعة ، بعنوان :
-الصلاة آداب و أحكام – وليس خفيا أن الصلاة تعتبر ركنا من أركان الإسلام كما جاء في الحديث الصحيح ” بني الإسلام على خمس شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا ”
وهي أساس الدّين وعموده الذي يشيد عليه باقي تعاليمه إذ يقول الرسول صلى الله عليه وسلم” لكل شيء عمود ، وعمود الدّين الصلاة ، وعمود الصلاة الخشوع ” وقد جعل الحق سبحانه إقامتها من صفات المتقين. قال تعالى ” ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ” وتحقيقا للاستعانة بالله سبحانه نجد الحق سبحانه وتعالى جمع بين الصبر والصلاة في كتابه العزيز قال تعالى ” واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين” وهكذا نجد سيدنا محمدا عليه الصلاة والسلام إذا حل به هم أو غم أسرع إلى الصلاة وكان يقول صلى الله عليه وسلم ” أرحنا بها يا بلال” وأخبرنا عليه الصلاة والسلام بأن جعلت قرة عينه في الصلاة ، لأنه بالصلاة تتحقق طمأنينة القلب وسكينته ولا غرو في ذلك حيث أخبرنا الحق سبحانه أن القلوب تطمئن بذكر الله قال تعالى ” الذين ءامنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب ” والصلاة أعظم لون من ألوان الذكر ،كما قال تعالى “ولذكر الله أكبر” . قال الإمام ابن جزي رحمه الله في تفسيره ، فيها ثلاثة أقوال منها: أن الصلاة أكبر من غيرها من الطاعات ، وسماها الحق سبحانه ذكرا لأن ذكر الله أعظم ما فيها ، وهي حظ أمة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام من رحلتي الإسراء والمعراج حيث فرضت في تلك الليلة المباركة .
و الصلاة من العبادات التي أمر الله بها جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قال تعالى حكاية عن سيدنا عيسى عليه السلام ” وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دُمتُ حيا” وقال أيضا مخبرا عن سيدنا موسى وأخيه هارون عليهما السلام ” وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين ” وقال في سياق ثنائه على سيدنا إسماعيل عليه السلام ” وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا ” وأخبر عن أنبيائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب علهم السلام ” وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين ” وقال مخاطبا سيدنا محمدا عليه الصلاة وأزكى التسليم
” أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إنَّ قرآن الفجر كان مشهودا ” .
وأداؤها في وقتها من أفضل الأعمال عند الله تعالى كما قال عليه الصلاة والسلام ” أفضل الأعمال الصلاة في أول وقتها” بل ومن أحبها إلى الله قال صلى الله عليه وسلم ” أحب الأعمال إلى الله الصلاة لوقتها ، ثم بر الوالدين ” .
ومن أراد أن يكتب الله له براءتين: براءة من النفاق وبراءة من النار فليحرص على تكبيرة الإحرام أربعين يوما كما جاء في الحديث عن أنس ابن بن مالك رضي الله عنه قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” من صلى لله أربعين يوما في جماعة ، يُدرك التكبيرة الأولى ، كتب له براءتان : براءة من النار وبراءة من النفاق ” .
وهذا لا يعني أن الإنسان مطالب بالتعجيل والسعي إلى الصلاة حرصا منه على تكبيرة الإحرام ، بل عليه أن يذهب وعليه السكينة والوقار كما قال رسولنا المصطفى عليه الصلاة والسلام ” إذا ثوب للصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة والوقار ، فما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فاقضوا ” .
وإذا دخل في الصلاة فليحذر أن يكون ممن وصفهم الرسول الكريم بأسوأ الناس سرقة كما جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ” أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته ، فسئل : وكيف يسرق من صلاته ؟ فقال : لا يقيم ركوعها ولا سجودها ولا قيامها ولا خشوعها ” والسرقة في الصلاة تعني أداؤها بدون اطمئنان وبدون خشوع مع الاشتغال بأفعال خارج الصلاة كالالتفات وغيرها من الاختلاسات التي يختلسها الشيطان من صلاة العبد ، والحال أن الصلاة لا يمكن أن يكون لها تأثير على سلوك الإنسان ونفسه إلا إذا أداها الإنسان وهو مستجمع ذهنه حاضر البال مستحضرا عظمة الباري جل وعلا ، لذا يقول الرسول عليه الصلاة والسلام ” ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها ” وقد وصفها الرسول عليه الصلاة والسلام بكونها نورا، لكن لمن ؟ فإنها لا تكون نورا إلا لمن أقامها وليس لمن أداها وأغلب الناس فينا اليوم يؤدي الصلاة ولا يقيمها بمعنى أنهم لا يؤدونها بخضوع وتذلل وطمأنينة وسكينة ، والصلاة إذا أقيمت بغير هذه الأوصاف لم تحقق الغاية المنشودة من تشريعها ألا وهي ضبط سلوك الإنسان وكبح جوارحه عن المحرمات ، قال تعالى ” إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ” ، وقال الإمام السمرقندي في تفسير قوله تعالى ” إن الصلاة تنهى عن الفحشاء”: إذا صلى العبد لله صلاة خاشع يمنعه من المعاصي ، لأنه يرق قلبه ، فلا يميل إلى المعاصي ” .
وحيث إنَّ الصلاة لم تنعكس على سلوك الإنسان ولم تغير منه شيءً فإنها تكون قد فقدت روحها وردت على صاحبها ، كما قال الحسن البصري رضي الله عنه ” إذا لم تنته بصلاتك عن الفحشاء فلست بمصل ” .
ومن أمرنا الله سبحانه وتعالى بإقامتها ولم يأمرن بأدائها وإقامتها تكون بإتقان ركوعها وسجودها وقرءاتها . يقول الرسول عليه الصلاة والسلام ” لا صلاة لمن لم يقم صلبه في الركوع”.
هذا إذا كان المصلي منفردا أما إذا كان مأموما فإنه مطالب بأن يقتدي بالإمام في ركوعه وسجوده وقيامه وقعدوه وفي كل شيء عملا بقول الرسول عليه الصلاة والسلام ” إنما جعل الإمام إماما ليؤتم به ، فإذا ركع فاركعوا ، وإذا سجد فاسجدوا” .
وصفوة القول إنَّ الصلاة المقبولة هي الصلاة التي تنعكس على سلوك الإنسان بحيث تحول بينه وبين الفواحش والمنكرات كما قال تعالى إنَّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون ” صديق الله العظيم .. يا حيّ يا قيوم برحمتك أستغيث .
عبد المجيد الإدريسي.









































































PDF 2025


