لا يخفى على متتبعي المجال الإبداعي ما تمثله حياة المبدع الشخصية أو قصته-إذا صح التعبير- بالنسبة للمتلقي الذي يتفاعل مع أعماله؛ فالإنسانُ عاطِفِيٌّ يمارس النقد التأثري أكثر من الموضوعي كما هو معروف، ولهذا لا يمكنني أن أخلق تفاعلا مع أعمال التشكيلية المغربية كوثر شريكي الفريدة والراقية دون الوقوف عند معطى يجعل من تجربة الفنانة تجربة ثنائية التأسيس أنظر إليها من زاويتين اثنتين، الزاوية الأولى هي شخصية الفنانة التي تساهم في تأطير أطفال مشغل الرسم ضمن فعاليات منتدى أصيلة، والتي تعيش معهم أسئلة الفن الأولى وتخيط معهم مسيرا منظما لخطوطهم وخطواتهم المرتبكة، تصلحُ هفواتهم وتزيح عن قلوبهم الخوف من بياض الورقة أو اللوحة أو الجدار، لتكون بهذا مستفيدة أيضا؛ إذْ تحافظ على براءتها وعلى العفوية التي تنقص لدى الفنانين مع مرور الوقت. كما أن المتأمل لأعمال الفنانة كوثر شريكي يلاحظ صفاء ذهنها وأناقتها في توظيف اللون ومزجه مع معطيات الطبيعة.
الزاوية الثانية هي زاوية موضوع الأعمال بصفة خاصة والتجربة بصفة عامة، والذي هو في الغالب واحد، وهذا ليس نقطة ضعف بل هو تميز وسير رصين نحو الكينونة المبحوثِ عنها، والتي استتمرت فنانتنا الطبيعة من أجل إيجادها؛ وكان هذا عبر جعل مكونات الطبيعة دائمة الحياة في جميع الفصول وحتى خارج الطبيعة-باعتبارها معطى يخالف المناطق التي يستقر فيها الإنسان-، فالفنانة متمسكة بقيم الطبيعة وتجعلها حاضرة دائما فهي الأصل والمسكن المشتهى، ثم إنها تنتقل بالمتلقي الذي يتأمل أعمالها إلى طبيعة قد لا يعرفها؛ وذلك عن طريق خلق تركيبات لونية يكون المحرك الأساس في مزجها هو الإحساس، وكأنها تخلق تيارات مع الطبيعة تمكّنها من نقل أحاسيس والتفاعل مع أخرى.
لعل الملاحظَ في تجربة الفنانة-والتي لا يمكن حصرها في هذي الأسطر البسيطة-أنها صاحبة تجربة متمردة على المألوف عائدة إلى الأصل، وهي بهذا تستحضر روح الطفل الذي يسكنها وجاورها بالأسئلة الأولى الجريئة التي يطرحها ويكتشف بها محيطه والعالم.
إن وجود الفصل الخامس لدى الفنانة كوثر شريكي أمر ضروري؛ لأنها تعتبره المسير الذي تسلكه الطبيعة للبقاء بجوارنا دائما، الأمر الذي يتشكل من خلال لوحاتها الدالة على هذا النقل الرومانسي، والتي تتميز بحضور جزء ميت من الطبيعة كالأعشاب والزهور وأوراق الأشجار…، ولعلي في هذا السياق مجبر على طرح سؤال محوري هو: مَنِ المخاطب في أعمال الفنانة كوثر شريكي، وما نوعية الخطاب الذي تدافع أعمالها عنه بالمقارنة مع مختلِف الأعمال والخطابات التي تدافع عن الطبيعة؟
وجوابا عن السؤال الذي طرحته يمكنني القول إن أعمالها تخاطب الإنسانية بصفة عامة، وتتميز بشراسة-بمفهومها الإيجابي-قد لا تتضمنها الأعمال الصريحة التي تقدم أفكارا جاهزة عن الطبيعة ولا تترك للمتلقي الحق في التفاعل والتأويل، فترقى أعمال كوثر شريكي بما يشبه التورية في الشعر؛ حيث إنها تحمل المضمر والصريح في آن، تقدم لك المعطى التي تدافع عنه وتقدم معه مساحات فارغة خاصة بالمؤول القادر على تفكيك تركيبات اللون والأحاسيس المختبئة.
محمد المؤدن









































































PDF 2025


